وبعض الخطأ قد يقع بصدق على التليفزيون، استخدامه وسوء استخدامه، وأيضًا عدم استخدامه. السياسة غرست إصبعها فى عصر التليفزيون أثناء انعقاد مؤتمر الحزب عام ١٩٤٨م. ثم هى دخلت فعلاً إلى عصر التليفزيون بعد أربع سنوات لاحقة، بعد أن وُجد عدد كبير من المحطات والأجهزة لكى تستقبلها.
عندما أفتتح مؤتمر الجمهوريين فى شيكاجو عام ١٩٥٢م، كان معظم أشهر صحفيى الإذاعة ما زالوا يزدرون – لدرجة ما على الأقل – عملية عرض الصور الجديدة هذه. ثم أصبحوا أكثر اهتماما بالتليفزيون، بطبيعة الحال، بعد أن ظهرت صورهم على شاشاته، وما تبع ذلك من قبول الجمهور .
وجود التليفزيون بدأ يؤثر على السياسة منذ البداية . مؤتمر عام ١٩٥٢ م كان لحظة المجد للاحتفاء بطفولة التليفزيون، قبل أن يكتشف السياسيون قدرته الفائقة وينهضوا للسيطرة عليه.
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٤
ملايين الأمريكيين رأوا، لأول مرة، الديموقراطية وهى تعمل عند حجر أساسها لتختار مرشحيها للرئاسة.
على شاشات التليفزيون، رأى الجمهور القضايا، الكبيرة والصغيرة، وهى تناقش على منصات اللجان الرئيسية، راقبوا معارك الانتقاد التى يشنها الأعضاء، ليس فقط أمام المؤتمر، بل أيضًا داخل لجان الاعتماد، أخذوا إلى داخل الغرف – من أعقاب وثقوب أبوابها – المليئة بدخان السجائر، حيث تتخذ القرارات.
شاهدوا أيضًا فوضى الإجراءات على ساحات المؤتمرات مع نقاش مفتوح ومناورات برلمانية وقيام رؤساء الجلسات، سام رايبورن وجوزيف مارتن، يسوسان الجلسات باستخدام مطارقهما بيد قوية، ولكنها غالبًا غير مؤثرة. أصبح لدى الجمهور إحساس رائع بمشاركته فى العملية السياسية، درس مدنى رائع .
لم تكن هذه هى المرة الأولى فقط، بل كانت المرة الأخيرة أيضًا التى أتيحت فيها مثل هذه الفرصة للجمهور . بحلول عام ١٩٥٦م، بدأت الأحزاب فى تصحيح إجراءات مؤتمراتها. فى الوقت المناسب، أبعدت مناقشات الساحات، والاعتمادات عن المؤتمر، زمنيّا وجغرافيّا؛ لاجتناب التغطية التليفزيونية. فحصت قائمة المتحدثين بدقة «لتجنب الفوضى))، كما قيل لنا. أرشدوا الوفود عن الملابس التى يجب ارتداؤها والكيفية التى يتصرفون بها لكى يكون لهم مظهر أكثر احتراما .
لإسعاد كاميرات التليفزيون، أزيلت الفوضى، بعيداً عن قاعات المؤتمر، وهكذا، لدرجة كبيرة، كانت الديموقراطية.
منذ هذا اليوم فصاعدًا، صورة التليفزيون أصبحت أهم سمات الحملة السياسية، وسارت السياسة والتليفزيون معًا، يدّا بيد، فى طريق المتعة واللهو .
فى حملة عام ١٩٥٦م، أنشأ افتنان الجمهور بالتليفزيون ظاهرة جديدة تمامًا .
كثيرا ما أظهر الناس اهتمامًا بمراسلى التليفزيون أكثر من اهتمامهم بالمرشحين .
فى ذلك العام، فى حقيقة الأمر، كنت أنا أحد المراسلين القلائل الذين صاحبوا إستس كيفوڤر فى أتوبيس عبر فلوريدا فى حملته للحصول على ترشيح الديموقراطيين له لانتخابات الرئاسة. كان يقف عند سماعه ما قد تكون أصغر
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٥
صفارة إيقاف فى تاريخ الحملات. كان عجوزان يلعبان الشطرنج على جانب الطريق كفيلين لجذب اهتمامه، ولمحاضرة تمتد نصف ساعة.
إذا كان الحشد أكبر من ذلك، تبدأ المشكلة فى الظهور . . أنا لم أكن قد أصبحت منسقًا بعد، ولكن، عندما نترك الأتوبيس، يقوم كثير من الفضوليين بالالتفاف حولى بدلاً من الالتفاف حول المرشح. أخيرًا، قال السيناتور، ((والتر، أنا السيناتور إستس كيفوقر من تينيسى المرشح للانتخابات. هل تسمح بأن تكون آخر من ينزل من الأتوبيس حتى تتاح للناس الفرصة ، للقائى؟)).
كيفوڤر، رغم قبعته ، وأساليبه الريفية، كان ذكيًا، وسياسيّا محنكًا، وواحدًا من أول من طوعوا التليفزيون لمصالحهم، وأدركوا أهمية فرص عرض صورهم.
فى المؤتمر الديموقراطى تلك السنة، قام بانتهاك عادة قديمة تقضى بعدم ظهور المرشحين فى قاعة المؤتمر قبل انتهاء عملية إعلان الأسماء. أحدث اضطرابًا عندما ظهر وهو يقود والده المسن إلى مقعده بالقرب من المنصة . بطبيعة الحال، توجهت إليه جميع الأنظار، شاملة أنظار كاميرات تليفزيون الأمة.
السياسيون يتعلمون سريعًا، بدأوا مبكرًا محاولة اكتساب أقصى الميزات من ظهورهم أمام التليفزيون. هم، بطبيعة الحال، اندفعوا بدون تردد مع نية المذيعين على أن ينقلوا إلى التليفزيون الأخلاقيات الصحفية التى تعلموها من الصحف، التى جاء معظمهم منها.
مبكرا، فى العقد الأول للتليفزيون فى خمسينيات القرن العشرين، اقتنع زعيم الأغلبية فى مجلس الشيوخ حينذاك، ليندون بينز جونسون من تكساس، بالظهور فى البرنامج الذى يقدمه تليفزيون ((سى. بى. إس)) صباح الأحد، الذى، كما أعتقد، ما زلنا نسميه (غرفة ملابس الكابيتول))، والذى أطلقوا عليه بعد ذلك بقليل اسم (واجه الأمة)).
حضر جونسون إلى إستديوهاتنا فى الوقت المحدد لحوار موجز مدته خمس عشرة دقيقة قبل موعد إذاعة البرنامج. جلس الضيف بيننا وأخرج من جيبه مجموعة أوراق أعطى صفحة منها لكل واحد منا وقال: ((يا أولاد، هذه هى الأسئلة التى سوف تسألونها لى)).
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٦
كمنسق للبرنامج، حاولت أن أشرح له أننا لا نستخدم أسئلة متفقًا عليها مسبقًا، وأن ضيوف البرنامج لم يحاطوا علمًا أبدًا بما سوف يسألون عنه. قال: ((هذا حسن بالنسبة لى))، جمع الأوراق وأعادها إلى جيبه، وبدأ يسير خارجًا .
بطبيعة الحال، لاحقته وتصالحت معه على حل وسط. قلت له (إننا لا نستطيع أن نسأل هذه الأسئلة، ولكننا سوف نقصر أسئلتنا على المجالات التى حوتها أسئلتك)». نجح ذلك إلى أن ألقى عليه السؤال الأول الماكر المغرور العنيد بيل داونز من (سى. بى. إس» سأل السؤال الأول، وكان سؤالا سريعًا عنيفًا خارج نطاق أى شئ أشار إليه جونسون فى أسئلته. رئيس المستقبل أنعم النظر شذرًا إلى داونز، ثم فتح فكيه المطبقين بقدر كاف ليقول إنه لن يجيب على هذا السؤال. ومضت بقية النصف ساعة بنفس الأسلوب: إجابات من كلمة واحدة، أو لا إجابة على الإطلاق من الضيف، مع تزايد عصبية الضيف، والمنسق كذلك.
هذه لم تكن فى الحقيقة أسعد ساعات التليفزيون، ولكن تاريخيّا، قد تكون لها أهمية كبيرة كنذير عن العلاقة التى لا تزال موجودة بين السياسة والتليفزيون، إنها المفارقة الموجودة بين محاولة استخدام وسيلة الإعلام، وإصرار وسيلة الإعلام على عدم السماح باستخدامها، وهما يلتقيان، بطبيعة الحال، على أرضية مشتركة لصالح الحل الوسط .
سوف يجازف السياسيون بمواجهة الإحراج إذا كان هذا هو السبيل الوحيد للحصول على عرض تليفزيونى.
والتليفزيون على استعداد لتطويع القواعد أحيانًا لكى يضمن عرضا جيدًا.
كان هذا واضحًا المقاطع الصوتية، الهدف الرئيسى لنقد التليفزيونى : جهود التليفزيون لإرضاء فترة الانتباه القصيرة لعالم سريع مفرط النشاط أدت إلى تقارير عناوين رئيسية متبلورة فى نشرة أخبار المساء .
فى البحث الرائع الذى قدمته كيكو أداتو، أوضحت فيه أنه فى عام ١٩٨٨ م كان متوسط حجم الحديث المتواصل لمرشح الرئاسة على شبكة إذاعات الأخبار هو فقط ٩,٨ ثانية
من الواضح، استحالة وجود أى تفسير له مغزى للقضايا فى هذا النوع من الاهتزاز الصوتى الانفجار الذى، أحيانًا، لا يشمل اسمًا أو فعلاً .
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٧
أكثر من هذا، توضح الأرقام أنه، فى عام ١٩٨٨م، لم تكن هناك حالة واحدة منح فيها المرشح فترة دقيقة واحدة كاملة لحديث متواصل على شبكة إذاعة أخبار المساء .
قارن هذه الأرقام مع أرقام إذاعات الأخبار عام ١٩٦٨م. حينذاك، متوسط زمن حصة الصوت كان ٤٢,٣ ثانية، أربعة أمثال أكبر مما كان عليه فى زمن الحملة الأخيرة، وكانت ٢١٪ من حصة صوت أحاديث المرشحين تستمر، على الأقل، دقيقة كاملة.
بطبيعة الحال، لا يمكن أن يقال أى شىء مهم فى ٩,٨ ثانية . ولكن أهمية ذلك بالنسبة لكثير من السياسيين كانت تبدو أنها إيجابية. هو، أو هى، لا يحتاج لأن يقول أى شىء مهم آنذاك، يمكنه أن يتجنب القضايا بدلاً من مواجهتها .
أكثر من هذا، السياسيون تعلموا منذ أمد طويل أن فى أيام التليفزيون، الصور أهم كثيراً من الكلمات، على أى حال. الصورة هى كل شىء .
وهكذا، مع تقديم حصة المقاطع الصوتية، كان ما يهم الحملة كثيراً هو تزويدها كل يوم بما يسمونه (فرصة الصورة، حصة الصورة)»، إن أردت أن تسمى ذلك، التى سوف تظهر المرشح فى أفضل إضاءة، وتزوده بفرصة جيدة للوصول إلى نشرة أخبار المساء .
يبدو أنه يستحيل على التليفزيون أن يتغلب على السياسى فى هذه المباراة .
لينرلى شتال قدمت تقريرًا لتليفزيون ((سى. بى. إس) عام ١٩٨٤م قصدت به أن تظهر أن مهارة استخدام حملة ريجان للمرئيات، حصص الصوت والصورة كانت تلاعبًا ساخرا بالتليفزيون. استخدمت فى التقرير أمثلة عديدة للتغطية التليفزيونية السابقة. أعجب البيت الأبيض بهذا التقرير . كما قالوا لها، إعادة عرض صور ريجان فى أفضل أوضاعه، تفوقت كثيرًا على كلمات نقدها.
بجانب إذاعات أخبار المساء، فالنقاط المهمة الأخرى اليوم فى التماس بين الحملات والتليفزيون هى بطبيعة الحال، الجدل والإعلانات التى تذاع ما بين البرامج. السياسيون يمارسون كليهما بسخرية مما أدى، على ما أعتقد، إلى إضرار خطير متزايد بمصداقيتهم لدى الجمهور .
يجب الابتعاد عن الجدل، إن أمكن . إن لم يكن ممكنًا، يجب إذن إيجازها إلى
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ٨٨
