وظائف المذيع ومسؤولياته:
تتفاعل الجماعة مع بعضها بطبيعة الحال، وتؤثر في سلوكيات أفرادها، ويسهم كل فرد منها في إشباع حاجاته النفسيّة، ويحكمهم نظام معياريّ من السلوك والاتجاهات. غير أن هناك خصائص أخرى يمكن أن تؤثر في سلوك الجماعة وعلى مخرجاتها ضمن دور كل فرد فيها، بما يؤدي من مهمة أو عمل، وما يناله من ظروف المكافأة، وللدور المنتظر من المذيع الفاعل، ويرى (الطويل، 1986:
204) أنّ الفرد كإنسان بطبيعته مخلوق اجتماعيّ يدرك أنّه بحاجة إلى الوفاق مع آخرين؛ كي يتمكن من تحقيق أهدافه، مع إدراكه أنه مجرد عضويته في جماعة عمل نشطة متناغمة لا يشكل بالضرورة ضمائًا أكيدًا لنجاحه في تحقيق ما يصبو إليه. غير أنّه في الوقت نفسه يعي ويدرك أن عضويته في الجماعة النشطة تشكل فرصة لإضافة وتجمع مواهب جماعية تضيف إلى فرص تحقيق هدفه وتثريها أكثر مما يستطيع أن يقوم به بمفرده.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٧
هذا الأساس فإن ممارسة المذيع المتميز مهمته في التواصل الإذاعي
والتلفازيّ ضمن جماعة نشيطة تحرص على الإبداع، ويتصف أفرادها بمواهب متعددة، سيشكل إثراء لفرص إبداعية تخص المنيع الذي يمارس أدوارًا مختلفة في التواصل الإذاعيّ والتلفازيّ، ومن الممكن أن تتفاوت توقعات السلوك المطلوبة منه، وتتفاوت بحسب تنوع أدواره وتفاوتها.
وفي ضوء ما يطلب من سلوكيات وممارسات متميزة للمذيع، لا بد والحال هذه أن يتحقق المذيع من أدائه بعد عرضه، ليعمل مراجعة ذاتية ؛ وليرى مدى ما حقق من كل هدف. ولعل مجموعة أدوار المذيع المتميز، التي يتضمنها تواصل المذيع الإذاعي والتلفازيّ تحتاج إلى عرضها، لتثري مَنْ يعمل مذيعًا في الإذاعة والتلفاز، ذلك لأن أيَّ مذيع مهما كانت ظروفه وميوله وقدراته، بحاجة إلى تعلم ليتقن دوره، فعملية التعلم لازمة للمذيع المتميز يأخذ بها منذ بدايته في ممارسة دوره في التواصل الإذاعيّ والتلفازيّ؛ لأن المذيع يعد من أهم مدخلات النظام الإذاعي، يؤدي دوره التواصليّ الإذاعيّ منه والتلفازيّ من خلال وظائف يظهر فيها مهاراته الشخصيّة والإدارية واللغويّة، وتلزمه بالمسؤوليات الملقاة على عاتقة؛ ليحقق الأغراض السامية في عملية التواصل الإذاعيّ والتلفازيّ، وهو تحسين فعالية هذه العملية من خلال أدوات التواصل اللغوي، وقدرة المذيع في إنماء طلاقته وتلقائيته عند محاورة الآخر، وسرعة بديهته وحسن تصرفه في بعض الأمور التي تتطلب إجابة قاطعة. وكل ذلك يحتم أن تتعدد وظائف المذيع ومسؤولياته، وتشمل كل وظيفة على عدد من المهام الأساسيّة والمهمات الفرعية ذات الصلة، وفيما يلي توضيح لتلك الوظائف.
1. الوظيفة الفنية لتنظيم التواصل.
تقوم هذه الوظيفة على تنظيم عملية الوقائع التواصليّة فنيًا، بحيث يُنظر لمعنى الفن هنا على أنّه تطبيق للبعد المعرفي على واقع العملية التواصليّة ضمن إطار من التصميم المسبق، بهدف الحصول على أفضل النتائج المرجوة في أداء المذيع المتميز: ذلك لأن البعد المعرفي في حد ذاته لا يضمن نجاح ممارسة العمل إلا ضمن إطار من المهارات الفنية يطبق البعد المعرفي خلالها، وتكون عندئذ مسئولة عن نجاح
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٨
ممارسة المذيع في مهمته التواصليّة في مجالي الإذاعة والتلفاز، بمعنى لو حصل مذيع ما على تفوق وامتياز في الجانب المعرفي، وحصل مذيع آخر في الجانب المعرفي على تقدير أقل منه، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن كفاءة الممارسات التواصلية للمذيع الأول ستكون أكثر كفاءة وفاعلية من ممارسات المذيع الثاني، والسبب في ذلك أن مهمة المذيع التواصلية لا تتعلق فقط في البعد المعرفي، بل تتعلق أيضا بالكيفية أو بالطريقة التي يتم فيها استخدام البعد المعرفي وريطه بالموقف الاتصالي الذي يواجهه المذيع.
ومن المهمات الفرعية ذات الصلة بالوظيفة الفنية لتنظيم التواصل، مهمة التخطيط، التي يسعى المذيع المبدع من خلالها على الارتقاء بالأداء التواصلي من خلال مجموعة من الكيفيات والأساليب المختلفة، منها تطوير الممارسات التي يتوقع القيام بها لتحقيق الكفاءة الفعالة في العملية التواصلية، بغية التمكن في الممارسات من خلال تنفيذ تلك المواقف التواصلية.
إن تحديد المذيع للهدف في الموقف التواصليّ يبعده عن الاطراد في جوانب لا علاقة لها بموضوع التواصل، وبالتالي يبعد جمهور المستمعين والمشاهدين عن الرتابة والملل والتشتت في الاستماع، فتتحدد شخصيّة المذيع التي تصبح أكثر حضورا في الأداء اللفظي أمام الجمهور، وبالتالي يترك انطباع إيجابي لدى المستمعين، والتخطيط لمهمة المذيع التواصلية تفضي إلى صحة المعلومات التي تجسد الموقف التواصلي وتجنبه الوقوع في الأخطاء، وتمده بمرونة يستخدمها في الأداء الشفوي أمام جمهور المستمعين والمشاهدين، وتجمل الموقف التواصلي كما يرى( حمدان،
1985) أكثر جودة في التنظيم من حيث التسلسل والعمق والتوازن والبدء والانتهاء، وتهيئ للمذيع المبدع القابلية للتعديل في مادة الاتصال في محتواها أو تسلسلها، وإمكانية استخدامها في المدة الزمنية المتوفرة للتواصل الإذاعي والتلفازيّ.
ومن المهمات الفرعية ذات الاتصال بالوظيفة الفنية لتنظيم التواصل تطوير قدرات المذيع التكنولوجيّة في مجال الموقف التواصليّ الشفوي في الإذاعة والتلفاز،
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٤٩
والتوسع في توظيف هذه القدرات في مهمات المذيع المبدع في ضوء كفايات ومهارات وميول المذيع .
2. الوظائف اللغويّة في عملية الاتصال.
تعد اللغة نظام من العلامات التي تعبر عن الأفكار، وقيمة العلامات في
الدلالات المعقودة بها في مواضعة الجماعة الكلامية واستعمالها. فإذا لم يوجد في العلامة ( الكلمة) التعبير والمضمون في آن واحد معًا، فلا تعرف العلامة (الكلمة)
أية وظيفة. كذلك، فإنه لا يمكن – كما يقول (Brekle,1972:66) أن يوجد تعبيرها، أو مضمون تعبير ما، دون قيام وظيفة إعلاميّة بينهما، فليس هناك تعبير إلا أن يكون تعبيرًا عن مضمون بعينه، وليس هناك مضمون إلا أن يكون مضمون تعبير لذاته.
يبدو أن أي علامة (كلمة) من علامات اللغة لا تتمّ عن وظيفة لغوية، إلا إذا استحالت إلى حدث لفظي، فالتفكير الصامت للمذيع لا ينمّ عن أي وظيفة لغوية؛ لأنه فارغ من المضمون اللغويّ، وبالمثل يمكن أن يقال إنّ حدثًا لفظيًا خاليًا من التفكير، ليس إلا سلسلة صوتيّة أو سمعيّة خالية من أية قيمة توصيلية، وعلى ذلك إذا فكر المذيع دون أن يتكلم، فلن تكون لأفكاره أية مضامين لغوية، وبالمقابل إذا تكلم المذيع دون أن يفكر؛ أي إذا أصدر سلسلة صوتية بعينها، على نحوما، لا يمكن معه توصيل مضمون بذاته إلى جمهور المستمعين أو المشاهدين.
واللغة في جوهرها تعد عملية اتّصاليّة، تستخدم في الكلام عن الأشياء الإعلامية، فالمذيع المبدع بفضل تجاربه وخبراته وكفاياته الموسوعية يستطيع أن يتعامل مع مقومات تطويع اللغة في الفعل التواصليّ، فهو يراهن على جعل المتلقي أن يقبل رأيًا، أو يتبنى سلوكًا؛ ولتحقيق ذلك يلجأ المطوِّع (المذيع) إلى لفت انتباه متلقيه إلى قضية معينة تتخذ علة للوصول إلى قضية محددة سلفًا.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٥٠
