ما من ظاهرة اتصالية، اتسمت بالغموض والغرابة، وسوء القيم مثلما اتسمت به ظاهرة، (غسل الدماغ)، والتى وصفت بأسوأ شهرة فى التاريخ النفسى والسياسى الحديث، إذ حفلت الدراسات الكثيرة عن الظاهرة بالكثير من التهويلات والغرائب التى تصل حدود العجب وإثارة الدهشة أما على مستوى الفرد العادى، فلا يسع الباحث والمتخصص إلا أن يفغر فاه مما يسمع من الأوهام والخرافات والغرائب!!
وهذا الغموض والاختلاف فى تحديد ودراسة ظاهرة اتصالية نفسية كغسل الدماغ، والتى تعد من أكثر أساليب الحرب النفسية خطورة، يرتبط فى حقيقة الأمر بمتغيرين
أساسيين هما :
حداثة دراسة (غسل الدماغ): بوصفها ظاهرة اتصالية، تمتاك كيانها المنفرد وأشكالها وأساليبها الخاصة فى التعامل، والتى لا تزيد على أربعة عقود من الزمان، فقد ظلت الظاهرة تستعمل بأساليب متعددة وتحت أسماء أخرى عبر القرون، ولم يوحد الموضوع بطريقة مثيرة حتى اندلاع الحرب الكورية(١) . فى أوائل الخمسينيت من هذا القرن.
الخلط فى عملية الدراسة بين (غسل الدماغ) وظاهرتين اتصاليتين أخربين هما
(التثقيف) أولاً و(التحويل العقائدى) ثانيًا هذا من جانب فضلا عن التصاق المصطلح نفسه
(غسل الدماغ) باصطلاحات أخرى (كتغيير الاتجاه) أو (تقويم الأفكار) أو (التحرير الفكرى) أو (الاختراق الفكرى) أو (الإقناع الخفى)… إلخ.
من جانب أخر الأمر الذى أدى إلى الوقوع فى هذا القدر من التشويش والإربك فى مفهوم المصلح وتطبيقاته.
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ١٣٩
وعلى ضوء ذلك، فإن النهج الأكثر صوابًا فى دراسة الظاهرة لابد أن يمضى بعيدًا فى تاريخية المفهوم وتعريفه، وتناول مستويات غسل الدماغ، من حيث كونها ظاهرة فرنية أكثر من كونها اتصالا جماعيًا وهو الخطأ الذى وقع به الكثير من الدارسين والباحثين.
إن عملية (غسل الدماغ) فى حقيقة الأمر، ليست بالنظاهرة الحديثة فقد شهدت كل العصور والأزمان تطبيق هذه الظاهرة. وبالتحديد منذ أن عرف الإنسان قبل عشرات القرون مفعول الشعور بالإثم والندم والخطيئة على الدماغ وعرفه شعورًا مرهصًا وشدة ساحقة تؤثر فى فعالية المخ، والشدائد على أنواعها بطبيعة الحال تجعل المخ قابلا للالتقاط والإيحاء ومن ثم الانعطاف من اتجاه إلى آخر فى المذهب والعقيدة.
لذا فإن فرض المذاهب والعقائد ليست ظاهرة جديدة فى المجتمع البشرى، وهى لا تختلف عن الظاهرة الحالية سوى أن (غسل الدماغ) يتم الأن بوسائل أكثر دهاء وتجريبية وتقصدًا، أى أن تلك الوسائل والفنون بقدر ما كانت تجريبية وعفوية، أصبحت الأن بفضل العلوم النفسية والفسلجية، ذات تقنية منسقة مخططة وعرضة للدرس والتطوير المستمر.
لقد ضم أدب الشعوب وتاريخ الأمم وحياة الأنبياء الكثير من أمثلة التحويل الفكرى المفاجئ والمدبر له، من خلال الفعل الطقسى والأناشيد والرقص من أجل تعديل الدماغ لأغراض بينية، فقد استعمل الإغريق الرقص الدينى فى علاج الأمراض العصبية مستغلين أنغام الناى وقرع الطبول فى تلك المراسيم إلى حدود الإنهك الجسمى والإغماء والشعور بامتلاك الألهة له.
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ١٤٠
