أيديولوجيا اللغة
من المستحسن أن نستهل الحديث عن أيديولوجيا اللغة بالتفريق بين (أيديولوجيا اللغة العامة) و(أيديولوجيا اللغة الإعلامية)، فاللغة من حيث كونها مركبة من مفردات وعبارات متفق على معناها في بيئتها هي أداة للتواصل الإنساني في المجتمعات المختلفة. هذه (اللغة العامة) هي أداة للتعايش والتفاهم بين الأفراد والجماعات، قد تكون أداة مجردة من الأيديولوجيا، وقد تحمل معها الأيديولوجيا في حالات قليلة.
أما ( اللغة الإعلامية) فهي لغة متخصصة مهنية، وهي لا تنفك عن الأيديولوجيا، أياً كان نوع هذه الأيديولوجيا؛ ذلك أن كل عملية اتصال لابد أن تنطلق من أيديولوجيا معينة، فاللغة الإعلامية التي تحمل مضامين سياسية – على سبيل المثال – هي لغة تحمل فكرة سياسية يراد إيصالها إلى الجمهور. فالخطابة السياسية التي تنقلها وسائل الإعلام تمر عبر قنوات استشارية تفحص المعنى، وتتأكد من صياغة المضمون ودقة الكلمات وإمكانية تحقيقها للأهداف التي أعدت من أجلها. فالفكرة التي كانت سبباً للخطابة السياسية والأهداف المرجوة منها هي أيديولوجيا يسعى الخطيب أو المتحدث إلى تحقيقها، سواء كانت بغرض الترويج لعقيدة الحزب السياسي، أو الترويج لبرنامج انتخابي أو التأثير على صوت المواطن، أو غير ذلك من أنواع الفعل السياسي الذي تكون ( اللغة
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٤
الإعلامية) أساسه ومنطلقه. هذا هو عن أيديولوجيا اللغة.
مقرر الأيديولوجيا الفرق بين (اللغة العامة) و (اللغة الإعلامية) عندما نتحدث اللغة وبناء المعنى: من المقرر عند علماء الاتصال أن وظيفة اللغة هي بناء المعنى، ولذلك يؤكد كثير من المتخصصين في الاتصال الإنساني أن من أهم وظائف اللغة الاتصالية بناء المعنى بين القائم بالاتصال والجمهور والمعنى بهذا المفهوم هو عملية تفاعلية بين المصدر والمستقبل، بين المتحدث والمستمع، وبين الكاتب والقارئ.
هذه العملية التفاعلية بين القائم بالاتصال ومستقبل الرسالة الاتصالية تتخذ من اللغة أساساً لها في التفاهم والتفاعل وتكوين المعاني المشتركة بينهما من جهة، أو المعاني التي يريد القائم بالاتصال إيصالها إلى المستقبل من وجهة نظره هو من جهة أخرى.
والأيديولوجيا تكمن في المعنى الذي يحاول القائم بالاتصال إيصاله إلى جمهور المتلقين لرسالته، ذلك أن الأشخاص يكونون معان معينة عن البيئة المحيطة بهم ( شخصيات، قضايا، أحداث ووقائع ) من خلال وسيلة اللغة التي ينقلها إليهم الآخرون عبر وسائل الاتصال المختلفة(٢).
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٥
مقرر الأيديولوجيا العالمية worldview) الكيفية التي ينظر بها الناس إلى العالم من حولهم من خلال الثقافة المكتسبة واللغة والمعتقدات، ويؤكد أن معظم الرؤى والمفاهيم التي يتبناها الأشخاص خلال الوقت قد خضعت لكثير من الدراسات التي حاولت أن تعرف الكيفية التي ينظر بها هؤلاء الأشخاص إلى البيئة المحيطة بهم وأفعالهم المتأثرة بها.
وإذا كان هول (١٩٧٧ ، Hall) استخدم مصطلح خارطة المعنى (Map of Meaning)، وروكيتش ( 1960، Rokeach) استخدم مصطلح أنظمة المعتقدات Beliefs Systems، وجورج (1969، George) أطلق مسمى الرموز الإجرائية (Operational Codes) لبيان كيف يتصرف الأشخاص وفقاً للرؤى التي يحملونها، فإن مفهوم (ويلهيلم دلثي) قد تضمن هذه المفاهيم جميعها في بيانه لكيف تبنى التصورات والرؤى الذهنية لدى الأفراد، ومن ثم التصرف وفقاً لها.
اللغة والمعنى والأيديولوجيا: المفهوم الشامل الذي شرح فيه ويلهيلم دلثي الكيفية التي يبني بها الفرد رؤاه وتصوراته حول العالم المحيط به، والتي يتصرف في أفعاله بناء عليها؛ يتخذ من الأيديولوجيا أساساً له، فهو يقول: إن اكتساب الرؤى العالمية (Worldviews) إنما هو نتيجة للأيديولوجيا المكتسبة، والأيديولوجيا المكتسبة إنما تكون عن طريق وسائل الإعلام، ووسائل الإعلام تصل إلى الناس عن طريق اللغة الإعلامية التي تبني بدورها مفاهيم الناس عن الأشخاص والأحداث والوقائع والقضايا التي
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٦
مقرر الأيديولوجيا يعيشونها أو يسمعون عنها ولا شك أن اللغة الإعلامية التي تحمل هذه الأيديولوجيا إنما هي من فعل القائم بالاتصال الذي يحاول إيصال المعنى المراد (الأيديولوجيا) إلى الجمهور. ولإيضاح هذا المعنى ضرب ( جون هو John Howe ) مثلاً بالأيديولوجيا التي صاحبت الثورة الأمريكية المعاصرة، فهو يقول: إن الانتشار الواسع للمعتقدات الحضارية والرؤى السياسية للثورة الأمريكية المعاصرة إنما قام على المعاني المتجسدة في اللغة التي تنقلها وسائل الإعلام الأمريكية إلى العالم (۲). هذا المثال يؤكد ما أثبته عدد من الباحثين من أن اللغة هي أساس الفعل السياسي” الذي يتخذ من وسائل الإعلام أداة فاعلة ومؤثرة لإقناع الجماهير به، وأن السياسة بجملتها هي تأثير اللغة، وخصوصاً إذا استخدمت في حالات التحذير أو التهديد أو الهيمنة.
وبتأمل التاريخ السياسي المعاصر نجد أن اللغة الإعلامية كانت هي الأداة الأكثر تأثيراً في الترويج لكثير من الأيديولوجيات السياسية؛ فقد كان هتلر ومن معه يحملون تصوراً أيديولوجياً عن العالم وهم يخططون
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٧
مقرر الأيديولوجيا الا للتوسع والظلم والعدوان والحرب، معتقدين أن السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال التصور الممدد في أذهان النازيين، وقد كان هذا التصور الأيديولوجي سبباً لحرب عالمية كانت أكثر الحروب رعباً ودموية في التاريخ البشري، والشيوعية الماركسية تحولت من أيديولوجيا فلسفية إلى واقع مادي جسده الاتحاد السوفيتي السابق في شبكة هائلة من الأحزاب السياسية التي تبنت الفكرة الماركسية حول العالم.
وشهد العالم كله فصول الحرب الباردة التي واكبتها وسائل الإعلام وكانت اللغة السياسية فيها أداة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي إلى أن انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم
والمد القومي العروبي الذي روج له نفر من الساسة والمفكرين العرب في الستينيات من القرن الميلادي الماضي وأحدث تحولات كبيرة في المشهد السياسي العربي، كانت فصوله تدار من خلال بعض وسائل الإعلام العربية التي استخدمت لغة الثورة السياسية ضد كل موروث قيمي وثقافي في المجتمعات العربية.
ثم جاءت حرب الخليج الثانية 1990- 1991م إثر الاحتلال العراقي للكويت الذي أنهى المد العروبي وأعاد صياغة المشهد السياسي في الوطن العربي، فظهرت دعوات أيديولوجية متفرقة كان أبرزها: الشعوبية، لكنها لم تصمد أمام المد الإسلامي الذي برز بقوة ليعيد
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٨
مقرر الأيديولوجيا المجتمعات العربية إلى أصولها الدينية والثقافية. ثم وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة فكانت تتويجاً لأيديولوجيا النخب السياسية المحافظة في الغرب لتسعى من خلالها إلى تصدير النموذج الأيديولوجي الغربي وفرضه على مجتمعات العالم تحت ذريعة (الحرب ضد الإرهاب).
وقد زاد من تصعيد هذه الحرب الأيديولوجية ضد ثقافات العالم المختلفة التقدم التكنولوجي الهائل في صناعة الإعلام والمعلومة، فكانت اللغة الإعلامية التي جسدها النص المقروء والكلمة المسموعة والصورة المتحركة والساكنة أداة فاعلة ومؤثرة في الترويج للمعاني المقصودة من النخب السياسية والإعلامية في الغرب عامة والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
وإذا كانت حالة الحرب تعطي الجماهير معان مقصودة من السياسيين، فإن (الحرب ضد الإرهاب) التي قادتها الولايات المتحدة غرست مفاهيم معينة لدى الشعب الأمريكي، مثل: (لماذا يكرهوننا)، دون أن تشير هذه المفاهيم إلى أن العالم يكره سياسة الولايات المتحدة الخارجية وليس الثقافة أو قيم الحضارة الغربية الأمريكية.
وإذا كان المتخصصون في اللغة الإعلامية يؤكدون أن القدرة على الاقتناع تكمن في القدرة على تعريف الشيء وتحديد مفهومه بطريقة تقنع الناس به فقد تعامل الساسة الأمريكيون ببراعة فائقة في تحديد المفاهيم التي أرادوا لها أن تسود العالم، مثل: تعريفهم للإرهاب
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٤٩
مقرر الأيديولوجيا والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة، والحرية، والتسامح، بالمعاني التي يقصدونها وبالطريقة التي تخدم أهدافهم في الهيمنة على العالم. وقد لخص وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (دونالد رامسفيلد) ذلك كله في مقولته الشهيرة: (انتهت الحرب العسكرية وبدأت حرب الأفكار).
وفي أحداث الثورات الشعبية العربية التي شهدها مطلع العام الميلادي ٢٠١١م، تابع الجمهور العربي تحولات الأيديولوجيا في اللغة السياسية للرؤساء الذين أطاحت بهم الثورة، وتقلباتها بين لغة التهديد والبطش، ثم محاولات التهدئة بوعود الإصلاح السياسي، ثم خطابات التنحي، وما تبعها من لغة سياسية راعت أهداف الثورة وغاياتها.
هذه الثورات السياسية والأحداث الكبيرة التي شهدها العالم المعاصر وما حملته من أيديولوجيات متباينة تسعى جميعها إلى الهيمنة على الثقافات والشعوب؛ لم تكن لتحدث أثرها لولم تكن هناك وسائل إعلام تنقلها إلى الجماهير، ولغة إعلامية روجت لهذه الأيديولوجيات التي شغلت عقل العالم وفكره ولا تزال، وهو ما يؤكد على أن اللغة أداة التعبير السياسي عن الأيديولوجيا.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥٠