تتجلى الوظائف الرئيسة التي تقوم بها اللغة بمظاهر أربعة تعنى بالمعنى، مثلما يراها (Halliday,1990)، إذ يوظفها المذيع في الحدث الكلاميّ الاتصاليّ، وهي:
.Experiential وظيفة نقل التجارب .1
تعنى هذه الوظيفة اللغوية لدى المذيع بتوصيل الأفكار. إنها الوظيفة التي يعبر بها المذيع عن العناصر المضمونة لمنطوقه. وفي الواقع الإجرائي لهذه الوظيفة، يشير المذيع إلى الأشياء، والوقائع، والأفعال، والحالات، والملابسات، والناس، والأمثلة. فإن المضمون التجريبي لأي جملة يوظفها المذيع في الحدث الكلامي الاتصاليّ في بعض الأحيان لا تتعدى في كونها مثلاً عن متكلم (أنا)، وفعل (استلمت)، وشيء (رسالة)، وحالة (جديدة)، وزمن، (اليوم)؛ ليصبح المضمون التجريبي في الجملة: أنا استلمت رسالةً جديدة اليومَ.
2. الوظيفة المنطقيّة Logical.
تعنى هذه الوظيفة اللغوية لدى المذيع بربط الأفكار بعضها ببعض على أساس التسلسل أو التبعيّة، من خلال الجمل العامة المتعلقة بشيء أو شخص أو فكرة، بحيث تشكل كل جملة منها محورًا مستقلاً يحتاج إلى توضيح، يتم من خلال الجمل اللاحقة بحيث تؤدي الفكرة نفسها بعبارة خاصة ومحسوسة. لاحظ الجملة العامة التي يمكن أن يتحدثها المذيع كجملة محورية: سيتأخر إرسال البضاعة بسبب مشاكل في النقل. هذه الجملة تحتاج إلى تفاصيل، والتفاصيل هي حقائق ترتبط مباشرة بالجملة العامة التي هي جملة المحور، ولكي يكون الربط سليمًا ينبغي يكون منطقيًا، بحيث لا ينتقل المذيع من فكرة إلى أخرى متجاهلاً الربط بينهما. ولذلك تأتي جملة أولى بعد جملة المحور تعد من الجمل التي تفصل وتوضح مضمون الجملة الأولى، فقد تأتي الجملة الثانية مع الجملة الأولى كالآتي:
سيتأخر إرسال البضاعة بسبب مشاكل في النقل، لذا سوف نتأخر يومين في إرسال طلبية الإسمنت، وذلك لأن الشاحنة المخصصة تعطلت فجأة ويجري إصلاحها الآن.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٥١
لاحظ أن جملة المذيع تطورت بالتوضيح، والحرص على الإتيان بتفاصيل مناسبة ارتبطت ارتباطًا منطقيًا ووثيقًا بالجملة العامة الأولى، فجعلت فكرة المذيع المكتملة بعناصرها التوضيحيّة لجمهور المستمعين والمشاهدين فكرة واضحة ومقنعة بتفاصيلها الكافية.
.Interpersonal وظيفة الريط بين الأشخاص .3
تؤسس هذه الوظيفة العلاقات الاجتماعية التي تشكّل مفصلاً مهمًا في تنمية كفايات المذيع، كقوة لها دور متمايز، وهي تؤثر كذلك في سلوك جمهور المستمعين والمشاهدين، فالإنسان مخلوق اجتماعي لديه أبعاد معرفية اكتسبها من خلال تفاعل إمكاناته مع معطيات بيئته. وبيئة المنيع – كطرف في العلاقات-مليئة بالمثيرات، واستجابته لها التي تأتي بالحديث التواصلي مع جمهور المستمعين والمشاهدين لا تعتمد فقط على جانب بعده المعري، بل على أبعاد بنائية أخرى.
وفي ذلك يرى (عبد الرحمن، 1980) أن استجابات أي فرد تأتي متأثرة، بالإضافة إلى ما لديه من بعد معرفي، بقيمه، واتجاهاته، وبطريقة إدراكه للأمور، وبشخصيته، وبدوافعه. فرفضه أو قبوله للمثيرات يأتي متأثرًا بهذه العوامل المتعددة.
وعلى ذلك يبدو أن المذيع ليس عضوًا عارفًا فقط، بل متأثرًا ومؤثرًا في مجتمعه، يعيش من خلال تفاعله مع الآخرين عملية تعلم مستمرة، يمارس من خلالها إعادة بناء وتنظيم مستمر لخبراته ومفاهيمه.
والتفاعل الاجتماعي التي تظهره لغة المذيع يأتي في صور متنوعة للمخالطة الاجتماعيّة، كالتحيات التي يستخدمها المذيع لفتح أي حوار، أو الاستجابة لبعض الأفكار، أو إنهاء أي حديث، وتأتي الوظيفة الاجتماعية على شكل جمل ينبفي أن ينتقيها المذيع لتناسب السياق التي تنطلق منه المنطوقات في الوظيفة الاجتماعية: مثل
: صباحكم سعيد، أهلاً بكم مستمعينا الأفاضل، نبدأ مشوارنا هذا بالتحية المفعمة بشذى الورود نزفها لكم مستمعينا الكرام.
إنّ توظيف المذيع للمنطوقات في الوظيفة الاجتماعيّة، يفتح الطريق إلى حديث أكثر إشباعًا، وبالتالي فإن المذيع الذي يكسر هذا النمط، ولا يستخدم
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٥٢
المنطوقات في وظيفتها الاجتماعيّة، سوف ينظر إليه على أنّه غريب، وسيكون سلوكه مستهجنًا. إنّ استعمال عبارات مثل: فصلّ جميل، اليس كذلك ؟ جاءت وظيفتها الاجتماعيّة في منطوق المذيع هنا وظيفة مبتورة في الاتّصال أو التفاعل مع جمهور المستمعين أو المشاهدين؛ لأن محور الفصل أصبح موضوعًا على المستوى السطحي، وإعادته بالمنطوق التواصليّ الاجتماعيّ، يزيل عنه عوائق الاتصال والتفاعل بين المذيع من جهة وجمهور المستمعين والمشاهدين من جهة أخرى.
أما الوظيفة الثانية من الوظائف الرابطة بين الأشخاص، مثلما يراها
(هاليداي، 1990)، فهي ما يمكن أن تسمى بالوظيفة الأداتيّة أو الوظيفة الأداة
وهي وظيفة التأثير في سلوك الآخرين؛ إذ تل تري siiin
الوظيفة نفسها بطرق متنوعة.
وانسجامًا مع الدور الذي يؤديه المذيع في التواصل الشفوي مع جمهور المستمعين والمشاهدين، يمكننا أن نشير إلى أهمية هذه الوظيفة في أداء المذيع وتأثيره في جمهور مستمعيه أو مشاهديه، وذلك بتفعيل المذيع لهذه الوظيفة من خلال الطرق الآتية:
– الالتماس، في سؤال المذيع لمستمعه أو مشاهده لطلبه فكرة عن أبعاد العولمة، مثال: هل يمكنك أن تعطيني فكرة تحدد فيها أبعاد العولمة، من فضلك ؟
الاستعلام، في سؤال المذيع لمستمعه أو مشاهده لموعد قدوم الطائرة التي تنقل المنتخب الوطني لكرة القدم القادم من سنغافورة، مثال: ما موعد الطائرة القادمة من سنغافورة، والتي تنقل المنتخب الوطني لكرة القدم في رجوعها إلى عمانَ؟
الإرشاد، في إجابة المذيع لسوال المستمع – وهو بالقرب من المحطة الفضائية وتحديده للمكان الذي هو فيه – حول استفساره عن مكان المحطة، مثال:
استدر يسارًا عند الأضواء، ثم خذ الدوران الأول يمينًا.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٥٣
أمّا الوظيفة الثالثة من الوظائف الرابطة، مثلما يراها (هاليداي ، 1990)
أيضًا، فهي التعبير عن تصرفات المتكلم الخاصة تجاه المحتوى الفكري لما قيل، ومن ثم يشار إليها على أنها الوظيفة الشخصية التي تستخدم في تعديل الفكرة الرئيسة في الجملة.
إن ما يكثف درجة التواصل الشفوي بين المذيع ومستمعيه قدرة المذيع في تفاعله مع المسموع، وتركيزه له، ثم محاورة المستمع بصور إيجابيّة ؛ لتعديله للأفكار التي أدلى بها المستمع، بعرض الاقتراحات، وتبادل الأدوار في الحديث، بأسلوب لبق يحترم مشاعر الآخرين. إن المشاركة الفعالة بين المذيع وجمهور مستمعيه أو مشاهديه، والتي تظهر تصرفات المذيع تجاه المحتوى تعد واحدة من أهم الوظائف الرابطة بين طرقي عملية التواصل، وهما المذيع من طرف وجمهور المستمعين أو المشاهدين من طرف آخر.
وانسجامًا مع الدور الفاعل الذي يقع على كاهل المذيع في تصرفاته الشخصيّة لمحتوى الرسالة التواصليّة، يمكننا أن نشير إلى أهمية هذه الوظيفة في أداء المذيع، وتأثيره في جمهور مستمعيه أو مشاهديه، وذلك بتفعيل المذيع لهذه الوظيفة من خلال الأداء الآتي:
– المستمع في تواصله مع المذيع عن موضوع النفس شعرًا :
إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
المذيع في رده على المستمع في موضوع النفس: إذا كانت النفسُ جميلة رأتِ الفجرَ غديرًا، والليلَ مهرجانًا، والناسَ أحبةً، والكوخَ قصرًا مشيدًا.
المستمع في التواصل الشفوي مع المذيع : يظفر الشيطان بالإنسان غالبًا عند السخط والشهوة.
المذيع في تواصله الشفوي مع المستمع: ولاسيما إذا استحكم سخطه، فإنه يقول ما لا يرضى الرب. ويفعل مالا يرضيه، وينوي ما لا يرضيه.
يبدو للمتأمل في ذلك التواصل الشفوي قدرة المذيع في التعبير عن تصرفاته الخاصة تجاه المحتوى الفكري لما قيل، فيشار لتلك القدرة على أنها وظيفة المذيع
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٥٤
الشخصية التي تستخدم في تعديل الفكرة الرئيسة للمستمع في تواصله مع المذيع، أو قدرة المذيع الشخصية التي يستخدمها في تعديل فكرته الرئيسة في الجملة، مثلما يبدو فيما يلي:
– قد لا تكون الطالبة حصلت على معدل يؤهلها لدخول الجامعة.
ينبغي أن تكون الطالبة قد حصلت على المعدل المطلوب.
لسوء الحظ لم تحصل الطالبة على المعدل المقبول لها.
كتاب مهارات المذيع المتميز ، د كامل الطراونة، صفحة ٥٥
