أيديولوجيا الإعلان
يظن غير المتخصصين أن دراسات الإعلان مقصورة على موضوعات ذات علاقة بطبيعة المنتج المعلن عنه، ومنافذ تسويقه المحتملة، ومناسبة ثمنه المطروح في السوق مع القدرة الشرائية للجمهور المستهدف، وكمية العرض المناسبة للطلب، وعدد الموظفين المطلوبين لتسويق المنتج، والميزانية المقدرة له، والأرباح المتوقعة من تسويقه، المنافسة من المنتجات المشابهة له في السوق ، وغير ذلك مما هو مرتبط بالجانب المادي الربحي من الإعلان.
هذا الجانب وإن كان طاغياً في كثير من دراسات الإعلان إلا أن هناك جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية مما يبدو لكثير من الناس، وخصوصاً فئة الجمهور المستهلك
وأهم هذه الجوانب: الأيديولوجيا التي تحملها الرسالة الإعلانية للمنتج، وهي التي لا تبدو ظاهرة للمستهلك كما هو حال عناصر الإعلان الأخرى، مثل: خصائص المنتج، وثمنه، وغير ذلك.
نركز في سياق الحديث عن أيديولوجيا الإعلان على نوعين رئيسين، هما: الإعلان التجاري والإعلان السياسي لنبين كيف تتجسد الأيديولوجيا فيهما.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥١
مقرر الأيديولوجيا
1- الأيديولوجيا في الإعلان التجاري: الرسالة الإعلانية التجارية وما تحمله من معان وأفكار مقصودة يراد إيصالها إلى المستهلك وإقناعه بها هي الأيديولوجيا التي نتحدث عنها. وإذا كان الإقناع هو المهارة التي يتقنها صانعو الإعلان ومندوب وتسويق المنتج كما يقول المتخصصون، فإن الإقناع في الرسالة الإعلانية يبدو أكثر تأثيراً على المستهلك، إذ تصل إليه الفكرة ويصل إليه المعنى بطريقة ذكية لا يستطيع كثير من المستهلكين التعرف عليها بسهولة.
هذه الحقيقة هي التي دعت جوديث (ويليامسون Judith Williamson) لتقول: إن الاتجاه الحديث في صناعة الإعلان لا يهدف إلى تعليم الجمهور كيف يستهلك المنتج، بل يعلمه المعنى الذي يحمله هذا المنتج أو ذاك، ومن ثم فإن ما يحمله المنتج من رمز ومعنى يكون أكثر أهمية من المنتج نفسه وفي شرحها لهذه الحقيقة تقول (جوديث): إن الإعلانات تترجم الجمل والعبارات الواردة في الإعلان من العالم المحسوس إلى المعنوي، فهي بذلك توجد أيديولوجيا للمنتج؛ فالإعلان عن جهاز سریع لغسيل الملابس يترجم خاصية (السرعة) إلى معنى (الكفاءة الشخصية
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥٢
في إدارة الوقت)، بوصف الوقت عاملاً مهماً في الحياة اليومية له، ومن ثم فإن الإعلان يقدم أيديولوجيا معينة لهذا الجهاز تعني الكثير للمستهلك فالإعلان التجاري يحول العبارات التي يحملها من عالم الأشياء المتمثلة في المنتج الموجه إلى المستهلك، إلى عالم المعاني التي تحمل أيديولوجيا معينة تهم المستهلك في حياته اليومية.
ولذلك فإن الوظيفة البدهية للإعلان وهي بيع المنتج إلى المستهلك يجب أن تضع في الحسبان أهمية ما يعنيه هذا المنتج إلى المستهلك، وهذا العامل المهم في صناعة الإعلان هو الذي يجعل الكثير من المتخصصين فيه يعتقدون أنه أحد أهم العوامل الثقافية التي تعكس جوانب كثيرة في حياة الناس ومثال ذلك: أن يكرس الإعلان عامل التفاوت الاجتماعي بين الجمهور المستهلك بأن يحمل الإعلان معنى يشير إلى أن هذا النوع من المنتج، كالسيارة أو نوع معين من الملابس يخص فئة الطبقة الوسطى أو الأثرياء، وأن مواصفات ذلك البيت أو تلك السيارة تهم طبقة الفقراء أو محدودي الدخل الاقتصادي. ولذلك فإن تكريس التفاوت الطبقي في المجتمع أو حتى محاولة تغييبه هو نوع من الأيديولوجيا التي يحملها الإعلان، متأثرة بالظروف الاجتماعية أو الاقتصادية في المجتمع.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥٣
٢- الأيديولوجيا في الإعلان السياسي: الإعلان السياسي هو:«كل إعلان مدفوع الثمن وذي صبغة سياسية» أوهو: «عملية اتصال يدفع فيها المصدر ثمناً مقابل ما يتاح له من فرصة في وسيلة إعلامية يعرض فيها على الجماهير رسائل سياسية ذات هدف محدد ومقصود من أجل التأثير على أفكارهم ومواقفهم وسلوكهم. يتبين من هذين التعريفين أن مصدر الإعلان السياسي جهة مستفيدة من المبلغ المالي الذي تدفعه للوسيلة الإعلامية، وهذه الجهة قد تكون حزباً، أو جماعة، أو مرشحاً سياسياً، أو حكومة، أو غير ذلك من المصادر.
هذه المصادر تدفع ثمناً لشرائها فترة معينة من البث الإذاعي أو التلفزيوني، أو مساحة محددة في الصحيفة؛ من أجل إيصال رسالتها السياسية إلى الجمهور حتى تحدث الأثر المقصود من هذه الرسالة.
والأيديولوجيا التي يتضمنها الإعلان السياسي تكمن في الرسالة الموجهة إلى الجمهور بقصد التأثير فيه، إذ لا يتصور أن تقوم هذه المصادر بدفع مبالغ مالية للوسيلة الإعلامية دون هدف تسعى إلى تحقيقه، والهدف هو نشر الأيديولوجيا التي يحاول مصدر الإعلان السياسي أن ينشرها ويروج لها بقصد حمل الجماهير على الاقتناع بها.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥٤
المعنى الذي يحاول تعريف الإعلان السياسي أن يوصلنا إليه هو أن هذا النوع من الإعلانات لا يزدهر إلا في المجتمعات التي تقوم على مبدأ المشاركة الشعبية للمواطن في العملية السياسية، ابتداء بالمشاركة في انتخابات المجالس البلدية للمدن والمحافظات والولايات، وانتهاءً بالانتخابات الرئاسية لاختيار رئيس الدولة أو رئيس الوزراء. ومن البديهي أن هذه السلسلة من المشاركة الشعبية في العملية السياسية لا تكون إلا في الدول التي تتبنى النظم الديموقراطية في السياسة والحكم؛ أما النظم السلطوية فإن وسائل الإعلام فيها هي قناة دائمة للإعلانات السياسية الحكومية التي تروج لأيديولوجيا الحكومة أو النظام السياسي. الإعلان السياسي في النظم السلطوية يحمل أيديولوجيا الحكومة السياسية أو الحزب الحاكم، ويصدر على شكل توجيهات حكومية للمواطنين في قضايا سياسية وأمنية واقتصادية وغيرها، وتلتزم وسائل الإعلام بنشرها، وخصوصاً الإذاعة والتلفزيون، ولا تستطيع وسائل الإعلام المملوكة للقطاع الخاص أن تعارضها أو تنتقدها. أما في النُظم الديموقراطية التي تعتمد مبدأ حرية الرأي والتعبير، وتقوم على المشاركة السياسية للمواطنين فإن الإعلان السياسي في مجتمعاتها يحمل أيديولوجيات متعددة ومتباينة ومتعارضة في أحيان كثيرة، وغاية هذه التعددية والتباين تنشط في مواسم الانتخابات بمستوياتها المختلفة التي يشتد فيها التنافس بين مرشحين يمثلون
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥٥
مقرر الأيديولوجيا تيارات واتجاهات مختلفة، ويتخذون من عقول الجماهير ميداناً للمنافسة بينهم من أجل تحقيق أهداف مرسومة، غايتها التأثير في أفراد الناخبين، ومن ثم كسب أصواتهم في العملية الانتخابية. والفوز بصوت الناخب هو – في النهاية – انتصار للأيديولوجيا التي روج المرشح وحمل الجمهور على الاقتناع بها والتصويت لها.
كتاب ايديولوجيا الاعلام تاليف ا. د محمد بن سعود البشر صفحة ٥٦
