نظريات التحليل السلوكى لجوهر العمل الدعائى:
يمكن الإشارة إلى ثلاث نظريات كل منها تنبع من فلسفة معينة فيما يتعلق بتحديد طبيعة السلوك أو التحليل السلوكى لجوهر العمل الدعائى وهى: نظرية السلوك أو التحليل السلوكى لجوهر العمل الدعائى أى نظرية رد الفعل، مدرسة التحليل النفسى، والمدرسة الأمريكية على النحو التالى:
(أ) نظرية رد الفعل: التى ندين بها إلى بافلوف، وتدور هذه النظرية حول فكرة أن السلوك ما هو إلا استجابة لمنبه واننا إذا استطعنا أن نخلق السلوك المصطنع، ويؤدى نقل هذه المفهوم لنطاق الدعاية إلى حقيقة مزدوجة:
١- أن تغيير الاستجابة عادة ما يتم عن طريق التلاعب فى المحبط أو الوسط أو بصفة عامة فى القوى الاجتماعية وما يرتبط بها من انطباعات بحبث تدفع الفرد لينساق لاشعوريا نحو الموقف أو السلوك الذى تريد منه أن يتخذه.
٢- الدعاية بهذا المعنى توصف بأنها جماهيرية فهى تتجه إلى المجتمع الكلى، إى غالبية ذلك المجتمع أو بعبارة أدق إلى الرجل العادى الذى يوجد فى كل مواطن بدرجة أو بأخرى.
(ب) نظرية التحليل النفسى: التى تدين بها لفرويد، حيث يرى أن السلوك امتداد لمجموعة من العقد والنقائص التى ترتبط بالنشأة الأولى وبالطفولة. وكلما ضجت هذه العقد والنقائص كلما كان هذا أدعى إلى تعدد أبعاد عقدة التعذيب Frustration التى تسيطر على النفسية الفردية فإذا بها أكثر
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٣١
صلاحبة لأن تخضع لعملية التلاعب بالتأثير والتأثر. ومن ثم فهذه الفلسفة عندما تنتقل إلى نطاق الدعاية النازية تسير فى بعدين:
١- هى لا تسعى إلا إلى المواطن الممتلى، بالنقائص والعقد وبالتالى الذى يعانى حالة تعذيب نفسيه حقيقية، وهكذا يصير هدفها هو الأقليات أى تلك الفنات التى تشعر – إن خطأ أو صواباً – أنها مهضومة الحقوق، وأنها لا تعامل على قدر من المساواة مع أفراد المجتمع الكلى. ولذلك كان إنشاء الطابور الخامس أحد الأهداف الأساسية والثابتة للاستراتيجية الهتلرية.
٢- كذلك فإن جوهر العمل الدعائي النازى هو عمل تضخيم وتشويه للعقد الكامنة فى الفرد أو الجماعة بحيث يتحدد رد الفعل وتتحدد تلك الاستجابة التى نسعى للوصول إليها من العمل الدعائى.
(ج) المدرسة الأمريكية: إلى جانب هذين الأسلوبين نستطيع أن نسوق فلسفة ثالثة تتوسط الأسلوب الروسى والأسلوب النازى وهى تستمد فلسفتها من أفكار الفيلسوف ديوى، وهى ترى فى الدعاية عملية تثقيف وتقوية فى المواقف ومن ثم ترفض التسليم بامكانية التحكم فى المواطن عن طريق التحكم فى الوسط الاجتماعى أو عن طريق التلاعب فى مقومات الشخصية. هذه الفلسفة التى أثرت بشكل واضح فى تقاليد الدعاية الأمريكية تتحدد بدورها ببعدين واضحين فيما يتعلق بهيكلها الوظيفى هما :
لجعل من الدعاية عملية مختلطة بعملية التوعية والتثقيف. ولذلك فهى تختلط بالإعلام وتدور فى فلك السياسة الثقافية وتجعل من المؤسسات الثقافية كالجامعات والمكتبات العامة بؤرا يتبلور حولها النشاط الدعائى.
وهى أيضا نتجه إلى الأصدقاء وتقف عند ذلك الحد. هى توسع من رقعة التأيبد التى لها صدى واستجابة سابقة ولا يعنيها العدو أو غير الصديق.
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٣٢
وهكذا نستطيع أن نلاحظ أن كلا من هذه الأساليب الثلاث يعكس موقفاً فكرياً خاصاً: الدعاية الروسية جماهيرية، الدعاية النازية دعاية للأقليات، والدعاية الأميركية تتجه إلى الطبقات المثقفة. على أن كل من هذه الأساليب له عيوبه ونقائصه. فالأول يفترض إمكانية التحكم فى الوسط والإطار الفكرى الذى يعيش فيه المواطن وهكذا يصلح للدعاية الداخلية ولكنه يصير محدود الفعالية فى الدعاية الخارجية. الثانى أكثر اقتراباً من الحرب النفسية منه للعمل الدعائى ولذلك فهو بصلح فى حالات الحرب والصراع ولكنه يصير أسلوباً محدود الفعالية فى لحظات السلام والطمأنينة. الأسلوب الثالث يتجه إلى طائفة بحكم خصائصها لا يمكن أن توصف بأنها تمثل المجتمع الكلى فضلا عن أنها تتجه إلى العزلة السلوكية ومن ثم لا تصلح لنشر الدعاية الأجنبية إلا فى نطاق محدود. ولعل هذا يفسر لماذا يُرفض علميا الاقتصار على واحد فقط من هذه الأساليب والاتجاه إلى الجمع بينها بمقادير مختلفة تبعاً لكل موقف. والخلاصة أن الهدف من العمل الدعائى هو تغيير السلوك.
وتغيير السلوك يعنى تغيير فى مظاهر الاستجاية لأن هذا التغيير هو دلالة النجاح فى العمل الدعائى. والمعروف أن مظاهر الاستجابة الفكرية عديدة: الرأى ثم الحكم ثم الاتجاه ثم السلوك الفعلى. كذلك التغيير فى الاستجابة يتعدد عمقا واتساعاً:
فالتغيير فى الرأى أقلها فى الدلالة أما التغيير فى الحكم فهو قد ينتهى بتقرير وتقييم قد يرتفع إلى مرتبة العقيدة ولكن تغيير الاستجابة إلى تغيير فى الاتجاه يعنى تغييراً أكثر عمقاً وأكثر اتساعاً. أما أقوى مظاهر التغيير فهو خلق السلوك الفعلى أى الوقائع السلوكية المعبرة عن الاستجابة وهذا هو أقوى مظاهر التعبير عن العمل الدعائى، فلنقدم مثلاً: الدعاية حول موضوع تنظيم الأسرة. فالشخص الذى يقتنع بذلك المبدأ لكنه يرفض استخدام الوسائل والأدوات يعكس أقل أنواع الاستجابة أما الشخص الذى يقتنع بذلك المبدأ ويقوم فعلاً بتنظيم نسله بانتظام واضطراد فإنه يعبر عن أقوى أنواع الاستجابة.
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٣٣
