كان هناك جدل من حيث المنطق عما إذا كان خلق وسائل الإعلام الخاصة والانتباه الجديد لتوازن الميزانية المالية، قد أدى إلى الترحيب اعترافًا بمصالح الجماهير (على عكس الفكرة السابقة بأن الجمهور متلق يجب تلقينه). فقد كان تواجد المستثمرين الأجانب، الذين تم اجتذابهم من اقتصاديات أكبر انتباها ينصب على المحتوى كانعكاس لاختيار المشاهد أو القارئ الإرادى مفضلين ذلك على أن يكونوا أداة فى سياسة الاشتراكية للنخبة الحاكمة. على أية حال فإن عنصر اهتمام الجماهير بالمحتوى كان لا بد له أن يستمر فى الاعتماد على الدولة، والتى كانت تعانى من نقص التمويل إنتاج برامج تنافسية. لذلك فإن الاستكشافات فى الثقافة الوطنية، والممولة بسخاء (موسيقى، وشعر، ومسرحيات، والبرامج المتحفية والأفلام الوثائقية عن الدين والتاريخ) مالت إلى الاختفاء من شاشات التليفزيون ومن المجلات. وعادة ما يكون ((محتوى إرضاء الجماهير) ضحية لإخفاقات السوق .
ومهما يكن نبضهم، بدأ الصحفيون فى المؤسسات التى تساعدها الدولة ذات العمالة الزائدة، والمشاكل الاقتصادية وأيضا فى كثير من مؤسسات الإعلام الجديدة الضعيفة والقليلة الخبرة، فى مواجهة صعوبات اقتصادية، ذهبت المميزات التى منحها لهم النظام القديم، وإذا لم يتمكنوا من الهجرة إلى مؤسسات خاصة مدعومة بقوة فإنهم سيغدون غير قادرين على مواجهة ارتفاع الأسعار وخصخصة الخدمات. وبفقدانها الميزات التى تمتعوا بها على يد النظام الجديد تحوَّل البعض منهم إلى الفساد
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٧٥
ووجد استطلاع أجرى فى عام ١٩٩٤م شمل ١٢٠٠ صحفى فى صحافة وتليفزيون روسيا الإقليمى أن أخبارًا إيجابية كثيرة كانت تمولها سرّاً مؤسسات اقتصادية وسياسية. كانت المناطق بقواعدها الاقتصادية الصغيرة جدّا وفرصتها المحدودة على اجتذاب إعلانات كانت تعانى من تحول أكثر صعوبة لكى تصبح سوقًا حقيقيّا، مثلما فعلت مدن العاصمة موسكو وسان پيترسبورج. عادة ما كانت الأخبار ضحية. فنصف الصحفيين تقريبا الذين شملتهم الدراسة (٤٦٪) قالوا إن الإعلان التجارى المختفى داخل روايات الصحف والتليفزيون كان ((ممارسة مألوفة)). وقال الثلث الآخر إنه يحدث . وقال الثلث الآخر تقريبًا (٢٨٪) إن الإعلام السياسى الخفى كان ممارسة عادية، وقال (٣٨٪) إن ذلك قد حدث (٣٢) .
كانت أيضا المنظمات الإعلامية عرضة للفساد. ففى تليفزيون الدولة، الذى يدفع مرتبات ضئيلة نسبيّا، كانت عملية بيع التغطية الصحفية بعيدة عن السيطرة.
أما فى محطة القطاع الخاص (إن . تى . فى))، فكانت المرتبات أعلى بكثير، كما فرضت على الصحفيين رقابة لصيقة (٣٣) .
وبينما طلب من الصحفيين أن يتكيفوا مع التغير السريع، وتفسيره كان الصحفيون يكافحون من أجل البقاء أحياء، وأحيانًا بقبول الرشى، وهو ما وصفه الروس بأنه ((تليفزيون الجينز)) (وضع المال فى الجيوب للحصول على تغطية ملائمة)، مما أدى إلى إضعاف وتعقيد البحث عن أخلاقيات وهوية مشتركة وجديدة للصحافة. كان السلك الصحفى القديم يتضمن مجموعة مختلطة من خدم السلطة والمحايدين والمصلحين من داخل النظام والمنشقين والإصلاحيين الذين بعملون فى الخفاء، ولكن الفئة الأخيرة هى التى حُرمت من قنوات الاتصال المقبولة. فى أنظمة حقبة ما بعد الاتحاد السوڤييتى، كانت هناك تصدعات سياسية واقتصادية وتصدعات كالمعتاد، بين الأجيال. طورت مجموعة قوانين أخلاقية لمواجهة ما كان يأمل فيه الجميع، وهو أن يكون هناك مجموعة عامة من قوانين الواجبات والحقوق والمسئوليات، ونظموا مسئولية المصداقية فى المعلومات وحقوق ممارسة التغطية المقبولة للأخبار، والصواب والممنوع فيما يتعلق بأمانة الصحفيين(٣٤). لكن محاولات تنظيم القواعد الصحفية حدثت فى البيئة التى أعقبت حقبة الاتحاد السوڤييتى، وكان النظام القانونى فيها قد أقدم على توفير حرية
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٧٦
التعبير ولم يفصل فيها بعد. وهى ما يعتمد عليه الصحفيون فى أى مكان آخر من العالم .
كان هناك موضوع واحد هو الذى وحَّد الصحفيين، وهو القلق على سلامتهم الشخصية فارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، والتى كانت معظمها من أعمال الجريمة المنظمة جعل الصحفيين هدفًا. وأصبح صحفيو التحقيقات فى خطر، أولئك الصحفيون الذين يبحثون فى نقل المخدرات، والفساد فى قوات الجيش وسوء معاملة المجندين، ونفوذ السياسة على المصالح الاقتصادية. كان الصحفيون أيضًا يواجهون الأخطار فى الحروب الأهلية الجديدة، واحتجزوا كرهائن فى طاجيكستان وفى الشيشان.
على الرغم من ذلك، أخذ الصحفيون المبادرة فى الكشف عن الفساد. ففى أثناء الفترة الانتقالية بعد الحكم السوڤييتى، أخفيت الكثير من الحقائق واستولت جماعات خاصة على ثروات الدولة، ونمى تعاون وثيق بين التجارة والجريمة.
وكان من المحتم أن اتصال الحكومة بتلك الأشياء جعل هذه الأمور حيوية بالنسبة للجمهور، ونجح الصحفيون فى بعض حالات الفساد فى أن يدفعوا قضية الفساد للجمهور. فمثلاً فى صيف ١٩٩٨م أعفى وزير العدل الروسى فوراً من منصبه بعد أن أذاع التليفزيون له أفلامًا وهو يمرح فى حمامات السباحة مع نساء مرتبطات بالجريمة المنظمة. وإذا لم يعلن الصحفيون عن بينة الفساد والتواطؤ، لكان وصول هذه الحقائق للجمهور أمراً مشكوكًا فيه.
فى غياب ثقافة قانونية حية، والتى قد تكون أكثر جدية فى دول عن غيرها، فإن إطار العمل المتوقع والتماسك، وفاعلية الحماية القانونية تصبح واهية. وهذا يعنى أن مؤسسات الوقاية إما غائبة، أو أنها تقدم فقط حماية متقطعة من السلطة السياسية. فى المجر، على سبيل المثال حرضت ((حروب وسائل الإعلام)) قادة الإصلاح على الحكومة المتدخلة، التى نجحت فى سحب الإعانات المالية ووضعت الموالين مكان المستقلين ذوى العقول الإصلاحية، لم تقم المجر بوضع قانون لتنظيم وسائل الإعلام إلا فى عام ١٩٩٥م، ثم بعد ذلك، وبسبب تراث (حروب وسائل الإعلام) جاء القانون شديد الدقة والتفصيل حتى إن تطبيقه سيكون صعبًا على المدى الطويل(٣٥) . فى پولندا، بعد أن انتخب الشيوعى ألكساندر كواسينسكى
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٧٧
كرئيس للجمهورية عام ١٩٩٥م، اصطدمت الحكومة مع الصحافة على نشر تقارير صحفية تفيد أن رئيس الوزراء ألكساندر أوليكسى (شيوعى أيضًا) تجسس على بلاده لصالح الاتحاد السوڤييتى. استخدمت الحكومة وسائل مثل رفع دعاوى قضائية على ثلاثة صحفيين من جريدتين، وإعادة تنظيم مجلس إدارة التليفزيون، والتهديد بفحص رسمى لميزانية وحسابات التليفزيون، فى محاولة لإغلاق ملف أوليسكى (حتى بعد إجباره على الاستقالة) . وأثناء حرب الشيشان، حاولت حكومة يلتسين تقييد تغطية الصحافة لسياستها وإخفاقها فى ميدان الحرب، من خلال تسريب تهديدات بتعليق رخصة محطة التليفزيون الخاص ((إن. تى. فى))
واستبعاد أوليج پويتسوڤ، رئيس تليفزيون وإذاعة روسيا المملوك للدولة . ثم طُرد پوپتسوف فى السنة التالية عندما بدأت حملة انتخابات الرئاسة تتحرك بجدية .
كانت القيود على الاستقلال الذاتى للصحفيين أكثر تعقيدًا فى پولندا نتيجة للدور القائد الذى لعبته الكنيسة الكاثوليكية فى قلب نظام الحكم القديم. كانت العقبات التى تواجه استقلال الصحفيين أكثر تعقيدًا نتيجة للدور الذى لعبته الكنيسة الكاثوليكية فى النظام القديم. وكما ذكرت من قبل قدمت الكنيسة قاعدة شرعية قوية لصحفيى المعارضة. ففى أثناء رئاسة ليسن ڤاليسا، قدمت الكنيسة مجموعة سلسلة من السياسات، من ضمنها حرية التعبير . وطالب قانون الإذاعة والتليفزيون لعام ١٩٩٢م من المذيعين أن يحترموا النظام المسيحى، ووصلت عقوبات من ينتهكون الحساسيات الدينية إلى السجن لمدة عامين. وبصرف النظر عن الاحتمالات الضئيلة لتنفيذ هذه البنود، إلا أنها كانت بينة على تمزق الإجماع الذى ميَّز فترة حكم ما بعد الاتحاد السوڤييتى . ثم كان لصعود محطة مناضلة، هى «راديو ماريا)»، أن جعلت علاقة الكنيسة بالدولة أكثر تعقيدًا. اجتذبت المحطة جمهوراً من المشاهدين الملتزمين من النساء، والريفيين، والمجتمعات التقليدية الأخرى، ودافعت هذه المحطة من خلال تعريف ضيق، استبعادى، اعترافى، عن الهوية الپولندية، وشجبت بقوة السياسيين الكاثوليك المعتدلين مثل رئيسة الوزراء آنذاك هانا سوشوكا، وطالبت الكنيسة بطردها وثبت أن الوحدة التى تولدت من المعارضة للنظام السوڤييتى ، أنها انتقالية .
حتى بعد وجود مجالس حيادية أو لجان تنظيمية، كانت عضويتها مبنية على٧٨
الأقل وبشكل جزئى على معايير الولاء والأيديولوجية وخصوصًا عندما يتم ترشيحهم أو تعيينهم من قبل الحكومة. الحصانة التامة ضد الضغط السياسى لا توجد فى أى مكان، والقدر الذى يتعرض به الصحفيون لسلطة الحكّام يختلف كثيرا عبر الدول التى كانت يوما تشكل الكتلة السوڤييتية. وازداد كفاح الصحفيين للدفاع عن استقلالهم صعوبة أيضا؛ بسبب عنصر فى القانون يستخدم كثيرًا لكبح التغطية الصحفية. فعجلة توجيه اتهامات القذف والتشهير الطائشة عرضت الصحفيين لمحاكمات بناء على أدلة غامضة. فقد قيل إن السياسى المتطرف الباحث فى المخلفات، فلاديمير زهيرينوڤسكى رفع أكثر من مائة دعوة جنائية فى الفترة من أواخر عام ١٩٩٣م إلى صيف عام ١٩٩٤م؛ كما قدم صحفى فى المجر عام ١٩٩٦م للمحاكمة ؛ لأنه كتب عن اتهام إحدى الشخصيات السياسية لشخصية سياسية أخرى فى مؤتمر صحفى (٣٦) .
رغم أن بعض قضايا القذف والتشهير كانت تهدف بوضوح إلى كبح الصحفيين وتقييد حريتهم، أثار البعض مشكلة أخرى . التنافس على القرّاء، والمشاهدين، والمعلنين الذى شجع على الإعلان الدارمى السريع عن الفضائح وسرعة نشر الأخبار. فتغير تعريف جدارة الأخبار ومستوياتها فجأة. وكثيرًا ما نشرت الإشاعات والثرثرة. لم يلاحق تعليم الصحافة التغيرات التى طرأت على ظروف النشر . وتعلم جيل كامل المهنة من خلال العمل فيها، وتراوحت فى ذلك الوقت بين الإثارة والجدل .٨٩
