توسعت بيئة المعلومات وبسرعة مخيفة فى أوروپا الشرقية والاتحاد السوڤييتى من تعددية محدودة ومقيدة بشدة، إلى تعددية يحتمل فيها الوصول لملكية أو هيئات إدارية مختلفة ووجهات نظر متباينة. وعلى الرغم من أنه قد ثبت صعوبة الحفاظ على مؤازرة الاختلاف فى وجهات النظر إلا أن الصحفيين أصبحوا لاعبين أساسيين مع عملية التحرر السياسى السريعة والمهمة. ولكن أثناء عملية التحرر السابقة على عام ١٩٨٩م وكذلك خلال المرحلة التى تلتها بعدة سنوات قليلة ظهرت مشكلة على المستوى المؤسسى وهى كيف يمكن التأثير فى ثورة الإعلام.
وكذلك إقصاء أو إحلال أنماط السلطة والحوار وروتين المنظمات وتغيير الرموز والقيم بدون نسيان ذكريات الأسلوب السوڤييتى فى عمليات النقل العرقى من مكان لآخر والتى تميزت بضخامتها. لكن يبدو أن عملية التحول للديموقراطية منعت وعلى نطاق واسع استخدام الأفراد كسلاح لخدمة النظام الجديد. ولكن وعلى أية حال يحتمل أن أنماط الرقابة الذاتية والولاء الحقيقى أو الزائف ظلت باقية. بالإضافة إلى ذلك كان للعاملين بوسائل الإعلام فى المؤسسات التى تسيطر عليها الدولة تقنيات عتيقة بالية وكانوا ذوى شخصيات متخضمة برغم انحطاط كفاءتهم حيث لا توجد حوافز للادخار ما دامت الحكومة تنفق عليهم بسخاء.
علاوة على ذلك، كان حجم إنتاج وسائل الإعلام ضخمًا. ففى ألمانيا الديموقراطية فى منتصف السبعينيات على سبيل المثال كانت هناك ٤٠ جريدة يومية تنشر فى ٣٠٠ طبعة منفصلة (١٨) . وكانت الجريدة اليومية صاحبة أعلى توزيع فى العالم هى «ترود)) أو العمال. وقد يكون تحويل هذا القطاع الضخم إلى الديموقراطية مهمة مثبطة للهمة .
هناك حالتان تنويريتان : فى إحداهما كان التحول يبدو أنه متفق عليه من قبل النظامين القديم والجديد، أما فى الثانية فلم يكن هناك مثل هذا الاتفاق. فى جمهورية ألمانيا الديموقراطية فى عام ١٩٨٩م وبعد وقت قليل من زيارة ميخائيل جورباتشوف لألمانيا لكى يعلن فوائد انفتاح الصحافة (جلاسونست) تغير مناخ وسائل الإعلام جذريّا . ففى غضون يومين قام الصحفيون بمظاهرة
وكما كتب قولفجانج هو فمان ريم، لم تبدأ ألمانيا الشرقية بإثارة جو الاضطرابات بل قامت بتغطيته (٢٠) . فى ديسمبر من ذلك العام قامت حكومة الإصلاح بدعوة
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٦٤
جميع الأحزاب والكنائس ووسائل الإعلام واتحادات العمال للعمل على إصدار قانون جديد لوسائل الإعلام. وبعد شهور قليلة فقط أنهوا أعمال لجنة الإعلام عندما تحركت عملية إعادة توحيد ألمانيا سريعًا للأمام
على أية حال، أصبحت التنظيمات المتفق عليها بالية. فى عام ١٩٩١م، قام مفوض عام للإذاعة عينه الغرب بتشييد نظام جديد للصحافة والذى استبعد مدير عام إذاعة ألمانيا الشرقية الذى كانت ينتقد قرارات المفوض العام.
أدت الرغبة فى الوصول سريعًا إلى كفاءة اقتصادية وسياسية إلى استياء واسع الانتشار، وكما كتب هوفمان ريم: ((لا يوجد أى مؤشر على أن مرحلة التحول استُخدمت لتشجيع صحفى ألمانيا الشرقية على الثقة بالنفس فى ممارسة حرياتهم الجديدة، أو للمساعدة فى ظهور هوية ثقافية تتوافق مع المجتمع الغربى، ويقينًا، فى فترة انحلال، يكون هذا الأمر بالغ الصعوبة
فى روسيا لم تكن هناك أى اتفاقات تحاول الجمع بين أنظمة الحكم القديمة والجديدة، ولم توجد أيضًا دولة ديموقراطية مجاورة كبيرة (*) تستطيع امتصاص وإصلاح النظام الإعلامى . (وأنشأت السوق العالمى شيئًا آخر وهو الامتصاص داخل سوق تحتكر برنامجه الولايات المتحدة مما قد يثير الانقسام ويعكس حدة الطبقية التى تزداد حدة فى المجتمع) .
ومع ذلك كان واضحًا أنه عندما بدأ الاتحاد الروسى المستقل حياته فى عام ١٩٩٢م، كان يجب عليه أن يتم إنجاز شىء لكى يظهر بحسم وعلانية أن الصحفيين فى المستقبل سيختلفون عن نظرائهم فى الاتحاد السوڤييتى السابق. فكانت أخبار المساء على شاشات التليفزيون فى مقدمة التقارير السياسية الرسمية فى دولة يفترض أن كل منازلها يوجد بها أجهزة تليفزيون .
استقر إيجور باكوفليف، سابقًا ولاحقًا رئيس تحرير ليبرالى للصحف وأول رئيس للتليفزيون فى روسيا ما بعد الاتحاد السوڤييتى على القيام بمنافسة وقال: ((دع برنامجين إخباريين يقومان بالطرح: الأول فيريميا (تايم) وهو برنامج محافظ يمثل نظام الحكم السابق، والثانى هو ((تى إس إن)) (خدمة أخبار التليفزيون) وهو برنامج إخبار مواز يذاع فى وقت متأخر من الليل يديره مراسلون شباب ثوريون بأسلوب محطة (سى إن إن)) الأمريكية . ظهر فريق ((تى إس إن) فى أوائل عام ١٩٩١ م أثناء
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٦٥
عصيان النظام والاستيلاء على برج التليفزيون ليتوانيا بالقوة. فى خريف خُصص أسبوعان لإجراء مسابقة للأخبار قدمت فى الأسبوع الأول منها (تى إس إن))
نموذجها وخصص الثانى لفريميا. وعندما فازت ((تى إس إن) ، كما كان متوقعًا (رغم الفوز نتائج المسح بين الصفوة والجماهير قرار اللجنة التنفيذية) شجب الخاسرون القرار واعتبروه مهزلة.
من الذى يجب أن يُستبدل؟ وبأية سرعة؟ وبأى قدر من الإنسانية؟ هكذا بقيت بعض المأزق التى تواجه الصحافة أثناء عملية التحول للديموقراطية. فى رومانيا، عام ١٩٩٦م، عندما قامت حكومة ذات عقلية إصلاحية بهزيمة الرئيس، إيون إلييسكو، تم وعلى الفور تعيين رئيس جديد لتليفزيون الدولة. فى أوائل يناير من السنة التالية، قام ستيرجوليا بطرد ثمانية من التنفيذيين من قطاع الأخبار على أساس أن لهم مصداقية ضئيلة عند الجماهير . اعتبر قادة المعارضة المطرودون أن ذلك تطهيرًا سياسيّا .
يمكن فورا ولو من الناحية النظرية من خلال التعيين الجماعى لجيل جديد والتخلص من الجيل القديم. تغيير الأشخاص الضروريين لإصلاح مؤسسات وسائل الإعلام، وإعطاء إشارة للجمهور عن التغيير العام الفورى والمطرد نادرًا ما يكون ذلك الخيار المتطرف اختيارًا. ولكن تم تعيين صحفيين شباب، من قبل محطات تريد أن تبث وأن تحقق تغييرًا. لم يتحدث الصحفيون الجدد على شاشات التليفزيون بأسلوب الكلام المحسوب فى الأزمنة السابقة، بل تحدثوا بالعامية وبلهجة سريعة. بينما نجحوا فى اجتذاب طبقة شباب الحضر، إلا أنهم أربكوا، أو أبعدوا طبقة الكبار الأكثر تمسكا بالتقاليد. وأصبحت الأصوات المتنافرة، والتحرير السريع الملتهب، وصور الجرائم والكوارث شائعة. كان العاملون فى محطة ((نوڤا موقا» الذين استطاعوا فى وقت قصير التفوق على تليفزيون دولة أوكرانيا، فى أوائل وأواسط العشرينيات سريعًا .
تعلم أولئك الصغار سريعًا غالبًا من خلال التعاون مع مؤسسات أخبار أجنبية . فكثير منهم لم يتلق تعليمًا صحفيّا حقيقيّا أو تدريبًا مهنيّا، والذى كان – على أى حال – مُسيسًا إلى درجة كبيرة. أما الصحفيون الأقدم منهم والعاملون فى تليفزيون الدولة، ففضلوا البقاء فيه بسبب وجود اختيارات أقل إلى أن قضى عليهم تخفيض العمالة. وتهيأ المسرح داخل وسائل الإعلام لتوتر شديد بين الأجيال. كانت هناك أيضًا انقسامات مماثلة فى عملية تعليم الصحافة . فقد
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٦٦
خضعت كليات الصحافة إلى أعلى درجات المراقبة والتسييس، كما زرع بينهم عناصر أمنية ليعملوا تحت غطاء الصحافة (٢٤). أليست تلك الكليات هى معمل إعداد معلقى الأخبار فى المستقبل؟
أسس الصحفيون الجدد الذين قادوا حملة الإصلاح، مثل آدم ميخنيك فى پولندا، صحفًا جديدة أو أخذوا صحفًا قديمة وأعادوا بالكامل تشكيلها بالكامل .
وظهرت الصحف السرية علنًا. وتوقع الصحفيون ازدهارًا جديدًا، ولكنه كان قصير الأمد ومخيبًا للآمال. لأن عمليات التحرر لم تستطع ملاحقة التحرر الفكرى. وسريعًا ما اتضح أن حرية الصحفيين كانت أمرًا معقدا. لوقت قصير، قبل تفكك الاتحاد السوڤييتى وأثناء ذروة المصارحة (جلاسنوست) ، اتسع مجال التعبير سريعا، وظلت المؤسسات الإخبارية تتمتع بالتمويل من ميزانيات الحكومة، والإعانات المالية لدور النشر والتوزيع، وحجم ضخم من اشتراكات القراء الذين تعودوا على أسعار ليست حقيقية. فأصبح وضع الصحفيين داخل الاقتصاد، ستقلاً نسبيّا عن الضغوط التجارية التى قد تؤدى إلى الشلل التام، وازدادت قدرتهم على الصمود أمام التدخلات الحكومية. ولكن، تلك المرحلة كانت ظاهرة انتقالية فقط .
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٦٧
