ثمة واقع لا يتأمل فيه المرء كفاية حين يُدهش من نجاحات الدعاية السياسية ، وهو انه يستحيل معرفة الحقيقة في اي ميدان . وفي الواقع ، لا يكون في بلدٍ معين سوى عدد ضئيل، من الاشخاص الذين يمتلكون معارف دقيقة حول مسألة معينة . ولا يمتلك كل المواطنين الآخرين سوى معارف مأخوذة بالوساطة ينعم البعض عليهم بها . بعبارة اخرى ، اذا نشر الداعية في مجموعة سكانية معلومات غير صحيحة او جزئية حول مسألة معينّة ، سوف لن يصطدم – الا نادراً – بشك الجمهور . ومما لا ريب فيه ان اقواله الكاذبة قد تدفع بعض الاشخاص العالمين بالمسألة الى تكذيبها . ولكن ، بما ان
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٢٤
الجمهور لا يعرف – الا نادراً – هؤلاء المتخصصين ، ويكون فاقدا لوسائل الاختيار ، سيجد نفسه محاصرا بين مجموعتين من الاقوال المتناقضة . وينتج عن ذلك ان احتمالات تصديق نبأ معين أو عدم تصديقه لا ترتبط بصحة هذا النبأ او عدم صحته بقدر ما ترتبط بالطريقة التي يُنظّم بها الاعلام في البلد . فاذا كان الاعلام حكراً على الحكومة او على سلطات خاصة ، يكون من الممكن حينئذ دفع القسم الاكبر من المجموعة السكانية الى تصديق وقائع مُختلقة تماماً ، كالخرق المزعوم للحدود الذي استعملته الدعاية السياسية الهتلرية عام 1939 لشن الحرب على بولونيا . وفي المقابل ، اذا لم يكن الاعلام محتكراً ، قد لا يلقى قول صادق صادر عن مُرسِل معين التصديق الكامل ، اذا تمّ مواجهته بأقوال مناقضة يُرسلها مصدر آخر . ونقول بايجاز ان المسائل الخاصة بالاعلام والدعاية السياسية مترابطة للغاية .
ويكون على الداعية ، تبعاً للاهدأف التي يرمي اليها ، ان يراهن على جهل الجمهور ، او ان يعالج هذا الجهل . ولكن من السذاجة الاعتقاد ان موقف الداعية في هذا المجال لا يرتبط الا بالطابع النزيه او غير النزيه لاهدافه . ذلك ان مسألة اعلان معلومات صحيحة او كاذبة لجمهور لا ترتبط فقط بنية خدع الجمهور او تنويره ، بل ترتبط ايضاً بحالة تقبّل الجمهور نفسه وبدرجة استيعابه للمعلومات التي يهدف الدعاية الى ايصالها .
ونصل هكذا الى طرح مسألة الكذب والحقيقة في ميدان
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٢٥
الدعاية السياسية . ولا نطرح هذه المسألة على المستوى الاخلاقي ، انما نطرحها على المستوى النفسي . بعبارة اخرى ، لا نتساءل ما اذا كان الداعية محقّاً – اخلاقياً – او غير محق في قول الحقيقة او تشويبها . بل نفكّر فقط في العلاقات القائمة بين الصحة الموضوعية لنبأ او عدم صحته الموضوعية من جهة وتصديق الجمهور لهذا النبأ او عدم تصديقه له . فما يصدّقه الجمهور هو ما يعتبره محتملاً . وما يرفض تصديقه هو ما يعتبره غير محتمل . الا ان التجربة لا تبين فقط انه من الممكن تقديم نبأ كاذب بشكل يبدو فيه نبأً محتملاً ، بل تبينّ ايضاً ان النبأ الصحيح قد يبدو للبعض نبأً غير محتمل . ونريد الآن ان نلفت انتباه القارء الى هذه الناحية الاخيرة . وسنلجأ الى مثل محدّد . سنتكلّم عن البيانات التي وزّعها الامريكيون والانكليز في الحرب العالمية الثانية خلال الهجوم على ايطاليا .
وكان بيان من هذه البيانات التي تم صياغتها مسبقاً يشجع الجنود الأعداء على الاستسلام . فكان يصور لهم العيش الرغيد للسجناء في معتقلات انكلترا وأمريكا ، وكندا . وكان الجندي العدو يرى ، على سبيل المثل ، مُعتقلاً أنشيء في مكان فندق قديم حيث المقاعد المريحة … كما كان بعض السجناء يلعبون في صالة البليار ، والبعض الآخر يستمع بكل راحة بال الى الاذاعة … الخ . وصحيح ، كما يؤكّد على ذلك م.ف. هرتزM. F. HERZ،الذي نستعير منه هذا المثل ( انظر
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٢٦
المرجع 46 ) ، ان الامريكيين كانوا يعاملون سجناء الحرب معاملة حسنة ، إذ كانوا يوزّعون عليهم البيض خلال الفطور . ولا بدّ من الاشارة الى أن هذا البيان قد لاقى فشلاً هائلاً في أوساط الجنود الألمان . ذلك أن مستواهم المعيشي كان منخفضاً للغاية اذا ما قارنّاه بالمستوى المعيشي لدى الامريكيين . كما أن حياة الترف التي كان البيان يصورها للجنود الألمان قد بدت لهم – بكل بساطة – أمراً غير محتمل .
وعليه ، ادرك الجنود الألمان البيان كما لو كان أكذوبة فظة .
وتغير اتجاه الدعاية السياسية للحلفاء اثر ملاحظة فشل هذه الدعاية وبعد استجواب السجناء الأوّلين . فأصدِرَت البيانات المعنونة على النحو التالي : ( ان تكون سجين حرب ليس بالامر
الطريف » «It is no fun being a prisoner of war » . الا
ان نصّ البيان كان يدفع الى الاعتقاد ان السجن افضل من الموت . وقد اثبت هذا البيان الثاني فعاليته .
وهكذا ، كان من الضروري – للتأثير على الجنود الألمان – الانطلاق من حالتهم النفسية ، ومخاوفهم ، وتمثّلهم المعقول لحياة السجين ، وذلك تبعاً لمستوى حياتهم العادي . كذلك ، كان من الضروري التقليل من اهمية الرفاهية – والمتوفرّة فعلياً – التي كان ينعم بها السجناء في المعتقلات الاميريكية . وحين نلاحظ هذه الوقائع ندرك ان مسألة الصح والخطأ في مجال
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٢٧
الدعاية السياسية هي مسألة ثانوية . ويحلّ مكانها مسألة معرفة ما هو محتمل بالنسبة للمجموعة السكانية التي يتم التوجّه اليها . فالسلوك الذي يتبنّاه الداعية لا يرتبط فقط بكونه يتوجّه الى مجموعة سنكانية صديقة او عدوّة ، بل يرتبط ايضاً بحالة تقبّل المجموعة السكانية نفسها تجاه المعلومات التي تُقدّم لها ، تبعاً لخبرتها: ولمعايير الاحكام التي ولدّتها هذه الخبرة .
تاليف غي دورندان، كتاب الدعاية والدعاية السياسيّة، صفحة ٢٨
