يلتزم الإعلام بدور هام وفاعل في توجيهات الرأي العام وأشكاله، وتشكيله، من خلال الضخ المستمر لوسائل الاتصال الجماهيري، فمن المعلوم أن أي شخص لا يمكنه تكوين موقف أو رأي معين إلا بتوافر المعلومات لديه، ما يؤكد قدرة الإعلام على إحداث تغييرات في المفاهيم والممارسات الفردية والمجتمعية عن طريق نشر المعرفة والتنوير والتعبير وتكوين الرأي تجاه القضايا المختلفة.
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ١٩٠
وفي الوقت الذي امتدت فيه تأثيرات وسائل الإعلام إلى جميع مناحي الحياة، بفعل مواقعها المتطورة الحاضرة في شتى المجالات، وقدرتها على الوصول إلى الجماهير وتفاعليتها وتأثيرها فيها، فإن هذا يفرض مراعاة البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لكل مجتمع بما يضمن احترام الهوية الثقافية لهذا المجتمع وخصوصيته.
وتوالت فقهات لسان احترام خصوصيات الشعوب والمحافظة على ثقافتها الوطنية من خلال فقهاء القانون الدولي لما يترتب على الأعمال تجاهل الأصل أو لا يخدم سنن التواصل الإنساني بين الشعوب، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
لقد أصبح الإعلام صناعة ضخمة وحضارية لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاهلها، ما يتطلب فهماً واسعاً واستيعاباً لمقولاتها ومناصرتها ومواكبة التطورات التي تشهدها، حيث تعددت أدوات الإعلام وتنوعت، وأصبحت أكثر قدرة على الاستجابة مع الظروف والتحديات التي يفرزها الواقع الإعلامي.
وإذا كان من حق الجمهور أن يقف على حقيقة ونتائج ما يجري من أحداث على الساحة المحلية والإقليمية والدولية، فإن للمعلن مع هذه الأحداث وتأثيرها وما يترتب عليها، حري أن يكون وفق إعلام أخلاقي أي توازن بين القيم السائدة وحق الإعلام.
إن أهمية وسائل الإعلام تكمن في كيفية استعمالها وتوظيفها بشكل هادف وعلى غير تحيز، فالرسالة الإعلامية قادرة على التحيز الموضوعي عند تناول القضايا المختلفة، بحيث تضمن وسائل إعلامية باطنًا مرجعي معياري.
إن وسائل الإعلام تقوم أحياناً، وبدون قصد ترسيخ لقناعات ليست في صالح الجمهور، مثل الترويج للإرهاب على سبيل المثال وليس الحصر، وأفعاله، فالعالم أجمع لا يستطيع إيضاح كل من أسامة بن لادن (المتوفي) والرئيس الأمريكي (جورج بوش) من وجهة نظرهم في سبتمبر 2006 في عينهما المجنون (الأعمى) وغير المعنية المنظمة المشتركة بين الإرهاب والإعلام، أن الطرفين الإعلام والإرهاب يستفيدان
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ١٩١
، فالإرهابيون يحصلون على دعاية لأهدافهم، والإعلام يستفيد مالياً من التقارير التي تنشر في هذا المجال، فمنذ هجوم 11 سبتمبر الخريطة وبعدها مباشرة، التلفزيون ووكالات الأنباء كسبت مبيعات هائلة وزيادة في قيمة الدعاية التي تبثها للتلفزيون. ما دفع (أرنولد ديفيز) المراسل الصحفي في الشرق الأوسط، ليستنتج ما نشره من معلومات ضمنياً كتابه صناعة الأخبار أن الإعلاميين يرتبطون بعلاقات إيجابية بالإرهابيين، وأخيراً، وبغض النظر عن الدوافع الإعلاميين تعتبر جزءاً أو مكملاً في خلق المناخ الإجرامي، إذ تشجع أفعال ما قامت به جماعات إرهابية أخرى على الأفعال والجرائم التي دفعهم هذا المجال، ما يسبب ربما ارتفاعاً في حدة العنف لديهم، وذلك على حساب الفعل الإجرامي نفسه. فقد ذكر الكثير من الأشخاص المنخرطين في العمل الإرهابي الذين ألقي القبض عليهم في العراق، بأنهم تأثروا بما كانت تعرضه قناة الجزيرة أو غيرها في هذا المجال، فقرروا الانضمام والالتحاق بالعراق وعلى القيام بالتفجيرات والعمليات الانتحارية. أن عرض المشاهد والمذابح والتصوير والأخبار بشكل متكرر ومبالغ فيه، إضافة إلى بث وجهات نظر الإرهابيين التي يقدمها الإعلام في الظروف بشكل متكرر، وتغطي ردود فعل سلبية من ضحايا هذه العمليات الإرهابية، خاصة في ظل تنافس وسائل الإعلام المختلفة على النقل الفوري للأحداث المتعلقة بالإرهاب من أجل تحقيق سبق صحفي، فالمحطات اعتادت ابتداء من جهود المراسلين والمشاهدين، والذي قد يكون على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية التي ترفض المساهمة في نشر العنف والرعب (الخليل، الدوحة، 2008).
ففي أحد الاستطلاعات التي أجريت لمعرفة ما إذا كان هناك دور للإعلام في تأجيج الإرهاب، أجاب 80% من مجموع المستجوبين بإجابة منطقية تفيد بأن الإعلام يلعب هذا الدور. كذلك هناك علاقة سببية بنيوية، تؤدي إلى تغطيات إعلامية مبالغ فيها للأحداث الإرهابية، على غرار ما يؤدي إلى خلق أزمات اجتماعية مصحوبة بتضخم إخباري إعلامي، كما يؤدي لتضارب المعلومات الأمنية، ما يولد قدرة الإعلام على إحداث تغييرات في المفاهيم والممارسات الفردية والمجتمعية عن طريق نشر المعرفة الإعلام بدوراً في تقبل العمليات الإرهابية إلى الخلايا النائمة أو النشطة أو القائمة.
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ١٩٢
احتمالات جديدة يتم جلبها، فلقد تبعت أغلب التنظيمات والجماعات والعمليات الإرهابية ذات صلة بهجمة أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تحويل منظمة قتالية فكرية بعينها مسؤولية هذه الأحداث، بينما اتهمت الاستخبارات والإرهاب والعديد أن الإعلام أصبح شريكاً ومواطناً وسلطة. في خضم هذا الخطاب الدائر حول التبعية الإعلامية جرت معظم وسائل الإعلام في الإعلام الجديد لتتفق حولها في التعامل مع هذه الأحداث ومع تداعياتها، فتحول بذلك أحداث 11 أيلول إلى مناسبة وظفت جيداً من الإعلام الغربي في تشويه صورة الإسلام، وتكوين صورة مظللة عنه بأنه عنيف والإرهاب، وذلك في سياق حملة إعلامية ضد العرب والمسلمين تتبعاً للكتب المدرسية لتضفي عليهم معطيات السلوكيات العدوانية والانفصالية (البلبيسي، 2008).
وبعد تبني طابعاً إخبارياً للإرهاب وتمثيل المقاربة الأمنية العسكرية في تغطية القضايا، علقت برمتها أهمية الرأي العام ضد الإرهاب من خلال وسائل الإعلام، وتفعيل دورها بهذا المجال بسبب قدرتها على الوصول لمختلف شرائح المجتمع وفئاته. وبإمكان وسائل الإعلام، وخصوصاً في الدول التي تعاني من خطر الإرهاب والتهديدات، على بث معلومات وتحليلات إخبارية عبر وسائل الاتصال الجماهيري لمادرة الفكر المتطرف والحيلولة دون تكيت من التأثير في الرأي العام وتحديداً في شريحة الشباب لضمان عدم انزلاق أي دماء جديدة في جريان الإرهاب بحيث يصبح عاملاً من ثم تصفيته لاحقاً.
إذ لا بد من ترسيخ مساهمة التغطية الإعلامية التي تشجع المشاركة الشعبية للإرهاب والظروف النوعية من الآراء والمقترحات للمجتمع المدني في التصدي لظاهرة الإرهاب والعنف بتوعية الناس بأخطارها، والتأكيد على أهمية توعية المواطنين بخطورة الإرهاب وآثاره السلبية على الأمن والاستقرار، ما يضمن تفعيل دور وسائل الإعلام في رفع مستوى الوعي بمخاطر الإرهاب.
كذلك لا بد من التقليل من جرعات المشاهد الدموية ومشاهد العنف والقتل والذبح، وذلك للحيلولة دون انجرار المشاهد على تقليد هذه المشاهد في الواقع، بل لا بد من طرح فكرة تشكيل فريق من الخبراء الدوليين في مجال الإعلام، لبحث سبل التوعية
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ١٩٣
