مدخل:
يكاء يكون من أصعب الأمور تغيير الأراء ولذلك فإن مضمون الدعاية يكون أكثر يسراً وفعالية إذا كان متعلقاً بموضوعات جديدة أو مسائل لم يسبق تكوين آراء أو اتجاهات حيالها (للاستزادة انظر الفصل الأخير من كتابنا: نظريات الاتصال والرأى العام) .
كما أن وصول الحقائق أو المعلومات إلى الجمهور مسألة بالغة الأهمية، فقد لوحظ أن الجمهور المطلع المتابع للأحداث يكون دائماً اسرع إلى تكوين آراء محددة ذات طابع متزن، بعكس الجمهور غير المطلع البعيد عن متابعة الأحداث، فهذا الصنف الأخير من الناس يكون عادة ابطأ فى تكوين رأيه، مذبذباً فى اتجاهاته، فريسة للاشاعات والانحرافات، ويتصف فى النهاية بالتطرف والنظرة السطحية للأمور وتغليب الانفعال الطارى، على التفكير السلم.
ونتناول فيما يلى أهم الأساليب الدعائية لتغيير الرأى العام:
اولاً – أسلوب التكرار والملاحقة:
عتقد البعض أن أسلوب التكرار، لا الجدال ولا المناقشة هو انجح الاساليب الدعاية لتغيير الرأى العام، وكانت الدعاية الالمانية تعتنق هذا الأسلوب، وتؤمن بأنه الأسلوب المثالى لمخاطبة الجماهير، فقد وصف (جويلز) هذا الأسلوب الدعائى فقال:
( أن سر الدعاية الفعالة يكمن لا فى إذاعة بيانات تتناول آلاف الأشياء ولكن فى التركيز على بضع حقائق فقط، وتوجيه اذان الناس وأبصارهم إليها مرارا وتكراراً) .
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٦٧
– أسلوب الاثارة العاطفية:
ان الدعاية تعتمد أساساً على اثارة العواطف لا على المناقشة والاقناع وتنبع عن
احتقار دفين للمواطنين.
وكان (هتلر) يعتقد أن الجماهير فيها الكثير من خصائص النساء، وان استجابة الجماهير تكون دائماً استجابة عاطفية أكثر مما هى عقلية، ولذلك فقد كان يدعو إلى أن تتجه الدعاية إلى العواطف، وخاصة عاطفة الحقد، وايسر السبل إلى اثارة الحقد التشهير وإكالة التهم، فيجب تشويه سمعة الناس وتزييف الحقائق.
لقد عبر هتلر فى أكثر من مناسبة عن احتقاره الكبير للقدرات العقلانية أو الفكرية للجمهور، وكان يؤمن بأن ذاكرة الجمهور ضعيفة وأن الأفراد يستجيبون لمن يدفعهم بالقوة، أكثر من استجابتهم لمن يقنعهم، وانم سيتأثرون أكثر بالتكرار المستمر لشعارات تستميل العواطف، ولا يتأثرون بالحجج العقلانية.
وكان يرى أنه لكى ينجح رجل الدعاية فى استغلال عراطف المتلقى يجب أن بتحقق من وجود تلك العواطف. ويرجع نجاح هتلر لاستغلاله للمشاعر السائدة بين الجمهور واستغلاله لتلك المشاعر فى زيادة المشاركة. ومن أبرز المشاعر التى استعان بها هتلر: الرغبة فى احترام الذات، والاحساس بالشفقة على النفس.
ويزداد استخدام أسلوب الاثارة العاطفية عندما يصعب استخدام الأساليب الموضوعية والحقائق المادية فى استمالة الرآى العام، أو مواجهة رأى عام مضاد . فإن الداعية يلجأ فى تلك الحال إلى ممارسة أسلوب الاستثارة العاطفية والغرائزية خاصة فى المجتمعات التى تزداد فيها نسبة الأمية، ومن هنا جاء خوفنا وتحذيرنا المستمر من القنوات الجنسية المفتوحة عبر الأقمار الصناعية، وبيع كروت القنوات المشفرة بيسر دونما قيود على العمر أو المستوى التعليمى. فلقد نشرت مجلة روز اليوسف المصرية فى عددها ٣٧٢٠ فى ١٩٩٩/٩/٢٥ أن القنوات الجنسية فى مصر بحكم
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٧٠
رابعا – أسلوب تحويل انتباه الجماهير:
قد يصعب فى أحيان كثيرة معارضة الرأى السائد بين الجماهير بالنسبة لمسألة أو موضوع معين، ذلك أن معارضة تيار جارف من الرأى العام بعد تكوينه لا تأتى منتيجة ما حتى لو كان الرأى العام على خطا .
والأسلوب الذى يتبعه السياسيون وأجهزة الإعلام فى مثل هذه الأحوال هو تحويل انتباه الجماهير إلى موضوع آخر مثل أهمية الموضوع المشار أو أكثر أهمية منه.
خامسا- اسلوب البرامج الايجابية المحدودة:
ان البرامج والتصريحات الايجابية المحدودة لها أثرها البالغ وسحرها الكبير على الرأى العام، بعكس البرامج غير المحددة والكلمات الجوفاء والتذبذب، ويسوق البعض نموذجاً لذلك، الديانات بما تعرضه من جزاء للتدليل على مدى لجاح هذا الأسلوب فى مخاطبة الجماهير.
ويدرك رجال السياسة تمام الادراك مزايا البرامج المحددة فى تغيير اتجاهات الرأى العام ولذلك بحرص معظمهم على التقدم إلى الناخبين ببرامج من هذا القبيل.
وكلما كانت هذه البرامج متسمة بالايمان بالمستقبل والتفاؤل به، تضاعف تأثيرها ، ذلك أن الجماهير بطبيعة الحال تكره الروح المتشائمة لما تحمله في طياتها من سلبية وهدم.
ومع ذلك فإن البرامج والوعود الايجابية المتفائلة تفقد قيمتها وبتلاشى أثرها
وينقلب إلى تأثير عكسى ما لم يتبعها العمل والتنفيذ.
سادسا – اسلوب افتعال الأزمات:
عرفت الانسانية فى تاريخها الطويل أزمات عديدة: سياسية واقتصادية واجتماعية وتركت آثارها الخطيرة على الانسان ومستقبله ولكن المقصود بافتعال
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٧٢
الأزمات كأسلوب من الأساليب الدعائيه الحديثة لتغيير الرأى العام هو استغلال بعض الأحداث أو الظروف – وربما تكون محدودة – بنجاح من أجل خلق أزمة تؤثر فى الرأى العام وتستفيد منها الدولة التى تستخدم هذا الأسلوب.
ومن الأمثلة على ذلك ما استخدمته اسرائيل فى صراعها مع الأمة العربية بافتعالها أزمة مع سوريا فى ١٩٦٧ كبداية لشن عدوانها على الأمة العربية..
واستخدامها – بيراعة – هذا الأسلوب فى أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين، حيث تفتعل أزمة تلو الأخرى، من أجل اجهاض المفاوضات وكسب المزيد من الوقت والمكاسب.
ويلقى كتاب الحكومة الخفية اضواء على أساليب المخابرات الإستعمارية فى افتعال الأزمات، ومن أمثلة ذلك ما كانت تقوم به الإذاعة السرية الموجهة إلى كوبا بأسم راديو الأمريكتين إذ كانت تحرض المعارضين لحكم كاسترو على اشعال الحرائق فى مزارع القصب التى تمثل ثروة البلاد الرئيسية، وانتزاع اسلاك التليفون، حتى نضطرب المواصلات التليفونية، وتحطيم أكبر عدد من الزجاجات لأن إدارة المخابرات الأمريكية كانت ترمى إلى أحداث أزمة زجاجات. وترمى من وراء ذلك إلى أقناع الرأى العام العالمى بوجود معارضة شعبية ضد كاسترو ليكون ذلك زريعة للتدخل العسكرى من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
ونحن ننظر إلى مشكلات الحدود التى زرعها الاستعمار بين الدول العربية على أنها قنابل موقوته تصلح فى أى وقت لافتعال أزمات بين الدول العربية والتأثير فى
الرأى العام،
سابعا – إثارة الرعب والفوضى:
برعت المخابرات النازية بصفة عامة فى إستغلال دوافع الأمان لدى الإنسان باثارة الخوف والفزع لإرهاب الشعوب واخضاعها من خلال إستخدام الوسائل المختلف
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٧٣
لخلق حالة من الذعر والفوضى، وفى هذا يقول هتلر: إن أسلحتنا هى إطراب الذهن وتناقض المشاعر والحيرة والتردد والرعب الذى ندخله فى قلوب الأعداء. فعندما يتخاذلون فى الداخل ويقفون على حافة الثورة وتهددهم الفوضى الاجتماعية، عندما تحين الساعة لنفتك بهم بضربة واحدة.
وسارت دعاية الغرب بعد الحرب العالمية الثانية وحتى وقت قريب على نفس الأسس تقريبا التى كانت تسير عليها الدعاية النازية، حيث عمدت إلى المبالغة فى إشاعة الخوف والذعر بين الشعوب من الغزو الشيوعى المنتظر والخطر الأحمر القادم – قبيل إنهيار المجتمعات الشيوعية – انطلاقاً من الدورس المستفادة من استخدام الدعاية الالمانية لأسلوب التخويف المباشر وسلاح الرعب بشكل فعال. ذلك أنه حتى عام ١٩٤٢ كانت الفكرة التى تكررها الدعاية الالمانية تقوم على اظهار الدمار الذى لحق بالدول التى رفضت الإستسلام لالمانيا مكرره فكره: إن هذا هو ما حدث للآخرين.. وهو على وشك أن يحدث الآن.. وأدى الخوف الشديد والرعب اللذان انتشرا من الفوهرر الالمانى إلى تدفق اللاجئين إلى الشوارع فى فرنسا وعرقلوا بذلك حركة الحلفاء ومعداتهم العسكرية وعجلوا بهزيمة فرنسا.
كما أن استغلال الاحتكارات الغربية لهستيريا الحرب التى كانت تشبعه أجهزتها الدعائية قد مكنتها من ابقاء العالم فى حالة من التوتر خدمة لمصالحها الاقتصادية واطماعها التوسعية.
ولعل ما تضمنه مسلسل وادى فئران الذى اذيع على القناة الأولى فى أكتربر ١٩٩٩ من محاولات اسرائيل لاثارة الرعب والفوضى بين بدو سينا ، سواء بتسميم المواشى أو الآيار يؤكد أن أساليب المخابرات الاستعمارية لتقليب الرأى العام وآثارته لا تعرف حداً تقف عنده، فهى لا تتورع فى سبيل تحقيق أهدافها عن القتل والخطف والرشوة والاسامة إلى سمعة الأفراد والجماعات والإلتجاء إلى التخريب والتدمير والتزوير والخداع وإثارة التذمر والتعصب والفرقة واشاعة الخوف والذعر والارهاب واشعال الفتن والحروب الأهلية والاقليمية والعالمية.
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٧٤
ثامنا – الشالعات:
إن الشائعة لا تتقيد بمعايير الصدق الموضوعى الذى يجب أن يلتزم بها الإعلام:
كالموضوعية والصدق والنزاهة والدقة.
ولانها لا تتميز بالموضوعية والصدق والامانة فهى اقدر على الغور فى أعماق الجماهير ابان افتقار الجماهير إلى الوسيلة التى تمدهم بما هو صادق وحقيقى، والمعروف أنه يصعب وجود صحيفة تقدم الصدق كل الصدق أو الحقيقة كل الحقيقة فى فترات الحروب والأزمات وخاصة السياسية والاقتصادية ويوجد فى الناس مبل إلى تصديق الشائعة دون محاولة منهم للوقوف على الحقيقة.
وتزداد الخطورة حينما لا يكتفى البعض بتصديق الشائعات بل يضيف إليها من عنده وهنا يمكن كل الخطر من أى شائعات مهما كانت بسيطة فى أول أمرها وتخضع الشائعة فى سريانها لأهمية الحادث الذى تتحدث عنه، والغموض الذى يكتنف هذا الحادث. وينشأ هذا الغموض من: انعدام الأخبار أو اقتضابها أو تضارب الأخبار وعدم الثقة بها. ولعل أخطر ما فى الأمر حالياً وجود شائعات على شبكة الانترنت سواء ضد الفنانين أو رجال الأعمال المشهورين أو تمس قضايا ساخنة اقتصادية واجتماعية وسياسية.
وتزداد الشائعات فى جو الحرب، حيث تكون سرية الأخبار أمراً جوهرياً تتطلبه دواعى الأمن واعتبارات النشر على الرأى العام، وتأسيساً على ذلك فالشائعة هى خبر ينتقل من فم إلى فم مجهول المصدر يتحرك بين الأفراد ويحمل معه دليلاً على صحته، ويفتقر إلى المسئولية وتتغير بعض تفاصيله من فرد لآخر.
كتاب الدعاية و الاقناع، تاليف ا د عاطف عدلي العبد، صفحة ٧٥
