ازدادت اهميّة الدعاية السياسية المُضادة بفعل النمو نفسه للدعاية السياسية . وتنتشر الدعاية السياسية حالياً لدرجة انه يقتضي على كل داعية ألا يكتفي بتنظيم حملة لصالح الحزب الذي يمثلّه ؛ بل يتعينَّ عليه ايضاً ان يتوقعّ حملات الدعاية السياسية التي ينظمّها الخصم ، وان يحاول تجنبّها . ويحدث احياناً ان تُستعمل الحجج التي يلجأ اليها حزب معين ضدّ الحزب نفسه . فخلال الحرب العالمية الثانية ، وبعد وصول الامريكيين الى باريس ، وزعوا على الجنود الألمان المناشير القائلة ان السجناء الالمان لن يُرسلوا في المستقبل الى امريكا ، بل انهم سيبقون في فرنسا . اذ لاحظ الامريكيون خلال استجوابهم لسجناء سابقين ان الكثيرين منهم كانوا يشعرون بالقلق حين كانوا يفكرّون بانه من الممكن ان يُرسلوا الى امريكا . ذلك انهم كانوا يعتقدون ان نهاية الحرب باتت وشيكة . فكانوا يفكرون بالعودة الى الوطن قائلين في انفسهم
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٣
ان إرسالهم الى امريكا من شأنه ان يؤخر العودة هذه . وكان هذا البيان يرتكز بالتالي الى المام بواقع نفسي محدّد . كما كان البيان نفسه يبدو مناسباً لتشجيع الجنود الالمان على الاستسلام . الا ان ردة فعل الدعاية السياسية الالمانية لم
تتأخرّ : فالسجناء لن يُرسلوا الى امريكا بل الى سيبيريا .
وهكذا ، استعمل البيان الامريكي – الذي صُمم بشكل جيّد – من قبل الالمان لتعزيز احدى الموضوعات الاساسية للدعاية
السياسية الالمانية : النصر او سيبيريا .
ويمكن ، استناداً الى هذه الحكاية ، ادراك الاشكالات المتعدّدة التي تطرحها الدعاية السياسية المضادة . كما يمكننا ايضاً ان ندرك الجانب غير المتوقع التي تتضمّنه تلك الدعاية . الا اننا سنكتفي – في هذا المجال – بدراسة ثلاث مسائل رئيسية :
1) هل تقتضي مصلحة الداعية – الذي يسعى الى جعل الافراد يتقبّلون اطروحة معيّنة – ان يبرز فقط الحجج التي تدعم هذه الاطروحة ، أو ان مصلحته تقتضي ان يبرز – في آن معاً – الحجج التي تدعم هذه الاطر وحة ، والحجج التي تعارضها ، وذلك كي يولّد لدى الجمهور الانطباع بانه – اي الداعية –
يتناول المسألة بطريقة موضوعية ؟
2 ) كيف يمكن الردّ على الدعاية السياسية المعادية حين تتوجّه هذه الأخيرة الى الاستجابات اللاعقلانية ؟ .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٤
3 ) كيف يمكن الردّ على الاكاذيب والوشايات التي يطلقها العدو ؟ او كيف يمكن ، على وجه العموم ، نفي ما يؤكدّه الخصم ؟
أولاً : هل يجب ابراز الحسنات والسيئات
هل تقتضي مصلحة الداعية الذي يسعى الى دفع الجمهور الى تبنّي اطروحة معينّة ان يعرض فقط الحجج التي تدعم هذه الاطروحة ؟ او ان مصلحته تقتضي ان يعرض ، على التوالي ، حسنات هذه الاطروحة وسيئاتها ؟ وقد اثارت هذه المسألة دراسات تجريبية عديدة ادَّت الى نتائج متناقضة . فقد قدّم كنوفر KNOWER ( انظر المرجع 34) لبعض الطلاب نصّا يتناول مسألة قانون تحريم الخمر في الولايات المتحدة . ولاحظ كنوفر ان قراءة هذا النص قد ادت الى تدعيم المواقف الاصلية للافراد ، ولم تؤدِّ الى تغيير آرائهم . وفي بعض التجارب التي انجزها كتّاب آخرون ، سمح ابراز الحسنات والسيئات بدفع عدد من الافراد الى اعادة النظر في موقفهم . ويبدو – اذا استندنا الى النتائج التي توصّلت اليها الابحاث الحالية – ان الاستنتاجات الاكثر دقة هي تلك التي توصّل اليها هوقلاند HOVLAND وجانيس JANIS وكيلي
فقد لاحظ هؤلاء الكتاب أن مس
ابراز الحسنات والسيئات ترتبط بثلاثة عوامل ، وهي
العوامل التالية :
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٥
أ ) المستوى التعليمي للاشخاص الذين نتوجه اليهم .
ب) رأيهم الاصلي .
ج ) ان يكون هؤلاء الاشخاص معرضين لدعاية سياسية معادية او غير معرضين لها . وسنهتم ، في هذا المجال ، بهذه المسألة بالذات . ويمكن تلخيص النتائج التي توصّل اليها هؤلاء الكتّاب على النحو التالي :
يكون ابراز الحسنات والسيئات اكثر فعالية في الحالات التالية :
أ ) حين يتم التوجّه الى افراد متعلّمين .
ب) حين يكون رأيهم الاصلي معارضاً للرأي الذي يسعى الداعية الى ترسيخه فيهم .
ج ) حين يتعرض الافراد لخطر التعرض لدعاية سياسية مضادة من قِبَل الخصم . فابراز الحسنات والسيئات يحصّنهم تجاه الدعاية السياسية المضادة .
أما في الحالات المعاكسة لتلك التي ذكرناها ، فقد بينت التجربة ان مصلحة الداعية تقتضي ألا يبرز سوى الحجج التي تدعمِ اطروحته . ذلك ان ابراز الحجج الاخرى يولّد اللبَس والتردد .
من جهة اخرى ، تبينّ لنا هذه النتائج ان مهمة الداعية مهمّة حسّاسة للغاية . اذ عليه ان يغير محاجته تبعاً لمختلف
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٦
الجماعات التي يتوجّه اليها .
ثانياً : مسألة الدعاية السياسية اللاعقلانية
ولكن ، في دراستنا لمزايا كل من نمطي الُحاجة ، لم نتناول سوى الدعاية السياسية العقلانية . ويستدعي الداعية في كلمنا الحالتين القسم الواعي من الاشخاص الذين يتوجّه اليهم . ولا بدّ من طرح مسألة اكثر اهمية : وهي معرفة كيفية الردّ على الخصم حين يلجأ هذا الاخير الى دعاية سياسية من النمط اللاعقلاني . يمكن اللجوء ، قبلياً ، الى طريقتين . وتقوم الطريقة الاولى على محاولة تحليل الوسائل والخدع التي تلجأ اليها الدعاية السياسية المعادية وفضحها امام الجمهور . وهذا ما سعى اليه ( معهد تحليل الدعاية السياسية » Institute for
في الولايات المتحدة الامريكية، dass e
الفترة الممتدّة بين عام 1937 وعام 1939 . وحاول هذا المعهد ان يحصِّن الجمهور ضد كل نوع من انواع الدعاية السياسية معلما أيّاه كشف الخدع الرئيسة التي يلجأ اليها الدعاة .
كذلك ، انشأ صحفي امريكي خلال الحرب العالمية الثانية زاوية أطلق عليها اسم (( عيادة الشائعة » Clinique de la
انظر المرجع 2) حيث لم يكن يكتفي بتلي rn “
الانباء المزيّفة التي تسيء الى معنويات السكّان ، بل كان يقوم ايضاً بتحليل نفسي لهذه الشائعات بغية كشف العوامل التي ولّدتها وسهّلت تداولها .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٧
ولكن ، هل يمكن ، بالوسائل العقلانية ، محاربة عدو يخضع الجماهير بالتوجّه عمداً الى اللاعقلانية والى عنف الغرائز ؟ نَشُكّ في ذلك . وسنرجع في هذا المجال الى خبرة تشاكوتين TCHAKHOTINE الذي كان من منظمي مقاومة الهتلرية في المانيا. وقد خصص فصلا مهمّاً للغاية لهذه المسألة في كتابه « اغتصاب الجموع بالدعاية السياسية »Le viol des
foules par la propagande polity الا اي
(69) . ويبين تشاكوتين في هذا الكتاب كيف اكتسحت الهتلرية قادة الحزب الاجتماعي الديموقراطي الالماني لانهم لم يفهموا فعالية الدعاية السياسية اللاعقلانية إلا بعد فوات الاوان .
فكانوا يتردّدون ، خلال نضالهم ضد النازيين ، في اللجوء الى التظاهرات الصاخبة – هذه التظاهرات التي كانت من اختصاص النازيين – كي لا يعطوا فكرة سيئة عن حزبهم . إلا ان تشاكوتين قد فهم ان حدّة الصراع بلغت درجة تستدعي اللجوء الى نفس سلاح العدو . وهكذا ، لم يتردّد تشاكوتين عام 1932 ، حين كان يقود الدعاية السياسية « لجبهة البرُنز)
في استعمال اللاعقلانية لالم “
اللاعقلانية . فكان لا بدّ من الردّ على الرمز بالرمز : الاسهم الثلاثة ضد الصليب المعقوف . وكان لا بدّ من الردّ على التظاهرات بالتظاهرات وعلى التطواف بالمشاعل بتطواف
يتضمّن عدداً اكبر من المشاعل . فخاض تشاكوتين المعركة
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٨
الانتخابية في هيس Hesse ونظم مواكب ضخمة مكونة بمهارة من مجموعات عديدة حيث كان يرمز البعض منها الى عظمة الحريّة والبعض الآخر الى نذالة النازيين وهزيمتهم الوشيكة .
وكان سائقو الدرّاجات النارية يحرسون المسيرة ، كما كانت درَّاجاتهم النارية هذه تصدر اصواتاً مصمّة موحية للجمهور بالسرعة ، والسلطة ، والخطر . وفي مدن هيس الاربع حيثِ استطاع تشاكوتين اللجوء الى هذه الطريقة ، خسر هتلر اصواتاً انتخابية في حين حقّق الحزب الاجتماعي الديموقراطي انتصاراً على هذا الصعيد . وبرهن تشاكوتين على انه من الممكن قهر هتلر . ولكن . كان على تشاكوتين ، كي يحقّق هذا الانتصار ان يتكلّم بلغة هتلر . اي لغة اللاعقلانية .
ثالثاً : مسألة الوشاية والتكذيب
كيف يمكنني الدفاع عن نفسي حين يوشي العدو بي ، فيتهمني ، على سبيل المثل ، ( بالفرار )) خلال هذه الحرب او تلك . وتقوم الاستجابة الاكثر عفوية على اللجوء الى التكذيب والى النفي – بقوّة – الوقائع التي أتهم بها خطأ . وقد لا تكون هذه الطريقة فعّالة لسوء الحظ ؛ وذلك لسببين :
أ ) رأينا خلال دراستنا لموضوع ادراك الدعاية السياسية ان حملة دعائية معيّنة تصل نادراً الى كل المجموعة السكانية التي تتوجّه اليها . وعليه ، يكون من الممكن في هذه الحالة الاخيرة
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٦٩
ألا يعلم قسم كبير من السكّان باتهامات الخصم ، رغم كل الجهود التي يبذلها هذا الاخير لترويج تلك الاتهامات .
وبالتالي ، اذا ما حاولت أن أبرىء نفسي من هذه الاتهامات باللجوء الى التكذيب، سأتعرض لخطر محدّد : وهو اعلام اعضاء المجموعة السكانية بالاتهامات التي لم يكونوا على علم بها بعد . وسأخدم في ذلك مصلحة الخصم .
ب ) بالاضافة الى ذلك ، تجدر الاشارة الى ظاهرة ذات طبيعة معرفية وعامة . وهي انه يتم حفظ جملة معيّنة بصرِف النظر عن الايجاب او السلب المعيّنين للجملة نفسها – مثلاً ، اذا قال استاذ لتلامذته : ( الصلصال الصيني ليس معدناً ، قد يجيب عدد كبير من التلامذة بعد انقضاء بضعة اسابيع ان الصلصال الصيني معدنٌ . ذلك انهم حفظوا العبارتين المحسوستين اللتين اقترنتا بالتجاور في ذاكرتهم ، ونسوا السلب لانه ذات طبيعة مجرّدة . وتبرز الصعوبة نفسها في مجال
التكذيب : اذ قد يحفظ قسم من المجموعة السكّانية مضمون التكذيب ، اي الاتهام عينه الذي كنت اريد ان ابرىء نفسي منه ، ولا يحفظ السلب الذي سعى التكذيب الى تعيينه في هذا المضمون . خلاصة القول ان طريقة التكذيب تتضمّن مخاطر عديدة ، فلا يمكن استعمالها سوى في الحالات حيث يكون من الممكن ان تقدّم للمجموعة السكانية البرهان القاطع والمحسوس على بُطلان الاتهامات الموجّهة ضدّنا . والواقع ان
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٧٠
هذه الحالات نادرة للغاية . لذلك ، نضطر احياناً ، كي لا نؤكد على صحة وشايات العدو ، الى عدم ذكرها اطلاقا .
والطريقة الوحيدة للدفاع عن النفس تقوم حينئذ على مهاجمة الخصم في نقاط اخرى . وهكذا ، تأخذ الوشاية مجراها .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٧١
