هناك ايضاً ظاهرة ذات طبيعة معرفية تسهِّل مهمة الداعية ، الا وهي عدم التأهيل الكافي للجمهور في ميدان الفكر المنطقي . ذلك ان اكثرية الدعاة يلجأون بين الحين والآخر انى شبه – استدلالات تسقط تجاه اي تحليل . الا ان الاستنتاجات الخدّاعة لشبه – الاستدلالات هذه تقنع الجمهور ، وذلك
لسبب بسيط : فالجمهور نفسه غير مؤهّل منطقياً – كما لا يمتلك الوقت الكافي – للقيام بعملية التحليل هذه . وقد دُرست هذه الظاهرة ، على وجه الخصوص ، من قِبَل جوزيف غَابل
8) الذي بين الدور الذي تلعبه ال NARA)
المزوّرة في مجال الدعاية السياسية . ويذكر هذا الكاتب أمثلة عديدة . ولكننا سنكتفي بذكر المثل الذي يلي : عام 1937 ، نشرت صحيفة (( الانسانية ) « L’Humanité »*العنوان التالي:
(( التروتسكيون هم ضد الجبهة الشعبية ؛ وهتلر ايضاً . . . ))
Les Trotskistes sont contreile Front populaire;»
المقدّمتين – المقدّمة الكبرى والمقدّمة الصغرى – كانتا تهدفان ،
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٣٠
بطبيعة الحال ، الى الايجاء ان هتلر وتروتسكي متساويان ، والى تشبيه تروتسكي بهتلر . ولا نريد ، في هذا المجال ، مناقشة المسألة بعمق ، كما لا نسعى الى معرفة ما اذا كان تروتسكي – عن قصد او غير قصد – قد خدم الهتلرية . نريد فقط دراسة السياق المنطقي ، وان نبين ان المقدّمتين المستعملتين توحيان للجمهور باستنتاج غير صحيح من الناحية المنطقية .
ويمكن مقارنة هذه الحالة بالمثل التقليدي حيث يكون المرء تجاه
المقدّمتين التاليتين : كل فيلسوف نزيه . فلان نزيه . . ويميل المرء الى الاستنتاج بسرعة : فلان فيلسوف . ولكن لا بد من الاشارة الى أنه لا يمكن ، في هذا النمط من القياس ، الوصول الى استنتاج ، ذلك لأن المقدّمتين موجبتان . ويقوم الخطأ هنا على استنتاج هويّة كلّية انطلاقاً من هويّة لا تتناول الا احدي خصائص الفيلسوف ، الا وهي النزاهة . فلنفترض أنه لا بدّ من توفّر عشرين سمة لتحديد الفيلسوف . فيصبح من البديهي القول أنه لا يمكننا تصنيف شخص معيّن في فئة الفلاسفة إذا عرفنا أن الشخص نفسه يمتلك سمة واحدة من سمات الفلاسفة ، وسمة واحدة فقط . إلا أن الداعية يراهن على الميل الطبيعي لدى الانسان الى التفكير عن طريق التشبيه .
فيحاول أن يدفعنا الى استنتاج الهوية انطلاقاً من التشبيه أو المقارنة . وسترتبط درجة نجاح الداعية بقوة الشحنة العاطفية للعبارة التي سيستعملها بمثابة نقطة مرجعية . وفي المثل الذي،
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٣١
ذكرناه ، تكون لعبارة « هتلر )) شحنة سلبية قوية للغاية .
وعليه ، يكون من الممكن تصنيف كل من يشبه (( هتلر )) – وان قليلاً – في فئة الأعداء .
وهذا ما يسعى اليه الداعية بالضبط : دَفَعُنا الى الخاذ موقف . ولبلوغ هذا الهدف ، يباشر اولاً بدفعنا الى تصنيف الانسانية الى قسمين : الصالحون والاشرار ، الاصدقاء والاعداء . بعبارة اخرى ، يدفعنا الداعية ، بغية جعلنا نتخا موقفاً معيناً وسلوكاً محدّداً ، إلى التفكير تبعاً لقانون كل شيء او لا شيء . وهو ، بذلك ، يحثّنا على نكوص منطقي . ونعود هنا الى الخطأ الذي فضحه ارسطو ، هذا الخطأ الذي كان يقوم على توزيع الانسانية جمعاء الى جماعتين : اليونان من جهة ، والبربر من جهة اخرى .
والمسألة التي تُطرح هي التالية : هل من الممكن توليد قرار التصرف لدى الافراد دون اللجوء الى هذه الوساطة التي تقوم على التبسيط المطلَق لتمثّلاتهم . فهتلر كان يقول في كتابه (( كفاحي ))Mein Kampf : « … ان فن الايحاء الى الشعب ان الاعداء الاكثر تبايناً ينتمون الى الفئة نفسها امر جوهري للغاية . اذ يجب وضع مجمل الاعداء الاكثر تبايناً في المجموعة نفسها كي يتراءى لجمهور مؤيّدينا اننا نخوض الصراع ضد عدو واحد . وهذا ما يدعم ايمانهم في حقهم ، ويزيد من سخطهم ضد كل الذين يهاجمونهم )) . ويمكن ان نربط استعمال
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٣٢
الافكار المنمطة بهذه الاشكال التبسيطية للاستدلال ، وبظاهرة الهويّة المزوّرة هذه . اذ تكون الفكرة المنمطة طريقة في تحديد الموضوع تبعاً للهوية ، ولا تُبنى تبعاً لمتغيرات العلاقة . فلننظر مثلا في الفكرة المنمطة القائلة « بالديموقراطية الامريكية )) ، او ايضاً في الفكرة المنمطة « روسيا ، بلد الاشتراكية )) . تقوم الفكرتان المنمّطتان على الاجابة على سؤال بعبارتين متطابقتين ، بدلاً من تحليل مختلف العلاقات التي يمكن ان توجد بين هاتين العبارتين . حين الفظ العبارة ( الديموقراطية الاميركية )) فهذا نضمن انني افترض ان مسألة معرفة طبيعة النظام الديموقراطي هي مسألة قد حُلت . كما من المفترض ان يُعرف الى اي حد يتطابق التنظيم السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة
الامريكية مع هذا التحديد . فانا اطابق – بكل بساطة – بين امريكا وديموقراطية ، مما يسمح بجعل العبارتين المكوّنتين للفكرة المنمطة عبارتين قابلتين للتبادل . امريكا = ديموقراطية ؛ وديموقراطية = امريكا . وتتحدّد احدى هاتين العبارتين بالعبارة الاخرى . وكذلك ، فالفكرة المنمّطة
(( روسيا بلد الاشتراكية » تقوم على جعل ( روسيا )) عبارة مرادفة « للاشتراكية ) ، وعلى تحديد احدى العبارتين بالعبارة الاخرى .
وتجدر الاشارة اخيراً الى العلاقات الموجودة بين الافكار المنمّطة والخطأ المنطقي الذي يُعرَف باسم المصادرة على المطلوب
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٣٣
اي افتراض ما يُطلب اثباته ) . فبعد تثبيت الفكرة المنمَّطة على نحو جيّد ، تصبح الفكرة المنمّطة هذه بمثابة مسلّمة ، وتسمح للداعية باللجوء – بلا عقاب – الى المصادرة على المطلوب .
وهكذا ، بعد المطابقة بين امريكا والديموقراطية ، سيكون كل اجراء سياسي تتخذه امريكا اجرءاً ديموقراطياً حُكماً ، بما في ذلك الاجراءات الاستثنائية التي قد يُدفَع البعض الى اتخاذها تجاه هذا المواطن – او ذاك المتهّم على سبيل المثل ، بالشيوعية . ذلك ان هذه الاجراءات تهدف الى حماية
« الديموقراطية الامريكية )) . وهنا ، لا تعود الديموقراطية محدّدة بمجموعة قوانين تضمن حريّة المواطنين ، بل تصبح محدّدة – اذا
صح التعبير – بالسلوك الامريكي .
وعليه ، يشكِّل تحضير الفكرة المنمّطة مرحلة مهمّة من الدعاية السياسية ، ذلك ان الفكرة المنمطة هذه قد تكون ، في فترة لاحقة ، بمثابة مقدّمة ( كبرى ) لسلسلة من الاستدلالات الكاذبة .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٣٤
