ربما كانت الصعوبة الكبرى أمام الصحفيين الذين يعملون فى هذه الدول هى كيفية تقييم قدر ملاءمة ممارساتهم القديمة لمعايير المناخ الصحفى الجديدة. أما الصحفيون الذين شاركوا فى النضال ضد أنظمة الحكم القمعية فى العصر السوڤييتى فقد استخدموا استراتيجيات متنوعة. فبعضهم كانوا ينشدون انتخابهم لعضوية البرلمان لكى يحصلوا على الحصانة ويعرضوا أفكارهم (مع استمرار عملهم فى الصحافة). وكان الإصلاحيون أيضًا يريدون تعليم قرائهم ومشاهديهم بقدر المستطاع بظروف الحريات المحدودة. وعلى عكس الديموقراطيات العريقة قد تفهم
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٧٩
الموضوعية فى نشر الأخبار بطريقة مختلفة فى الدول التى تذرف الدموع على الحكم القديم المتسلط . كانت الذاتية بالنسبة للكثيرين هى أول خطوة جريئة نحو التغطية الدقيقة وبديلاً للرسالة الإعلامية التى تتحكم فيها الدولة. ظل تلاؤم هذا التراث مع بناء نظام إعلامى مستقل وحديث ومحل ثقة تساؤلات كثيرة. استمر النشاط السياسى للصحفيين صامدًا وكما قال جاكوبوفيتش ((إن النظر إلى الصحافة على أنها سياسة تمارس بوسائل أخرى هى الموت البطىء.
بذل بعض الصحفيين مثل أولئك الذين يعملون فى محطة تليفزيون ((إن تس فى) جهدًا عامدة لفرض أساليب وقيم الصحافة الغربية. وأصبح فرض ما كان يبدو أنه معايير غير تاريخية وأجنبية إشكالية فى حد ذاتها. وأصبحت محطة فى موسكو والتى كان شعارها (الأخبار مهنتنا» من أكثر منظمات الأخبار احترامًا فى الدولة. ومع ذلك بدت للبعض على أنها تبشير أجنبى. كما كتب ناقد تليفزيونى مرموق فى جريدة موسكو الليبرالية ((أصبحت منارتنا هى محطة إن تى قي . إنها قناة مهنية بشكل خرافى . لقد تجاوزت الدولة والشعبية والعرقية. لقد صنعت بذكاء وحرفية وإصرار، وهى تقوم بتدمير سيطرة الدولة وعقلية الشعب لكى تنشئ دولة جديدة وشعبًا جديدًا.
لكن، ما تفعله هو المثالية، والعجيب أيضًا أنها بولشيفية . فلقد حاول البولشيفيون تغيير طبيعة الإنسان الروسى وأنشأوا جيلاً جديدا من الشعب السوڤييتى . وهو نفس الشء الذى يفعله البولشيفيون الجدد . إنهم يظنون أننا إقليميون غير منضبطين ومنفعلون بدون ضرورة وغير قادرين على تعليم أنفسنا، شعب يحتاج إلى تبنى الفكر الغربى، وبعد ذلك سيتعلم الشعب الروسى كيف يعيش ويعمل ويفكر ويشعر كما يحدث فى أمريكا»
الخلاف حول موضوعية نشر الأخبار هو أيضًا محور الجدل الغربى. النموذج الغربى الذى يتبناه تليفزيون ((إن. تى .فى))، والذى بدا أنه أجنبى للكاتب الروسى الذى نقلنا نص كلماته أعلاه، لا تؤخذ كقضية مسلم بها كل التسليم فى الغرب .
هذا النموذج لنشر الأخبار أفاد الحكومة، والتى كانت رؤاها وسياساتها هما المصادر الرئيسية للأخبار، واللتان كانتا تلعبان دوراً محوريّا فى تشكيل التغطية، أو كانت – فى حالات النقاش المؤيد أو المعارض – ملاذًا لأحد الأطراف (٣٩) . بطبيعة الحال،
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٠
يمكن لأى صحفى أن يكون موضوعيّا تمامًا، متحرراً من الثقافة والنزعات السياسية، والتى كانت هى أيضًا بعدًا آخر لتآكل الإيمان بالموضوعية فى جمع الأخبار.
فى أنظمة الحكم السوڤييتى، كان الجدل حول موضوعية وذاتية نقل الأخبار سابقًا لزمانه. وكان لدى الصحفيين مساحة اختيار محدودة فى ظل هذا النظام القمعى، إلا إذا اختاروا التحول إلى العمل فى المنظمات السرية. وأن تكون موضوعيّا كان هذا هو الموقف الثورى. فى الحقيقة كانت الإيماءات التفسيرية الذاتية، عندما يمكن القيام بها كانت هى أقرب ما يمكن أن يقوم به النظام عندما يأتى الأمر للبث الموضوعى للأخبار .
ماذا كان إذن دور مناضلى الذاتية على جبهة الأخبار بعد زوال القيود التى فرضتها أنظمة الحكم الشيوعى؟ لم تختف ميزة الحكومة كمصدر للأخبار، بل تضاءلت سيطرتها بشدة على محتويات الأخبار، أو أزيلت بالكامل . ومارس أقطاب وسائل الإعلام، المحليون والأجانب، سيطرة متزايدة، حتى مع عدم تدخلهم فى شئون الأفراد والمحتوى، وأبرزوا اهتمامهم فى وسائل الإعلام باعتبارها فقط مراكز لجنى الربح .
فى النهاية، من المحال استنباط موازنة حقيقية بين إيجابيات وسلبيات الصحافة فى الانتقال إلى نوع من الحكومة أكثر ديموقراطية فى مناطق أوروپا الشرقية والاتحاد السوڤييتى السابق . الصحفيون أنفسهم الذين واجهوا المخاطر وهم يقدمون حقيقة الحرب البغيضة ((فى الشيشان))، هم أيضا الذين أخفوا الحقيقة عن اعتلال صحة مرشحهم المفضل فى الوقت الذى كان فيه الانتقال الديموقراطى ذاته يبدو مهددًا .
بدون الحماية القانونية، أصبحت الخطوط التى تفصل تغطية الأخبار عن المصالح الاقتصادية للصحفيين ومؤسساتهم تميل إلى الضبابية. وبالقدر الذى قامت به هذه الضبابية بإنتاج معلومات مضللة، ساءت الخدمات التى تقدم للجمهور، وأصبحت ((الديموقراطية)) مرادفة للخداع وللاستيلاء الجماعى على مخصصات الدولة. من ناحية أخرى، عندما قامت الصحافة بالكشف عن الفساد لكى تكبح سوء تصرفات الحكومة، كانت تعمل كوكيل عن جمهور لا يملك مثل هذا النفوذ المباشر على المسئولين المنتخبين، وكانت مخاطرات الصحفيين شديدة الخطورة. هل امتدت هذه المجازفات إلى البحث فيما وراء من يملكون وسائل الإعلام؟ نادرا.
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨١
لكن الحقيقة التى تظل باقية هى أنه أثناء سنوات الانتقال السريع والتقلص الحاد فى الاقتصاد، كان الجمهور المطالب الآن بأن يقوم بتقرير مصيره فى العملية السياسية يعتمد، كما لم يحدث فى أى وقت سابق، على وسائل الإعلام.
وجعلت سرعة وتعقيد التغيرات من وسائل الإعلام مصادر رئيسية للمعلومات والآراء. وقدم الانضمام السابق لأوروبا الشرقية والاتحاد السوڤييتى السابق إلى نظام المعلومات العالمى، مناخًا جديدًا للثقافة والقيم للجماهير كان أكثرها فى المدن الصغيرة والمناطق الريفية. ودفع الصحفيون وبفعالية كبيرة برامج الإصلاح وعكسوا أيضًا انقسامات وإشكالات المجتمع. ومع ذلك، كان هذا عملاً مطرد التقدم، ويجب أن نتذكر أن التحولات الدرامية فى التحرك من سيطرة عصر السوڤيبت على المعلومات إلى استقلال دور الصحفيين – وإن لم يكن آمنا تماما. وقد حدث بسرعة فائقة وفى وقت يقل كثيرًا عن جيل واحد، وقد يقل أيضًا عن عقد واحد. مما جعل من هذه العملية روتينية ومستقرة ووضعها فى إطار قانونى وثقافة قانونية، وكان من المفترض أن يأخذ وقتًا أطول، لكن الأساس قد وضع بالفعل وفى فترة بالغة القصر .
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٢
