وللتعرف على مفهوم الحرب النفسية فى إطار التطبيق العملى توجد دراسة هيئة تحرير مجلة كلية الملك خالد العسكرية عن الحرب النفسية الأمريكية على العراق تعرضت لتحليل هذه الحرب فى ضوء مفهوم الإدارة الأمريكية للحرب النفسية(١٩) تقول الدراسة:
كتاب الحرب النفسية، تأليف محمد منير حجاب، صفحة ٢٠
إن الحرب النفسية التى تشنها الإدارة الأمريكية على العراق هى حلقة من سلسلة الحروب النفسية الشاملة أو الاستراتيجية التى تشخها الإدارة الأمريكية على كل من يخالفها الرأى أو الرؤية أو التوجه من دول العالم بشكل عام، والدول العربية والإسلامية منها بشكل خاص، وذلك تحت شعار “الحرب على الإرهاب” الذى أعلنته الإدارة الأمريكية بعد أحداث ستمبر ٢٠٠١م، حيث فرضت على دول العالم وحكوماتسه أن تنضوى راغبة أو كارهة تحت لوانها فيما تعلنه من حروب ، وإلا اعتبرت مؤيدة للإرهاب ، متهمة “بمعاداة الأمريكية” تماما مثلما يتهم اليهود مخالفيهم فى الرأى أو التوجه “بمعاداة السامية” وشنت عليها حربها النفسية فى غسير هوادة، وربما هددها بالحرب العسكرية. كما حدث مع فرنسا، لعدم تأييدها للحرب على العراق، وتهديدها باستخدام النقض ضد القرار الذى كانت أمريكا وبريطانيا وأسبانيا قد تقدمت به تجلس الأمن فى ٢٠٠٣/٣/١٠م، بجواز استخدام القوة العسكرية ضد العراق؛ وكذلك الحرب النفسية التى شنتها الإدارة الأمريكية على رئيس الوزراء الألمانى جيرهارد شرويدر أحد الرافضين للحرب واهامه باستغلال رفضه للحرب الأمريكية على العراق من أجل تحقيق مكاسب داخلية فى حملته الانتخابية، ولم تسلم روسيا أيضا من تلك الحرب، حيث اتهمتها الإدارة الأمريكية بخرق القوانين الدولية، وأها قامت بتزويد العراق بأجهزة تشويش ضد الأنظمة الأمريكية التى تستخدم تقنية الليزر والحاسب الآلى فى توجيهها.
وكان لسورية النصيب الأوفى من تلك الحرب ، فمنذ ٢٠٠٣/٣/٢٨م، لم تتوقف حملة التصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية التى تنهم الحكومة السورية بحيازة أسلحة دمار شامل، وهى التهمة ذاتها التى تعالت بها الإدارة الأمريكية خرب العراق ثم اتمامها بدعم النظام العراقى وتزويده بأجهزة
كتاب الحرب النفسية، تأليف محمد منير حجاب، صفحة ٢١
رؤية ليلة لاستخدامها ضد القوات الأمريكية ، ثم فتح حدودها مع العراق للسماح بدخول الجاهدين العرب ليقاتلوا إلى جانب الشعب العراقى، وكذلك السماح لرموز النظام بالهروب إلى سورية.. إلى غير ذلك من الاتهامات التى اتبعت بالإنذارات والتهديدات.
بل إن الإدارة الأمريكية لم تتردد فى إعلان حربها النفسية على الأفراد أيضا، لا الدول والحكومات فقط، فقد عبر السقير الأمريكى فى لبنان
“فنسنت باتل” لعدد من المسؤولين اللبنانيين عن استياء بلاده من تصريحات ومواقف وزير الإعلام اللبنان، غازى العريضى المنتقدة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية مطالبا بعقاب ما ضد العريضى لردعه عن الإدلاء بمثل هذه التصريحات ، لافتا إلى أن هناك دولا معارضة للولايات المتحدة لا يقوم وزراء أعلامها أو مسؤولون فيها بتوجيه النقد للولايات المتحدة كما يفعل العريضى !!.
كما تحدثت الكاتبة البريطاني كورين سورا ف لقاء لها مع التليفيون
البريطاني فى ٢٠٠٣/٣/٣١م، عما يتعرض له أى منصف من مضايقات وتهديدات، لو وجه أى قهم لقوات الغزو وما تمارسه من خرق إنسانى وقانونى ، وأكدت أها شخصيا قد تعرضت بعض المتاعب فى هذا المسدد، وهكذا، نجد أن كل من عارض السياسة الأمريكية الهادفة إلى السيطرة والهيمنة على العالم، لم يسلم من الحرب النفسية ضده، والتى قد تتبع فيما بعد بالتهديد بالقوة العسكرية، باعتبارها وسيلة من وسائل الإقناع، أو ربمد أسلوبا من أساليب الحرب النفسية الشاملة التى تشنها الإدارة الأمريكية على العالم أجمع، وهو ها يفهم مما نقل عن الرئيس الأمريكى بوش من قولهة
“إن قوة الولايات المتحدة الأمريكية تعرفها الإدارة الأمريكية جيدا، لكن المهم أن يعرفها الآخرون، وأن يدركوا حجمها وخطرها على كل من
كتاب الحرب النفسية، تأليف محمد منير حجاب، صفحة ٢٢
تسول له نفسه التطاول عليها، فالقرار اليوم ليس اخرب على العراق، لإنهاء وضع شاذ وخطر محتمل فى المستقبل، بل لإظهار هذه القوة. وجعل الآخرين يدركون أننا أقوياء وأننا نملك القدرة على السيطرة واستيعاب العالم، وبالتالى ، فإن العراق هو الجال المفتوح حاليا، وقد تكون كوريا الشمالية غدا، وبعدها من يدرى؟ لكن المهم أن يدرك الجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تنام على ضيم بعد اليوم.
ويتضح من هذا التصريح أن مفهوم الحرب النفسية قد أخذ بعدا شموليا لدى الإدارة الأمريكية الخالية بعد أحداث سبتمبر، فلم تعد عاملا مساعدا للحرب العسكرية، بل العكس هو الصحيح، حيث تستخدم الحرب العسكرية لتأكيد مصداقية الحرب النفسية والإقناع لها والدعاية لها، إيمانا من تلك الإدارة بأن إعلان الحرب على دولة ما ومواصلتها بكل عنف وقوة، سيخيف الحكام الطغاة الذين يفكرون فى التعاون مع الإرهنب أو دعمه، وتعد الحرب الأمريكية على أفغانستان ثم على العراق تطبيق عمليا هذا المفهوم الأمريكى المستحدث للحرب النفسية.
وبهذا تكون اخرب النفسية فى مفهومها الواسع “حملة شاملة تستعمل كل الأدوات المتوفرة وكل الأجهزة للتأثير فى عقول جماعة محددة بهدف تدمير مواقف معينة وإحلال أخرى تؤدى إلى سلوكيات تتفق مع مصالخ الطرف الذى يشن الحملة.
كتاب الحرب النفسية، تأليف محمد منير حجاب، صفحة ٢٣
