يبرز في هذا العصر اهتمام بعض دول العالم بأهمية إعداد المذيع، وتأهيله للدور المحوري الذي يقع على عاتقه في إنجاح العملية التواصلية التي تتمثل في إعداد الأخبار الإذاعيّة والتلفازيّة، وتقديمها من أجل تحقيق أهدافها المرجوة، ولأن المذيع يعد العنصر الحاسم في الموقف الاتصالي الشفوي، فإن ذلك يستوجب إعداده وتنمية مهاراته وقدراته من خلال مواقف وبرامج يتفاعل فيها مع المدربين؛ ليكون قادرًا على تنفيذ أدواره بشكل عملي متقن.
وعلى الرغم من أهمية المذيع ومكانته في العملية التواصلية، إلا أن برامج إعداده ما زالت دون المستوى في بعض الدول العربية قياسًا لما يتلقاه المذيع من برامج متطورة في دراسته وفي أثناء الخدمة في دول العالم المتطورة، ثم إن كان هناك تدريب للمذيع في إعداده للمهنة، فإن مناهج التدريب تكاد أن تكون قاصرة في تحقيق أهدافها أسوة بمناهج الدورات المختلفة، تلك التي لا يتعدى دور المتدرب فيها في أغلب الحالات عن كونه متلقيًا سلبيًا، وليس ناشطًا فاعلاً.
إن أحد أبرز أسباب إخفاق المتدربين بعامة والمذيعين بخاصة في تبني الأفكار، التي يتلقونها في دورات التدريب هو تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق، التي تظهر في ممارسات المتدريين. ويرى (محمود، 1415) أن من مظاهر فشل تحقيق الدورات التدريبية لأهدافها هو عدم قدرتها على إقناع المتدربين بإمكانيّة تطبيق أفكار الدورة في أعمالهم، إذ إن المعيار الحقيقي لمدى نجاح هذه الدورات أو فشلها ينبغي أن يكون بمدى تأثيرها في أداء المتدربين ضمن مهنهم.
ويمكننا عرض بعض التوجهات والإجراءات، التي قدمها توني أوبريان في أنموذجه الموسوم (ايروتي)، التي إن تمّ تطبيقها في بنية بعض الدورات بعامة، ودورات تدريب المذيعين بخاصة، فإنها تسهم في تحقيق الأهداف المنشودة في الدورة، بحيث تتضمن كل دورة عناصر أساسيّة، إن وجدت في بنية الدورة، فإن المتدربين يتمثلون أفكارها خير تمثيل. والعناصر الأساسيّة في بنية الدورة التدريبيّة مثلما يراها توني
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٠
أوبريان، التي يمكن أن توظف في تدريب دورات المذيعين المتميزين في مهامهم
يمكن أن تتمثل في:
أولاً : بالخبرة Experience، التي يقصد بها تمرير المتدرب بالخبرة التي ينبغي أن يمرّ بها عند استعماله الأفكار المراد تقديمها للمتدريين (المذيمين)، التي تمكن المتدرب المذيع من فهم أفضل للموقف الاتصالي الشفوي في أدائه، وتمده الخبرة المباشرة بأفكار جديدة، يمكنها أن تزيد من احتمالات استعمال المذيعين لها، وتطبيقها في مواقفهم الاتصاليّة الشفويَّة.
ثانيًا : المشاهدة Observation، التي يقصد بها أن يتيح الموقف الاتصالي الشفوي الفرصة للمتدربين لمشاهدة الأداءات المتقنة، التي يراد تدريبهم عليها، وهي تنفذ بأسلوب مشاهدة الأداء، التي تتيح لكل منهم أن ينظر بحيادية على أثر الأداء في عملية الاتصال الشفوي للمذيع. ويمكن أن يتخذ أسلوب المشاهدة عدة أشكال، يمكن أن نوجزها بما يلي:
أداء تطبيقي متميز يؤديه مدرب خبير في موقف اتّصالي شفوي يمثل دور المذيع المتميز، كأن يقرأ نشرة أخبار، أو يجري مقابلة، أو حوار تلفازي أو إذاعيّ، ويكون المتدرب متمثلاً شخصية المستمع، يشاهد أداء المدرب المتميز، فيقف على نقاط القوة في الأداء؛ ليمارسها في أنشطة البرامج الإذاعيّة والتلفازيّة، كبرامج الأحاديث المتنوعة، أو البرامج الإعلاميّة والرياضية، أو البرامج الثقافية والتعليمية، أو غيرها من البرامج الأخرى.
مواقف اتّصالية شفويّة متميزة في الأداء مسجلة على أشرطة فيديو، ويكون لدى المدرب مجموعة من أشرطة الفيديو المخزّن عليها مواقف اتصالية متميزة حينًا، وضعيفة حينًا آخر؛ لتحقيق الفوائد الآتية:
أ- ليقف المتدرب على نقاط القوة في الأداء، مقابل نقاط الضعف في نفس الأداء، فيتمثل الأداء الاتصالي الشفوي المتميز في تواصله مع جمهور
المستمعين والمشاهدين.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤١
ب- توفر أشرطة الفيديو فرصًا؛ لإرجاع أي أداء متميز أو ضعيف قد فات المتدربين الانتباه له لمشاهدته مرات ومرات.
ولكي تكون المشاهدة في الموقف الاتصالي الشفوي ذات فائدة، يرى
(محمود، 1421) أنه ينبغي على المدرب أن يعيد نماذج الأداء بعناية فائقة؛ ليقف على استخلاص ما يريده، وبالمقابل يفسح المدرب المجال للمتدريين للتعبير عن آرائهم وردود أفعالهم على ما يشاهدون. ويضيف (محمود، 1421) أن إفساح المجال للمتدربين للتعبير عن آرائهم يطوّر لديهم وعيًا في مواصلة الاستفادة من أسلوب المشاهدة لفترة طويلة بعد الانتهاء من برنامج الدورة التدريبيّة.
ثالثًا: التجريب: Trial وفي هذا العنصر يتم إتاحة الفرص لتجريب الأداء المتميز في المواقف الاتصاليّة الشفوية؛ أي في لغة التخاطب، وذلك في مكان لا يكون لارتكاب الأخطاء فيه أهميّة كبيرة، ويقدم توني أوبريان في نموذجه الموسوم (ايروتي) أشكالاً مختلفةً للتجريب، منها:
– تدريب النظراء وهو شكل من أشكال لعب الدور، إذ يقوم أحد المتدربين بتمثيل دور المذيع، بينما يلعب نظراؤه المتدريين دور المستمعين والمشاهدين، ثم يدربهم باستعمال الأفكار الجديدة.
استعمال الأفكار الجديدة من قبل المتدرب (المذيع) لتدريب مجموعة غير حقيقية من المتدربين (المذيعين).
استعمال الأفكار الجديدة من قبل المتدرب لتدريب مجموعة من المتدريين (الإذاعيين) في مواقف اتّصالية شفويّة حقيقيّة.
ومن الفوائد التي يذكرها توني أوبريان للتجريب ما يأتي:
يُكسب المتدرب (المذيع) الثقة بنفسه في التعامل مع الأفكار الجديدة.
يستفيد المتدرب (المذيع) من النصائح البناءة من زملائه ومدربيه.
يزيد من احتمالات تطبيق المذيع المتدرب للفكرة الجديدة، أو الأداء الجديد على مستمعيه حين تنتهي الدورة التدريبية.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٢
رابعًا : الدمج Integration، ويقصد بها أن يدمج المذيع أفكاره الجديدة، والأداء
المكتسب الجديد في بنيته القائمة، بمعنى أن يصبح الأداء المكتسب الجديد، والأفكار الجديدة معلمًا رئيسًا في أسلوب كل مذيع، ويمكن تسريع هذا العنصر، وهو الدمج وتسهيله، وذلك بالعمل على إتاحة الفرص الكافية للمذيعين المتدربين للتعبير عن حدود أفكارهم واقتراحاتهم حول الأداء، والأفكار الجديدة، وتقبل المذيع المتدرب للردود والاقتراحات.
خامسًا : المسوغ النظري Rationale، ويشير هذا العنصر إلى العملية التحليلية، التي تبدأ بقيام المتدربين بقليل من القراءة الأولية، وتتطور عندما يقوم المتدرب ( المذيع) بشرح الأفكار الجديدة، ثم تمتد هذه العملية لتشمل أيضا ردود فعل المتدربين على الأفكار الجديدة، كما تشمل تقويم المتدربين لهذه الأفكار بعد تطبيقها.
والأنموذج بحروفه الخمسة E.R.O.T.I الدّالة على العناصر الخمسة في تدريب بعض المهن والذي يمكن الاستفادة منه في مجال تدريب المذيعين والحروف السابقة هي الحروف الأولى لعناصر النموذج، والتي يمكن الإشارة إليها هنا،
ntegration وا تعني ، Trial ول تعني
يبدو أن محتوى البرامج التي ينبغي أن تعد لتدريب المذيع، وتعمل على تأهيله، ورفع قدراته، هي محتويات لها علاقة بالأداء الشفوي الذي تتصف حروفه بسهولة المخرج، وفي ذلك يرى(سالم، 226 :2005) أن سهولة المخرج تعني ذلك الانسياب الصوتيّ، وخروج الأعضاء المختلفة، بحيث لا يطغى عضو على عضو في تحركاته، أو في زمن هذه التحركات حال النطق في توافق وتلاؤم وانسجام تام، فإذا حدث ذلك خرج الأداء حلوا جميلاً له رونق ويهاء، ويسهم بدور كبير في إظهار المعنى.
ولا بد أن توظف محتويات برامج تدريب المذيعين لتحقيق أهداف الأداء الماهر في التواصل الشفوي، مثلما أشارت (جولين 4-1,1991,Goulden) بأن فن
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٣
التحدث الشفوي يتضمن عملية اتصال صوتي بين طرفين، وقد يكون الطرفين هما المذيع وجمهور المستمعين أو المشاهدين، وقد حددت مهارات التحدث الشفوي فيما يأتي:
– التحدث بصوت مسموع بدرجة كافيّة.
النطق السليم للكلمات والجمل والعبارات.
التحدث بلغة سليمة تعين الجمهور المستمع على فهم الرسالة اللغوية.
التحدث بكلمات مفهومة لجمهور المستمعين أو المشاهدين، بحيث تعينهم على تحديد دلالتها بسهولة ويسر.
عدم المبالغة في التعبير عن المعنى المراد.
التحدث إلى جمهور المستمعين أو المشاهدين بسرعة مناسبة لطبيعتهم المتنوعة، ولطبيعة الموضوع، مراعيًا في ذلك مقام جمهور المستمعين
والمشاهدين.
محاولة تجنب التكرار الممل أو اللازمات المستهجنة في أثناء الحديث.
استخدام نغمة الصوت المناسب لطبيعة جمهور المستمعين.
محاولة المنيع في التحدث الشفوي بإيقاع مناسب لطبيعة الموضوع المطروح
للنقاش.
محاولة الصمت من قبل المذيع أحيائا للتركيز الذهني على جوانب الموضوع.
توظيف المذيع للغة جسده توظيفًا يعين على إفهام رسالة المذيع الشفويّة لجمهور المشاهدين في الوسيلة المرئية (التلفاز).
وفي برامج إعداد المذيعين لابد أن يُعرض شكل الأداء المراد تطويره وإتقانه، أو مهارة التحدث، ثم لا بد أن يوصف السياق الذي يمكن من خلاله تنمية الأداء المطلوب، والتقدم الذي يمكن أن يحرزه المتدرب (المذيع) في مهارات الأداء الشفوي، فحين نرغب أن ننمي مهارة من مهارات التحدث، لا بد أن نحددها أولاً، فحين نحدد مثلاً واحدة من مهارات التحدث ولتكن مهارة (الإخبار) ثم نبحث لها عن سياق مناسب تتم فيه هذه المهارة، والسياق قد يكون: (العمل مع أعمال
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٤
الآخرين)، فيكون التقدم الذي أُحرز مثلاً: التوصل إلى المعنى، أو للتعبير الجيد، أو استخدام الصوت بدرجات معينة. ومن مهارات التحدث نحدد مثلاً مهارة المقابلة، ثم نحدد السياق الذي تتم فيه، وقد يكون السياق، مع صديق أو مع الآخرين، ثمّ نرى التقدم الذي يمكن أن يحرزه المتدرب (المذيع) في هذه المهارة، كاستتباط الإجابة للأسئلة المطروحة في المقابلة.
يبدو أنه من السهل في برامج إعداد المذيع المتميز أن يحدد المدرب نوع المهارة التي يسعى من خلال البرنامج أن يكتسبها المتدرب (المذيع)، ومن السهل أيضًا أن يحدد السياق الذي تتم فيه المهارة، لكن من الصعوية بمكان قياس مدى التقدم الذي يحرزه المتدرب (المذيع)، واختبار تمكن المتدرب المهارات يكاد أن يكون من أهم إجراءات التدريب، ويرى (عبد الباري، (274:2001 أن وصعوبة قياس مدى التقدم الذي يحرزه المتدرب يرجع بطبيعة الحال إلى طبيعة مهارة التحدث نفسها، حيث إنها تتطلب تحليل للمهارات الفرعية المتضمنة في المهارات الرئيسة بشكل موثوق به، وهذا أمر متعذر تحقيقه بدرجة تجعلنا نطمئن إلى النتائج التي يمكن الوصول إليها بهذا الشأن.
ويشير (هياتون 88 :1990 ،Heaton) إلى جانب الصعوبة بقياس مدى
التقدم في التواصل الشفويّ، منها :
– أن التحدث بتطلب النطق الصحيح للكلمات والجمل، ومظهر الصعوية أن المتكلم يمكنه إنتاج جميع الأصوات اللغوية بشكل صحيح، ولكنه يظل غير قادر على توصيل، أو التعبير عن أفكاره بشكل يعبر عن الرسالة اللغوية التي يستهدف إفهامها للآخرين المحيطين به.
أن الصعوبة التي تبدو من خلال النطق الخطأ لأصوات الكلمات أو الجمل ربما يكون مرجعها إلى أخطاء في تراكيب الجمل، وبنائها بما تقتضيه جوانب الصحة اللغويّة.
أن نجاح المتكلم في توصيل أو نقل أفكاره إلى الآخرين تتوقف وبدرجة كبيرة على الطرف الثاني من عملية الاتصال، وهو المستمع، وقدرته على فك
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٥
الرموز اللغوية التي يتحدث بها المتكلم، وتحديد دلالتها المختلفة، علاوة على معرفته للأفكار العامة التي يعرضها المتحدث، ومعرفته كذلك بالخصائص اللغويّة للمتحدث، وفهمه للمصطلحات الواردة في الرسالة التي ينقلها المتكلم.
– أن مكمن الصعوبة تعود إلى طبيعة المهارات الشفوية نفسها؛ لوجود ترابط بين مهارتي التحدث والاستماع، فمن الصعوية بمكان التحدث دون محاولة المتكلم التحقق من فهم المستمع لما يُقال، ودون تحقق المتكلم نفسه من فهمه للرسالة اللغوية التي يقدمها للآخر، ومن ثم تظهر الصعوبة في محاولة قياس مهارتين في آن واحد وهما: مهارة التحدث، ومهارة الاستماع.
– أن المهارات الشفويّة مهارات محكيّة (عابرة)، ومن ثم يصبح من العبث تحليل هذه المهارات دون استخدام المسجلات الصوتيّة؛ لتحديد جوانب الإجادة، أو الإتقان لدى المتكلم والمستمع
وعليه فإن المسألة تتطلب حلولاً لهذه الصعوبات الذي تعترض تدريب المذيع في التواصل الشفويّ مع المستمعين، ينبغي أولاً تدريب المذيع على إتقان قراءة الجمل بسرعة نسبية، وعند اكتشاف أي مظهر من مظاهر الضعف يقوم كل من المدرب والمقدرب (المذيع) باقتراح طرق للتغلب على هذه الصعوبة؛ ليكون التدريب القادم تدريبًا علاجيًا، ففي حالة ضعف المذيع في سرعة القراءة، وهو الذي يقرأ كلمة كلمة عليه أن يستفيد من تدريبات السرعة، بحيث يتضمن علاج هذه الحالة من الضعف، كما يرى (مرسي وآخرون، د: ت) أسلوب العرض السريع للكلمات والمقاطع، والتدريب على القراءة السريعة، ويمكن أن يكون علاج ضعف المذيع في قراءة النص كلمة كلمة، أن يتدرب على القراءة في وحدات فكريّة. وقد لا يكون في مقدوره أن يتعرف بنظرة واحدة على ثلاث أو أربع كلمات متتالية. فإذا كان الأمر كذلك فإنه يستفيد من أساليب التدريب على التعرف السريع على الكلمات باستخدام وسائل العرض السريع.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٦
إن مهنة المذيع في التواصل الإذاعي أو التلفازيّ تكاد تكون مهنة أكبر من كونها مصطلح وظيفة، أو عمل، أو إجراء روتيني، فالخطأ الذي يرتكبه المذيع أحيانًا في مهنته لا يكون محدودًا، فيمكن احتواؤه والسيطرة عليه، بل جماعيًا يصعب السيطرة عليه، بمعنى أن عائد هذه المهنة جماعيًا قبل أن يكون فرديًا، وعليه فإن هذه المهنة تتطلب من المذيع مجموعة من السلوكيات لا بد أن يتمثلها على الوجه الآتي:
– تفاعل المذيع مع الظروف والمواقف الإنسانيّة؛ لتطوير مخزون البناء المعر في وأبنيته.
الانتباه إلى الخبرات التي تزود المذيع بخبرات واسعة، وتجعله يقوم بالتفسير
والتحليل والتأمل.
محاولة التوسع في استقبال الخبرات عن طريق تعدد مصادر المعرفة.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٧