عرفت الدعاية منذ ألاف السنين .. فقد كان الفراعنة فى مصر القديمة يتقتون قنون الدعاية والإعلام .. إذ كانوا يهتمون اهتماما كبيرا بالمناسبات الهامة كالأعياد كما أنهم كاتوا يدونون أهم الأحداث فى عصرهم وبخاصة أخبار الحروب على جدران المعايد والهياكل وعلى أوراق البردى . وكذلك داخل المعايد فوصنوا المعارك الحربية وعرضوا الانتصارات الكبرى وشرحوا الاصلاحات المختلفة والمواقف الدينية انتى ثير إعجاب الناس وتضمن كسب ثقتهم وتأبيدهم .. وكان الهدف من ذه الدعاية هو تفخيم الحكام والترويج لحكمهم .
وقد عرف العراق هذا النشاط أيضا ، فلقد وجد علماء الآثار فى ودائع خزائة الأمبراطور شور بانييال فى نيتوى سجلات منسقا ومفصلة بحسب تواريخها وحوادثها يقصد بها الإعلام والترويج لمبادئ عدنها . وفى بلدة تل العمارنة عثروا على كثير من الرسائل التى ضمنت أنباء الانتصارات ومواقع وحروب وتعليمات إلى الأهالى .
وكانت المراسلات منقوشة على قوائب من الطين المحروق بأقلام من المعدن وكانت توضع داخل صندوق أو مظروف من الطين ولابد من كسره لضمان السرية .
ونجد عند الإغريق القدماء رجال دعاية نذكر منهم “تيرتيرس ” الذى ألهبت أشعاره السياسية والوطنية والحربية حماس أعالى أسبرطة فصمدوا فى حروبهم . وهناك أيضا ” هيرودوت • المورخ الذى يعتبر أول من كتب ما يسمى بالتاريخ الوطنى . فهو كمواطن مخلص للإمبراطورية اللاتينية بين الدور الذى يلعبونه فى مقاومة الفرس فى غزوهم لأرض اليونان . ولجد فى العصر اليونانى السفسطانين الذى كانوا يقومون بتعليم فنون البيان والخطاب وطرق الجدل وغير ذلك من أساليب التأثير على الجماهير ، وكان غرضهم الربح المسالى . وقد تاربهم سقراط لأنهم عمدوا إلى المغالطة فى النقاش . وكذلك ساه فلاطون فى مجال الدعاية . ففى كتابه ” الجمهورية ” عن الدول المثالية يلقى بتعليمات مفصلة عما يجب أن يقال للسكان والهدف من
كتاب الدعاية السياسية و تطبيقاتها قديما وحديثا، د محمد منير، صفحة ٢١
ذلك الإبقاء على ولاء السكان ننظام الحكم وحكامهم من الفلاسفة . ويعد فلاطون أول من استخدم الدعاية لخدمة الأغراض السياسية منذ أقدم العصور . أما أرسطوا فيقدم فى كتاب البلاغة أول نص كتابى عن دعاية الإقناع عن طريق الحديث والخطابة . ويعتبر هذاء الكتاب حتي اليوم دراسة كلاسيكية للدعاية الكلامية كأسلوب قنى من أساليب الدعاية .وقد آمن حكام اليونان بأهمية الإعلام والدعاية وطرق التأثير فى الجماهير ، ولذلك كان الإسكندر الأكبر يجعل فى ركابه طائفة من الخطباء والشعراء والكتاب والمفكرين .
وعرف الرومان الدعاية السياسية . فالنظام الذى كان معمولا به فى إقامة مواكب واحتفالات الإستقبال الرسمية لنكريم قواد الرومان المنتصرين ومعهم القنائم كان بقام من أجل التأثير على المواطن العادى وإبهاره بعظمة الدولة الأم . كذلك استخدام الشاعر
“فرجيل • أشعاره فى الدعاية لإثارة الوطنية والعزة القومية بين مواطنيه كما أن عبادة الإمبراطور كانت نتيجة خطة دعاية معتمدة فتتحها أغسطس بنفسة كوسيلة لحصر ولاء القبائل الخاضعة للحكم الرومتى .
وفى المجال الدينى لعبت الدعاية دورا فى غاية الخطورة . فقد تبنى المبشرون الأوائل للمسبحية فى العصر الروماني حملة واسعة منظمة لجذب الاهتمام لأى إنسان على استعداد للاستماع . ولعل جماعة
” الجزويت” من هذه الحملات التبشيرية حتى يومنا هذا وإذا رجعنا إلى تاريخ الجزيرة العربية تجد أن سوق عكاظ قد اشتهر ببلاغته الشعرية وكانت القبائل ترسل فيه شعرائها للتفاخر بقوتها وقصاحتها ، والحروب التى خاضتها للتأثير على القبائل الأخرى ، ويعتبر هذا وسيلة من وسائل الإعلام والدعاية .
وعندما ظهر الإسلام اعتمد فى نشر دعوته على الإقناع وإقامة البيئة والدليل المعنوى والعادى .. واعتمد على أسلوب الشورى فى اتخاذ القرارات ونشر الدين من خلال دعاة متنورين فى المساجد ومن خلال الاحتفالات الدينية والاجتماعية وعلى الشعراء والكتاب والخطباء والقصاصين
كتاب الدعاية السياسية و تطبيقاتها قديما وحديثا، د محمد منير، صفحة ٢٢
واستخدمت الدعاية فى العصر الإسلامى بمفهومها الديني السياسي . ويعد الأمويون أول من تتبه إلى أهمية الدعاية السياس بناء فوة الدولة ومواجهة المعارضة وذلك كما سيتضح لنا فيما بعد وكان الفاطميون والشيعة من أشد الناس إتقانا تفنون الدعوة لمذهبهم وايتدع الفطميون إقامة الموالد والاحتفالات للدعوة لحكمهم وايتكروا المناسبات العديدة وايتدعوا فى ذلك وسائل جديدة للاحتفال بها ، وكان سبب نجاح الخليفة المعز فى فتح مصر هو نجاح دعوته فيها حتى مال إلى المذهب الفاطمى الكثير من الكتاب والجنود .. ومن أوائل أعماله بتاء الجامع الأزهر .. ولا يخفى دور الجامع الأزهر كمركز قاطعى للدعوة للخلافة الفاطمية وتعليم أصول الدين الإسلامى والفقة .
وفى ترسيخ دعائم للدولة القاطمية فى مصر .. وقد انشئ هذا المسجد فى البداية لإقامة علاقات طبية بسائر المسلمين ، وللدعوة للشيعة والخليقة . واستطاع الخليفة المعز القاطعي أن يحول هذا المسجد إلى جامعة للشعب تدرس فيها العلوم المختلفة ويروج فى ثنايا ذلك للمذهب الشيعى ، وكان يجرى الأرزاق على طلاب العلم الذين وفدوا من جميع أنحاء للعالم الإسلامى .
واستعان المعز أيضا بالشعراء لنشر المذهب كما أنشأ وظيقة داعى الدعاة لنشر الدعوة الفاطمية وكان بمثابة وزير الإعلام .. وكان يساعده أثنى عشر نقييا ينويون عنه فى سائر الأقطار لنشر الدعوة .
أما فى أوروبا فى العصور الوسطى فقد استخدمت الدعاية لأغراض دينية وتزايد استعمالها لهذه الأغراض خلال القرن السابع عشر . وظلت لفترة طويلة جزءا من نشاط المؤمسات الكاثوليكية التى كان من أهم واجباتها ومسئوليتها الدعاية من أجل الإيمان ، وقد مارست أنشطتها ن خلال “الإرساليات” ورجال التبشير ومن خلال تدريب القساوسة لك صيحو مبشرين – ثم اختلطت الدعاية الدينية بالأغراض السياسية مذ عام ١٦٣٣ عندما أنشأ البابا “بربان الثامن” لجنة مجمع الدعاية التر صبح لها الإشراف على أعمال الإرساليات الدينية الأجنبية للكنيسة كم أشرنا سابقا .
كتاب الدعاية السياسية و تطبيقاتها قديما وحديثا، د محمد منير، صفحة ٢٣
