أولاً : مفهوم الغرس :
يمكن وصف عملية الغرس بأنها نوع من التعلم العرضي الذي ينتج عن التعرض التراكمي (لوسائل الإعلام) خاصة التلفزيون حيث يتعرف مشاهد التلفزيون دون وعي على حقائق الواقع الاجتماعي لتصبح بصفة تدريجية أساسا للصور الذهنية والقيم التي يكتسبها عن العالم الحقيقي، وعملية الغرس ليست عبارة عن تدفق موجة من تأثيرات التلفزيون إلى جمهور المتلقين، ولكنها جزء من عملية مستمرة وديناميكية للتفاعل بين الرسائل والسياقات. وفيما يتعلق بالمرحلة العمرية فإن تأثير التلفزيون يكون أكبر على الصغار في الجماعات والأسر غير المتماسكة أو بين الأطفال الذين يقل لديهم الانتماء إلى الأسرة أو الجماعة، وكذلك بين الجماعات الهامشية أو الأقليات أو بين من يصورهم التلفزيون ضحايا.
ثانياً : مفهوم نظرية الغرس الثقافي :
هذه النظرية تعلقت بوسيلة التلفزيون لدراسة العنف والجر يمة في المضامين التلفزيونية وتطورت ونتج عنها ان اكتشف ان الفرد الذي يتعرض للتلفزيون تنغرس فيه قيم و تصورات جعله يتبناها و يظن انها فعلا ما يحدث بالواقع و بالتالي تنغرس فيه لا شعوريا فإذا سألناه عن ظاهرة ما يكون تفسيره و نظرته حسب ما يتلقاه من التلفزيون ومغايرة تماما للواقع . والمتلقي بتقبل ما يبث له على أنه تعبير حقيقي للواقع، لكونه غير واع بعملية صنع هذا الواقع، بل إن وعيه لا يتعدى الشعور بالتسلية، وذلك بقضاء الساعات الطويلة أمام شاشة التلفاز.
ونظرية الغرس الثقافي هي نظرية إجتماعية تهدف إلى دراسة تأثير التلفزيون على الأمريكين وكان هذا في الستينات والسبعينيات . وضعها مجموعة من العلماء ولكن مؤسسها الرئيسي هو جورج ويعتقد صاحب هذه النظرية أن الناس في المجتمعات الغربية إنما هم أسرى الواقع المصنوع هذا وأنهم يتصرفون ويعيشون على واقع غير الواقع الحقيقي بكل ما ينبت من تعقيدات من مثل هذا التباين
ثالثا : مفاهيم مرتبطة بالنظرية:
(مفهوم الاتجاه السائد)
قصد بالاتجاه السائد التجانس بين الأفراد ذو درجة الكثافة الواحدة في اكتساب الخصائص الثقافية المشتركة للمجتمع التي يقدمها التلفزيون كقناة ثقافية حديثة والصور التي يراها. و بالتالي يمكن الكشف عن التباين في إدراك العالم الخارجي بين الذين يشاهدون التلفزيون بدرجة أقل و بين الذين يشاهدونه بكثافة كبيرة و بالتالي فإن الاتجاه السائد عبارة عن نسيج من المعتقدات والقيم والممارسات التي يقدمها التلفزيون في صور مختلفة ويتوحد معها كثيفو المشاهدة ولا تظهر بينهم الفروق كبيرة في اكتساب هذه الصور أو الأفكار باختلاف خصائصهم الاجتماعية أو السياسية. و بالتالي فإن الاتجاه السائد يشير إلى سيطرة التلفزيون في غرس الصور والأفكار بشكل يجعل الفوارق أو الاختلافات تقل أو تخفي بين الجماعات ذات الخصائص المتباينة.
نظريات التأثير الإعلامية – د. عبدالحافظ عواجي صلوي – صفحة ٢٣
ويشير أيضا إلى الاتساق بين الاتجاهات والسلوك الذي يمكن أن يقوم بتأثير التلفزيون أكثر من وسائل أو عوامل مؤثرة أخرى.
(مفهوم الصدى أو الرنين)
بقصد بالصدى أو الرنين تلك التأثيرات المضافة للمشاهدة بجانب الخبرات الأصلية الموجودة فعلا لدى المشاهدين. وبذلك فإن المشاهدة يمكن أن تؤكد هذه الخبرات من خلال استدعائها بواسطة الأعمال التلفزيونية التي يتعرض لها الأفراد أصحاب هذه الخبرات بكثافة أعلى. و ركز جيربنر في هذا المجال على زيادة إدراك العنف في الأعمال التلفزيونية ووصف العالم الخارجي به لدى المشاهدين الذين يعيشون في ظروف عنف غير عادية ويتعرضون لمتلفزيون بكثافة أعلى .
وهذه النتيجة أكدتها أيضا الدراسات النفسية حيث انتهت إلى أن التلفزيون يؤثر في مجال العدوانية على من لهم الميل المبكر للعدوانية ولكن بطرق مختلفة.
رابعاً : تأثيرات مشاهدة التلفزيون في المجالات المختلفة:
جاءت نظرية الغرس لتؤكد أن التلفاز يصنع لمشاهديه على المدى الطويل واقعاً خاصاً مختلفاً عن الواقع الحقيقي وأن المشاهدين يحكم التصاقهم ببرامجه يصدقون هذا الواقع ويتعاملون معه باعتباره حقيقة.
وأثبتت الدراسات أن التلفزيون له تأثيرات على مجالات عدة من هذه المجالات:
١- تأثيره على الوقت: فقد عمل الكثير من أفراد المجتمع وعائلاته على إعادة نظام حياتهم اليومية بناء على برامج التلفاز وتكاد تكون هذه ظاهرة في كثير من البلدان والمجتمعات فقد جاء في بعض الدراسات أن ٦٠% من العائلات الأمريكية اعترفت بأنها غيرت مواعيد النوم بسبب برامج التلفاز كما أن ٥٥% من العائلات غيرت مواعيد تناول الطعام
- تأثيرات على النشاطات التربوية : التلفاز جذب الأطفال للجلوس في منازلهم وبالتالي عدم ممارستهم للعب خارج المنزل أو ممارسة القراءة أو الهوايات المعتادة لديهم بل ساعدت على انصراف الأطفال عن أصدقائهم بنسبة ٥٢% مما يدل على أثر التلفاز على جانب مهم وهو الجانب التربوي عن طريق الممارسة وتبادل الخبرات والمعلومات ومعاني الأخذ والعطاء
- التأثير على التحصيل العلمي : تعتبر فترة الطفولة ومرحلة الشباب من أهم مراحل التحصيل العلمي حيث تمثل هذه المرحلة طلاب المدارس ومعاهد التعليم، وهذه الفئات أيضاً تقبل على مشاهدة التلفاز بصورة واضحة وقد تكون هذه المشاهدة في أوقات على حساب أوقات المذاكرة واسترجاع الدروس والواجبات المدرسية وما لم يتوفر رعاية منزلية وإرشاد تربوي فإن هذه المشاهدة ولا شك ستكون على حساب ما ينبغي على الطالب من حصيل علمي، ولعله من المفيد الإشارة إلى أن مثل هذا النوع من التأثير قد يكون ايجابياً فيدفع الطالب إلى الحرص لإنهاء واجباته المدرسية قبل بداية البث أو البرامج التي يفضلها، كما قد يكون كان سلبياً كان يحدث للطالب ارتباكاً في تنظيم وقته فلا ستطيع أن يحقق التوفيق بين مذاكرته ورغبة في المشاهدة .
نظريات التأثير الإعلامية – د. عبدالحافظ عواجي صلوي – صفحة ٢٤
خامسا: ماذا تفترض النظرية ؟؟؟
وتفترض النظرية أن الأشخاص الذين يشاهدون كميات ضخمة من البرامج التلفزيونية (كثيفو المشاهدة) يختلفون في إدراكهم للواقع الاجتماعي عن أولئك الذين يشاهدون كميات قليلة من البرامج أو لا يشاهدون (قليلو المشاهدة)، ويرى واضعو النظرية أن وسائل الاتصال الجماهيرية تحدث آثاراً قوية على إدراك الناس للعالم الخارجي، خاصة هؤلاء الذين يتعرضون لتلك الوسائل لفترات طويلة
ومنتظمة
و خلصت النظرية إلى أن الذين يشاهدون التلفزيون بكثافة فإنهم يعتقدون أن ما يشاهدونه من خلال التلفزيون من واقع وأحداث وشخصيات فإنها تكون مطابقة لما يحدث في الحقيقة وفي الحياة .
نلخيص للنظرية :
- أن وسائل الاعلام قادرة على التأثير في معرفة الأفراد وإدراكهم لما يحيط بهم بدرجة كبيرة.
- ان زيادة التعرض لوسائل الاعلام تؤدي إلى اكتساب المتلقى أو المشاهد مجموعة من المعاني والمعتقدات والأفكار والصور الرمزية والتي تشكل لهم واقع رمزي يختلف عن الواقع الفعلي في البيئة الإجتماعية.
- وكل الذي سبق يعني أن وسائل الإعلام تستطيع أن تغرس في أذهان المشاهدين ووعيهم أفكار معينة بحيث يحل واقع التلفزيون محل الواقع الفعلي او الطبيعي.
نظريات التأثير الإعلامية – د. عبدالحافظ عواجي صلوي – صفحة ٢٥
