إن الملمح الرئيسي لمفهوم الاتصال المواجهي يشير إلى الإجراء الذي يتم عبره تبادل فهم الخطاب الإذاعي والتلفازيّ، أو هو الوسيلة التي تنتقل عن طريقها معاني وأفكار الخطاب من شخص المذيع، أو من مجموعة من المتحاورين عبر الإذاعة المسموعة أو المرئية، ففي الاتصال المواجهيّ هذا يتم نقل وتلقي المعاني والحقائق والآراء والأحاسيس والمشاعر عبر الأداء الشفوي المسموع برموزه اللغوية التي تعكس خلالها السمات الشخصية للمذيع، هذه السمات التي ينبغي لها أن تعين المستمعين على فهم لغة التخاطب بانتقائها للألفاظ المعبرة عن محتوى رسائل التخاطب، وانتقاء الكلمات المناسبة لأقدار المستمعين.
ويعرّف (Anderson,1972:5) الاتصال بأنه تلك العملية الديناميّة التي يؤثر فيها شخص ما – سواء عن قصد منه أو عن غير قصد- على مدركات شخص آخر أو أشخاص آخرين من خلال مواد أو وسائط مستخدمة بأشكال متنوعة وطرق رمزيّة.
من خلال ما سبق يبدو أنّ مفهوم الاتصال يشير إلى أكثر من طرف، وأن كلمة اتصال مشتقة من الأصل الإغريقي Communist وهو نفس الأصل لكلمة “
.( ا ” التي تعني الأكثر من واحد (
أصلها مادة وصل؛ أي وجود اتصال بين اثنين أو أكثر، وكانت قديمًا تستخدم بمعنى نقل أو تبادل ما يمكن توصيله مثل الرسائل، لكن مفهومها قد نما وتغير لتعني التفاعل الذي ينشأ بين الأطراف من أخذ وعطاء وتقاسم في المشاعر والمعارف وذلك عن طريق أنماط مختلفة من وسائل التوصيل كالكتابة، ويعنينا هنا من الوسائل وسيلة الاتصال اللفظي في الإذاعة والتلفاز، ووسيلة الاتصال اللفظي وغير اللفظي في التلفاز.
فالاتصال المواجهيّ اللفظيّ هو الاتصال الذي يستخدم فيه المذيع المبدع العلامات اللغوية بكفاءة جيدة؛ لتكون وسيطا له. ويجعل
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٣٥
المعلومات بمساعدة علامات لفظيّة؛ كالقوالب الحسابيّة أو الرياضيّة، وعلامات الأعلام، ولغة الصم. وهي علامات تستثمر اللغة الإنصانية.
يبدو أن هذه المسألة أصبحت لدى بعض الباحثين مسألة خلافية بامتياز؛ لأن العلامات المستخدمة في القوالب الرياضية- مثلا- كما يشير (العبد)
21 :1995) ليست كتلك العلامات اللغوية ذات الوحدات والأنماط البنائيّة التي نعرفها، بما فيها من ميزات اشتقاقيّة وتركيبيّة. ولعل قبول بعض الباحثين إلى ما ذهب إليه سوونسكي متجاوزين الخاصيّة الجوهريّة السابقة يرجع إلى أن القوالب الرياضيّة ونحوها، لا تدخل في نوع آخر من أنواع العلامات التي تعرفها قنوات الاتصال الأخرى المختلفة.
فنظام الاتصال اللفظي المواجهيّ كعلامات يغاير نظم العلامات الأخرى، فحين التدقيق في طبيعة نظام الاتصال اللفظيّ المواجهيّ نجده يشير إلى تنوع واسع في احتواء المقاصد والمفاهيم، وحين يتسم الاتصال بسياقات اجتماعيّة واسعة يصبح اتصالاً تفاعليًا تُختار المنطوقات فيه وفقًا للمعايير والتوقعات المعترف بها اجتماعيًا.
وقد يجمع الموقف الاتصاليّ المواجهيّ الواحد بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي، ذلك لأن المذيع المبدع كإنسان مزود بنمطين معًا، وهذين النمطين بحاجة ماسة إلى تأهيل وتدريب بأساليب واستراتيجيات للحصول على أداء متميز في الحدث الاتصالي المواجهي بشقيه اللفظي وغير اللفظي، ومهما يكن من أمر فإن المذيع في الموقف الاتصاليّ اللفظيّ معني بتعلم لغته الإنسانيّة؛ لأنها تبدو فريدةً بين الكثير من أنظمة الاتصال المتعددة، وتزخر بقائمة من الملامح التمييزيّة التي يتسم بها الكلام كوسيط اتصالي لفظي. ولعل أولى المحاولات الحديثة في تطوير قائمة للملامح التمييزيّة التي يتسم بها الكلام في موقف الاتصال المواجهيّ هي محاولة
التي أوصلت تلك الملامح إلى ستة عشر ملمحا
الدلاليّة والتخصيص والاسترجاع الكامل وغيرها.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٣٦
والموقف الاتصالي المواجهي يتناول مدى واسع في التعبير، ما بين الإيماء
E: 42 of 288
وإشارة الاستجابة البسيطة للفرد في جمهور معين إلى الرمز أو الإشارة ذات الاتساع والذيوع والدلالة، فعملية الاتصال قد تتناول المحادثة بين شخصين مثلاً إلى الخطاب المذاع على شاشة التلفاز التي يشاهدها الملايين من الناس، وقد تتناول الرسالة أو الإشاعة في أي مكان، وقد تتناول تحليل محتوى وسائل الإعلام الجماهيريّ الأخرى ويتضمن مفهوم الاتصال المواجهيّ الكلام المنطوق وهو ما يصدره المذيع مشافهةً؛ ليعبر به عن أمر ما يكون له بعض الدلالات في ذهن كل من المذيع والمستمع، وهو بالتالي لفظ ومعنى، فطبيعة اللفظ تتكون من رموز صوتية لها دلالة اصطلاحيّة يدركها المذيع والمستمع على حد سواء، وبدلالات الألفاظ تُفهم الرسالة المنطوقة، فالكلام هو عين الحديث، الذي يعد مهارة من مهارات الاتصال اللفظي المواجهيّ للمذيع، والذي ينمو بالاستعمال والدرية في مواقف المشافهة، أو من خلال وسائل الاتصال التقنية التي يستخدمها المذيع كالإذاعة والتلفاز.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٣٧
