إن دراسة واقع المجتمع الذى توجه إليه الحملة الدعائية ومن الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية كافة لها أثر كبير فى كيفية إعداد الحملة الدعائية وعلى ضوء نتائج هذه الدراسة تتوقف نوعية الحملة وكيفيتها، وأن الهدف المباشر من هذه الدراسة هو تحليل الخلفية العامة للمجتمع بشكل عام ومن ثم البحث عن التربة الصالحة للحملة الدعائية. وفى كل الأحوال فإن بناء عناصر منطقية تسمح بالتعاون مع الإطار الفكرى للمجتمع له أهمية استثنائية فى نجاح الحملة الدعائية. بهذا المعنى يصير العمل الدعائى صورة من صور التخطيط السياسى ونجاحه يتوقف على احترام ومسليرة القواعد التى تفرضها عماية التخطيط السياسى من حيث الإعداد والصياغة والتنفيذ ثم المتابعة لو
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ٨٣
تابعنا (الدعاية الإسرائيلية) لوجدنا أنها تقوم على التخطيط من الإعداد للحملة الدعائية وحتى تنفيذها ثم قياس درجة تأثيرها من حيث خلق القناعة والاقتناع. لذا فإن رجل الدعلية عندما يبدأ بحملته الدعائية يضع فى اعتباراته الحسابات الآتية وبحبارة أدق القائم بعملية التخطيط يضع مقدمًا أمامه(١) :
تحديد الصديق الحقيقى والصديق المؤقت بحيث يفصل بين الخصم الصورى والحقيقى.
إبراز واضح ودقيق لمقومات القوى السلبية التى لا تعنيها المشكلة والتى تأخذ موقف اللامبالاة.
تحليل علمى وكمى وكيفى لمختلف فئات المجتمع الكلى الذى سيكون هدفًا للمحركة.
ويمكننا القول هنا، أن الدعية تشمل الاستعمال المخطط لوسائل الاتصال والذى يأخذ فى اعتباره المتغيرات الحاكمة للموقف الحالى ولمجموعة المواقف المستقبلية، فيضع رجل الدعاية بعد أن يحدد الأهداف ويرسم السياسات، والبرامج والخطط التى ستتبع خلال المرحلة الزمنية القادمة لأجل تنفيذ هذه الأهداف. مرامى محددة قصيرة المدى ينبغى الوصول إليها فى مدد زمنية معينة. وبهذا يأتى دور التكتيك الذى يعالج الأحداث بما يخدم المنور الاستراتيجى (البعيد المدى)
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ٨٤
ويلزم التخطيط جمع المعلومات، والبيانات لمضمون الحملة الدعائية، ولإمكانية رسم استراتيجية دعائية سليمة، أو أن تتعلق هذه البيانات على سبيل المثال بالجمهور وفئاته المختلفة وتقسيماته المتنوعة ونوع الأفكار السائدة فيه، والمستوى التعليمى والثقافى، والتكوين الاجتماعى والحضارى والسيكولوجى له، لأن لكل فئة اجتماعية مشاكلها الخاصة المميزة، وأن لكل فئة اجتماعية طريقتها الخاصة فى تفهم القضايا العامة()، ولأجل الوصول إلى الهدف الاستراتيجى عن طريق التأثير الدعائى يجب أن تتوافر شروط موضوعية، ومن بين هذه الشروط:
أولاً : أن تتفق الدعاية مع الاتجاهات الثابتة لتطور المجتمع ، والتى تترك بصماتها على نشاط ووعى أعضائه وهذا ما يفسر نشاط الدعلية البريطانية فى العراق، الذى اتجه إلى إثارة المشاعر بما يتساوق مع الأهداف البريطانية، بافتعال التشابه بين الديمقراطية فى بريطانيا والديمقراطية فى الإسلام، وبذلك فإنها تخاطب الجمهور بما يتفق والعقائد المؤمنين بها.
ثانيًا: وجود حاجات نفسية معينة يمكن إرضاؤها بواسطة الدعلية والدعاية التى لا توائم الحاجات النفسية للجماهير المستهدفة، تكون غير ناجحة أو غير ممكنة، لأنها مهما بلغت من قوة فهى لا تستطيع خلق الحقائق الموضوعية والحاجات النفسية هنا ليست تلك الأمزجة العابرة والسريعة الزوال، بل هى الأكثر أهمية وعمقًا وناتجة من حاجات الناس المادية والروحية الجذرية .
ثالثًا: لا يمكن للدعلية أن تتجاهل المواقف الاجتماعية القائمة والمتكونة لدى الجمهور سواء المواقف السليبة أم الإيجابية اتجاه الأحداث والوقائع والأوضاع والأفكار، ثم لا بد من توفيق الاتجاه العام للدعاية مع أحداث الواقع. فالدعية لأفكار محضة على شكل أحكام مجردة، من دون وقائع تثبت صحة الأفكار هو عمل محكوم عليه بالفشل مسبقًا.
٧٤كتاب الحرب النفسية، ا د محمد منير حجاب، صفحة ٨٥
