لم يحدث خلط بين مستويات التعامل النفسى، مثلما حدث من خلط وتشويش وارتباك بين هنين المصطلحين، فعلى الرغم من أن (غسل الدماغ) (Brainwashing) والتحويل العقائدى (In doctrination) بوصفهما مصطلحين ينطوى كل منهما ويندمج تحت الظاهرة نفسها، التى تعنى بعملية تشوية المنطق والارتفاع إلى مرتبة التلاعب فى مقومات الشخصية الفردية. إن يصبح جوهر العملية هو الإمسك بالعناصر النفسية للفرد، وعن طريق التلاعب بتلك العناصر، ومن ثم الوصول بتلك الشخصية إلى حالة من الاختلال فإذا بها تصير أداة طيعة فى يد المهيج أو مثير الفتن والقلاقل.
إلا أن هنك تميزًا واضحًا فى مفهوم كلا المصطلحين، فإن كان (غسل الدماغ) يعنى كل الوسائل التقنية والفنية المخططة والرامية لتحطيم الشخصية الفردية بحيث تكون أداة
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ١٤٥
طبيعة بيد القائم بعملية (غسل الدماغ) ومن ثم إمكانيته لتحوير فكر وسلوك تلك الشخصيا بالشكل المطلوب(ا).
فإن التحويل العقائدى (Indoctrin ation) يعرف بأنه صورة من صور (غسل الدماغ)
ولكنها تتجه إلى المجتمع الداخلى بقصد خلق الأصدقاء والمتعصبين وبعبارة أخرى، هى دعوة عقائية ولكنها لا تقتصر على الإقناع وإنما تسعى إلى خلق القوى العنيفة فى تعصبها، المبالغة فى التزامها والرافضة لأى مواقف لا تتضمن الصلابة المطلقة (٢).
إذن ومن خلال التعريفين السابقين نجد أن التمييز بينهما يتم من خلال أكثر من متغير واحد من حيث المصدر وهدف العملية نفسها إذ أن (٣):
١ – ( أ ) عملية (غسل الدماغ) تتجه إلى العدو لتجعل منه أداة تنقل البذور الهدامة.
(ب) التحويل العقائدى يتجه إلى المجتمع الداخلى بقصد تحقيق نفس الهدف ولكن فى صورة أيديولوجية بقصد خلق الأصدقاء المتعصبين، أى أن (غسل الدماغ) يتجه إلى العدو والتحويل العقائدى إلى الصديق.
٢ – ( أ ) عملية (غسل الدماغ) القصد منها بذر بذور الفتنة فى مجتمع العدو الذى تسعى إلى القضاء عليه.
(ب) عمليات التحويل العقائدى تتجه إلى الاحتواء والسيطرة بقصد تحطيم أو شل
المعارضة أو إمكانيات الرفض.
ولكن هل جاء هذا التمييز عملية لاحقة لتأصيل ظاهرة (غسل الدماغ)، بعضهم يرى، أن عملية التحويل العقائدى وإطلاق هذا المصطلح عليها. بمعناه المتعارف عليه الآن
قد سبقت اصطلاح (غسل الدماغ) في الإطلاق، إذ كا يني لل aiare)
الاستعمال بوصفه (تربية عقائدية) أو (تبشير عقائدى)، ومعناه حث الناس على قبول عقيدة ما عن طريق تربية تقليدية مقننة تعتمد على التسليم والقبول أكثر من البحث والمحاورة
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ١٤٦
والنظر العقلى أو التحليل النقدى لمفردات موضوع التعلم، وقد اختلفت هذه التربية أو التبشير باختلاف النظم السياسية والمثل والمعيير التى توجهها.
بينما يطلق آخرون على (التحويل العقائدى) اصطلاح (الاختراق الفكرى)، ويعرفونه على أساس أنه (محاولة النفوذ إلى عملية التأمل والتقدير بقصد التأثير عليها وتوجيهها توجيهًا معينًا يريده المخترق وقصد إليه() . أى أن (عملية الاختراق الفكرى ليست غلية بحد ذاتها، فالمخترق لا يقوم بعملية الاختراق لذات الاختراق أو لمجرد الاختراق، وإنما هو وسيلة لتحقيق غاية، هى توجيه المخترق باتجاه يريده المخترق ويهدف إليه، وهو تحقيق غليات يقصدها المخترق، وهى فى الغالب تحقيق مصالحه أو مصالح الجهة التى يعمل المخترق لصالحها، ومن هنا فإن التمييز بين الاختراق (الفكرى) و(غسل الدماغ) يتجلى
بالآتى) :
الهدف فى عمليه (غسل الدماغ) هو قتل الإرادة وإنهاء تأثيرات العقل بحيث بصبح الفرد آلة تحرك من دون هدف معين، فى حين الاختراق لا يعنى قتل العقل والإرادة وإنما التأثير فيها وتوجيمها مع بقائها حرة مختارة أى عن طريق الإقناع.
تقتضى عملية (غسل الدماغ) وسائل إكراه وضغط، فى حين أن عملية الاختراق تستند إلى المحاكاة والجدل والإقناع.
تتطلب عملية (غسل الدماغ) وقوع الشخص بيد من يقوم بالعملية سواء كان فرد أو مجموعة، كالأسرى والسجناء ومن فى حكمهم بينما لا تتطلب عملية الاختراق ذلك. وعليه يمكن القول أن هنك فرقا بين عملية (غسل الدماغ) وعملية (الاختراق الفكرى) بحيث لا يمكن أن تنصرف عمليات الاختراق إلى أنها (غسل الدماغ) بمعناه الفنى الدقيق ولكن أيًا كانت التسميات سواء (تربية عقائدية) أم (تبشير عقائدى) أم (اختراق فكرى)، فإنها بأى حال من الأحوال لا تخرج عن مفهوم مصطلح (التحويل العقائدى)، فهى العملية نفسها ولكن بتسميات تنطلق من فهم وأرضية أيديولوجية معينة، انعكست على عملية إطلاق الصطلح، وتبيان جوانبه بالمعنى الفنى للظاهرة.
وقد يعترض بعضهم على أساس أن (التحويل العقائدى) لا يخرج عن إطار دائرة (التثقيف)، ولكن الأمر فى حقيقته عكس ذلك تمامًا، لأن التثقيف بوصفه عملية بطيئة
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ١٤٧
