لنأخذ على سبيل المثل حملة انتخابية ولنتساءل كيف سيتصرف الداعية لدفع المنتخبين الى التصويت لمرشح معين .
ومما لا شك فيه ان الداعية سيثني على المرشح . ولكن ، لا بد من معرفة نوعية هذا الثناء . وفي الواقع ، اذا نظرنا الى الامود من وجهة نظر الدعاية السياسية ، ولم ننظر اليها من زاوية الحقيقة او الأخلاق ، نلاحظ ان المسألة لا تقوم على معرفة الصفات الفعلية للمرشح بقدر ما تقوم على معرفة حاجات الناخبين . واستناداً الى هذه الحاجات ، وهذه الحاجات فقط ، يتوصّل الداعية الى معرفة الصفات التي يجب ان تُنسب الى المرشحّ . ونكون تجاه المسألة عينها حين يقتضي الامر الغاء
منافس : فلمعرفة الجرائم التي يجب ان نتهّمه بها ، علينا أوّلاً معرفة حاجات الناخبين ومخاوفهم . ولتوضيح هذا الاسلوب ، سنعطي المثل التالي الذي تسنّى لنا ملاحظته بانفسنا . كان ، سنة1942 ، « رجل ثقة)) في معتقل لسجناء الحرب الفرنسيين . وكان هذا الرجل يُنتخب دائما من قبَل زملائه ليمثلّهم وليدافع عن مصالحهم تجاه السلطات الالمانية . بيدان سجيناً آخراً كان يطمع في مركزه ، فشنَّ ضدّه ما يمكن تسميته – مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق في الامكانيات – بحملة دعائية . فعلّقٍ على جُدر إن المعتقل مُلصقات صغيرة كُتبت بخط يده . عمَّ كانت تتكلَّم هذه الملصقات ؟ يستطيع
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٤٩
القارىء ان يتنبأ بذلك اذا حاول – فقط – الاجابة على السؤال
التالي : ( ماذا كان السجناء يتوقعّون من رجل يثقون به ؟ )
كانوا يتوقعّون منه ثلاثة اشياء رئيسية :
أ- ان يتخّذ تجاه السلطة المعتقلة موقفاً وقوراً وصارِماً .
ب – ان يتفّهم رفاقه ويعاونهم .
ج – ان يوزع بإنصاف المؤن والثياب التي كانت تصله من
الصليب الاحمر .
وعليه ، كان من السهل ايجاد موضوعة الملصوقات .
فاتهمت هذه الملصقات الرجل بما يلي :
أ ) انه خاضع كليّاً للالمان .
ب):انه يتكبّر على رفاقه .
ج ) انه يخصّص لاصدقائه المقرّبين القسم الاكبر من هبات الصليب الاحمر .
وأستطيع ان أؤكِّد كشاهد على هذه الاحداث ، ان هذه الاتّهامات كانت باطلة جملة وتفصيلاً . ولكنّها زعزعت ثقة بعض الرفاق لانها كانت تجسّد تماماً مخاوفهم الناتجة عن حالات سوء الائتمان التي كانوا من ضحاياها في معتقلات أخرى .
وعليه ، نرى ان هناك اسلوباً دعائياً بسيطاً للغاية يقوم على جرد قبلي لرغبات الجماعة ومخاوفها . ثم يؤكّد الداعية للجماعة ان عليها ان تثق بالمرشحّ الذي يؤيده وان تخاف من المرشح الذي يحار به .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٥٠
اسطورة الصديق
الا ان مهمّة الداعية لا تكون دائماً بهذه البساطة . ففي الحالة التي ذكرناها ، كانت الجماعة متجانسة . بعبارة اخرى ، كان لسجناء المعتقل المصالح نفسها والرغبات عينها ،والمخاوف نفسها . وفي عدّة حالات أخرى ، يتوجّه الداعية الى جماعة غير متجانسة حيث تتناقض مصالح مختلف الفئات التي تكوّنها ، كما اشرنا الى ذلك آنفاً . وقد يلجأ الداعية ، بغية حل هذه الصعوبة الى اسلوبين لا ينفي استعمال احدهما استعمال الآخر .
ويقوم الاسلوب الأوّل على شنّ حملة دعائية متعدّد المظاهر . فيعدّل الداعية مضمون نداءاته تبعاً لفئة السكّان التي يتوجّه اليها . بيد اننا ندرك مباشرة ان هذا الاسلوب لا بسمح باستعمال وسائل الاتصال الكبرى كالاذاعة مثلاً . ذلك ان هذا الاسلوب لا يمكن ان ينجح الا اذا كانت مختلفِ الفئات التي يتوجّه اليها الداعية بانفصال لا تتّصل فيما بينها الا نادراً .
ويقوم الاسلوب الثاني على بناء نوع من الاسطورة حول المرشحّ . كأن يُقدّم هذا الاخير على انه قدير وصالح لدرجة تسمح له بحلّ التناقضات وبالتوفيق بين المصالح المتعارضة .
ويُعرف هذا المرشحَ باسم المرشحّ « الشعبي » . ولكن ، في حين يكفي – في حالة الجماعة المتجانسة – التوجّه الى حاجات
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٥١
محدّدة وواعية ، يقوم اسلوب الاسطورة على إدخال حاجات اقل تحديداً ، واقلّ وعياً ايضاً . كما لا يشدِّد الداعية على حاجاتنا المباشرة ، بل على طبيعة المرشح الاستثنائية . فيصوّره لنا كبطل ، وقدّيس ، وأب فائق القدرة يعرف مصلحتنا افضل مما نعرفها نحن بانفسنا . فما علينا الا ان نثق به . وأن تكون هذه الحاجة موجودة وقويّة ، فهذا امرّ لا نشك فيه . وهذا ما اثبتته الاستقصاءآت التي أنجزِتَ لدراسة شعبية بعض الاشخاص ، كدراسة مرتون MERTON حول المغنّية الاميريكية كايت سميث 51) Kate SMITH) . فبمجرّد
تدشين هذه المغنّية لطرّاد ، والتكلّم عنه على انه طرّادها ، انتشرت الاسطورة القائلة انها قدمت هذا الطراد لبلدها وانها دفعت ثمنه من مالها الخاص .
على كل حال ، يبينِّ لنا هذا المثل اهمية التصرّفات الرمزية في مجال الدعاية السياسية . ومن ابرز هذه التصرفات : تدشين سفينة او طائرة ، وضع الحجر الاساسي ، تناول الطعام مع الجنود او اللاجئين … الخ .
وهذه التصرّفات ، بحدّ ذاتها ، غير مُنتِجة . ولكن الشخص الذي يقوم بها يوحي للجماعة بانه يشاركها في همومها الاساسية . كما قد يتوصّل ايضاً الى جعل الجماعة تعتقد انه يمتلك العلاج المناسب لآلامها .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٥٢
اسطورة العدو . الاسقاط . كبش المحرقة رأينا بعضاً من التقنيات التي يمكن استعمالها بغية خلق شخص شعبي . كما رأينا السياقات النفسية التي تستند اليها هذه التقنيّات. وبعد دراستنا للطريقة التي تُبنى تبعا لها اسطورة الصديق ، سنرى الآن كيف تُبنى اسطورة العدو . في الحالة الاولى ، كان الداعية يجعل من الشخص تجسيداً للخير .
امّا في الحالة الثانية ، فسيجعل منه تجسيداً للشر . فما هي الاواليات النفسية التي سيستعملها الداعية لبلوغ هذه الغاية .
رأينا آنفاً ان الداعية قد يلجأ الى نوع من جردٍ لمخاوف المجموعة السكانية . بيد اننا رأينا ايضاً ان هذه الطريقة لا تكفي حين يتوجّه الداعية الى جماعة تتناقض ضمنها المصالح . وستقوم الحيلة التي سيستعملها الداعية على خلق اسطورة عدوّ مشترك يكون مسؤولاً عن كل مآسي مجمل فئات المجموعة السكانية .
وتختلف الظواهر النفسية المستعملة لخلق اسطورة العدّوّ عن تلك المستعملة لخلق اسطورة الصديق . كما ان هذه الظواهر النفسية تتَّسم بقدر اقل من الوعي . فاسطورة الصديق كانت تستند الى الاعتقاد السحري باشباع الرغبات ، كما كانت ترتكز ايضاً الى الصور الوالدية . وستستعمل اسطورة العدو –
بشكل اساسي – اوالية الاسقاط . ذلك ان السؤال الذي يُطرَح هو السؤال التالي : أين سيبحث الداعية عن الرذائل التي سيتّهم بها العدو؟ والجواب هو التالي : في نفوس أتباعه . ولا
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٥٣
يكون من الضروري معرفة السلوك الفعلي والحقيقي للعدوّ المعيَّن من قبل الداعية . ومن غير المهمّ أيضاً أن نعرف الى أيّة درجة يشكّل هذا العدو خطراً فعلياً . بل يكفي ان نكشف الرغبات والغرائز التي كبتها الافراد الذين نتوجّه اليهم ، وأن نسب الرغبات نفسها والغرائز عينها الى العدّو .
ويلعب العدوّ حينئذٍ دور كبش المحرقة . أي انّه لا يجسُد الشرّ الذي نخشاه منه فقط ، بل أيضا الشر الذي نحمله في داخلنا .
فبعد أن أُسقِط على العدوّ الغرائز المحرّمة التي كنت أحملها في داخلي ، اتماهى بالخير وأشعر أنه من حقّي محاربة الشرّ في شخص العدو . وتلك هي أوالية الاسقاط التي سعى هتلر اليها متعمِّداً . ونجح في اطلاقها كي يلقن كُره اليهود . وقال :
(( لو لم يكن اليهودي موجوداً ، لوَجِبَ علينا اختراعه )) .
خلاصة القول أن بناء اسطورة العدو يتضمّن مرحلتين :
وتقوم المرحلة الأولى على اقناع مختلف فئات المجموعة السكانية ان لها عدواً مشتركاً كي تنسى مصالحها ، ولدفعها الى تقبّل برنامج مشترك . وتقوم المرحلة الأخرى على تقوية الكُره ضد هذا العدوّ ، وذلك باللجوء الى أوالية الاسقاط ، مما يجعلكم نعتقدون أن هذا العدوّ ليس عدوّكم فقط ، بل انه الشر المتجسِّد .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٥٤
الحاجة الى التفرّد . الحاجة الى الانتماء لجماعة . الحاجة الى الذوبان بالجموع
قد يتبنّى كل واحدٍ منّا ، في علاقاته الاجتماعية ، ثلاثة مواقف رئيسية يرتبط كلٌ منها بحاجات مختلفة .
1) يشعر غالبية الافراد – في الحضارة الغربية المعاصرة على الاقل – بحاجة الى الانفصال عن الجمهور لتشكيل كائن اصيل ومتمايز . وكما يريد الفرد ان يُعامل كشخص وليس كرقم قيدٍ ، وللايجاز ، نطلق على هذه الظاهرة اسم الحاجة الى التفرّد .
ويسهل علينا ان ندرك ان الدعاية السياسية – والدعاية التجارية على وجه الخصوص – تستعملان غالباً تلك الظاهرة . ويقتضي الامر جعل كل فرد من الافراد المؤلّفين للجمهور يعتقد انه يتمّ التوجّه اليه شخصياً . وسيشدّد المتخصّص في الدعاية التجارية على واقع محدَّد : وهو انه يهتمّ على وجه الخصوص بحاجات الشخص الذي يتوجّه اليه . مثلاً : سينشر مخزن كبير اعلاناً يتضمّن العبارات التالية : ( هذا الثوب قد صُممٍّ خصيّصاً لك يا سيدّتي )) . ( وسيُنشرَ هذا الاعلان بمئات الآف النِسَخ ) .
وسيسعى الداعية الى إقناع كلّ من مستمعيه انه يحرص – على وجه الخصوص – على احترامه ، ورضاه ، ومشاركته . وفي الحالتين ، يعترف الداعية والمتخصص بالدعاية التجارية
بحاجتنا الى التفرّد ويشجّعانها . كما يُشبعانها ايضاً الى حدّما .
وكان نابوليون يستعمل هذه التقنية حين كان يطوف بين
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٥٥
