فى تاريخ أمريكا، كان يوجد ثلاثة نماذج للصحافة فى دولة ديموقراطية : نموذج صحافة السوق ( الصحفيون يخدمون الجمهور بتقديم أى ما يطلبه الجمهور )، ونموذج صحافة الرأى ( الصحفيون يخدمون الجمهور باعتبارهم وكالة تنقل إليهم رؤى الحزب السياسى)، وموذج صحافة الوصى ( الصحفيون يقدمون الأخبار التى يعتقدون أن المواطنين يجب أن يحصلوا عليها لكى يصبحوا مشاركين مطلعين فى الديموقراطية ). سوف أناقش بإيجاز كل من هذه النماذج ثم أشرح صحافة الجمهور باعتبارها غط معدل لنموذج الوصى.
فى نموذج صحافة السوق، يجب على الصحفيين أن يُسعدوا جماهيرهم أو على
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ١٧٦
الأقل، الجماهير التى يرى المعلنون أنها جذابة . مهما يكن ما يطلبه المشاهدون، أصدقاء المعلن، يجب أن يحصلوا عليه. حاجة المستهلك هى العامل الحاسم فى إنتاج الأخبار . أيديولوحيو نموذج السوق قد يتحدثون عن الديموقراطية، أو على الأقل عن سيادة المستهلك، ولكنهم لا يعنون ما يقولون: المستهلك سيد فقط طالما رضى بأن يختار من بين الاختيارات المتاحة فى السوق، وأفضلياته مقدرة على المدى القصير فقط، والمستهلك الذى لديه مال أكثر، له القول الفصل .
موذج صحافة السوق مكروه لدى الصحفيين، قد يستخدمونه أحيانًا للاعتذار عما فعلوا، أو ليشرحوا السبب فى أن أفضل جهودهم كثيراً ما فشلت، ولكنهم لم يشيروا إليه أبدًا على أنه مثالى . إنه نموذج صالح لمكاتب الأعمال، وليس لغرفة الأخبار. هذا ما أعطاه نفوذا قويّا، مثلاً، أنه يسيطر تمامًا على أخبار التليفزيون المحلى، ولكنه نموذج يخشاه ويبغضه كل صحفى يحترم نفسه .
فى نموذج صحافة الرأى، يجب على الصحفيين أن يقدموا الأخبار من وجهة نظر حزب سياسى، أو أى جماعة أخرى لها فكرة تناضل من أجلها – الهدف من جمع الأخبار هو تعزيز الحزب. الصحافة هنا ثانوية أو فرعية تابعة للحزب، عوضا عن أن تكون مؤسسة أعمال لها استقلال ذاتى . صحفيو نموذج صحافة الرأى كثيرا ما كانوا صحفيين حزبيين، ولكنهم أيضًا يمثلون الحركات الاجتماعية (مثل صحافة إلغاء العبودية )، والكنائس، والمصالح الأخرى والجماعات. صحف الأعراق، والجماعات، ومجلات الرأى، ومئات من رسائل الأخبار تعمل الآن طبقا لنموذج الرأى. صحافة الحزب لا زالت مألوفة فى أورويا، وأمريكا اللاتينية، وفى كل أنحاء العالم، ولكنها اختفت فى أمريكا، من صحافة التوزيع العام .
لم يكن هذا هو الوضع دائمًا، ساد نموذج الرأى الصحافة الأمريكية منذ تأسيس صحافة جيفيرسون المعارضة فى التسعينيات من القرن الثامن عشر وحتى أوائل القرن العشرين(٩). بالرغم من أسس ولاء الآباء لنظرية سياسية ، تعتبر الأحزاب، والفئات، والاتحادات الموجهة سياسيّا، خطراً على حكومة الجمهورية، ظهرت بوادر حزبية فى التسعينيات من القرن الثامن عشر، كانت للصحف فيها كيانات محورية تعزز وتنشر وجهات نظرها المختلفة. مع حلول الوقت الذى برزت فيه
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ١٧٧
الأحزاب السياسية الجماهيرية فى عهد حاكسون، أصبحت صحف الحزب راسخة تمامًا كوكالات محورية لتنظيم الحزب، ودعايته. سادت ((صحافة الحزب)) الصحافة الأمريكية إلى نهاية القرن التاسع عشر، وآثار أقدام صحافة الحزب لا زالت باقية حتى يومنا هذا. ولكن، نادراً ما يلح أى إنسان على عودة صحافة الحزب . نموذج صحافة الرأى، رغم طول خدمته للديموقراطية الأمريكية، يرقد الآن فى ركام مهملات التاريخ بالنسبة لتوزيع وسائل الإعلام المعاصرة .
فى نموذج صحافة الوصى أو القيِّم، يجب على الصحفيين أن يقدموا الأخبار طبقًا لما يعتقدون هم، كمجموعة مهنية، ما يجب أن يعرفه الجمهور . ملاحقة الصحفى المحترف للحقيقة والعدالة، وممارسة الحكم السليم الحساس طبقًا لمعايير حكم بها زملاؤه أو زملاؤها، تملى عليه ما الذى يجب أن يكون أخبارًا. الصحفيون- عادة – يتقبلون نموذج الوصى كبديل وحيد لصحافة يحركها السوق . الصحافة تفهم على أنها معركة مستمرة بين رجال سيئين يتمسكون بأخبار نموذج السوق، وبين رجال طيبين يتمسكون بأخبار نموذج الوصى، والصحفيون المحترفون المخلصون هم الذين يقولون الحق للقوة، ويلاحقون الرواية إلى حيث تقودهم.
فى هذا النموذج، يتخيل الصحفيون أن الإنسان العادى كثيرا ما يكون دائم المشغولية والتشتت لكى يكون مواطنًا نشيطًا؛ ولذلك، يقوم المواطنون بائتمان الصحفيين على قدر من حريتهم، تمامًا كما يقوم الناس بائتمان الأطباء – بقدر من – السيطرة- على أجسادهم. الصحفيون هم محترفون يحملون المواطنة أمانة لنا، ونحن نعتمد على خبرتهم السياسية عندما نحتاج إلى معلومات عن حالة الدولة.
رسخ نموذج صحافة الوصى التزامه بالتقرير قبل التعليق فى أواخر القرن التاسع عشر، والتزامها بأيديولوجية الموضوعية، وبأعراف وأخلاقيات المهنة، ومبادئ خدمة عامة نزيهة ، فى العشرينيات من القرن العشرين. سادت هذه الآراء تمامًا فى الخمسينيات من القرن العشرين وتغيرت فى الستينيات مع تغطية حرب ڤيتنام، وفى أوائل السبعينيات مع تغطية ووترجيت. فى الحقيقة، إنجازات الصحافة فى ڤيتنام و ((وترجيت» كانت جزءًا من عدوان على استقلالية المهنة فى نموذج الوصى . فرضية أن الصحفيين كانوا -أو يمكن أن يكونوا – محترفين محايدين يخدمون كأوصياء لصالح الجمهور، تضاءلت كثيرًا فى فترة حرب ڤيتنام. الصحفيون فى الميدان قد
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ١٧٨
يكونون قالوا الحقيقة للقوة، ولكن الصحفيين فى واشنطن كثيراً ما تقبلوا القوة على أنها الحقيقة . داخل الصحافة، ظهرت ((صحافة جديدة»، دخول صوت شخصى فى الكتابة ، وصحف بديلة ، فرق تغطية بحثية، وتطورات أخرى، هدفت إلى تحرير نمط متجمد من التغطية، أعطى ثقته بسذاجة شديدة لتصريحات مسئولى الحكومة.
قامت جريدة واشنطن پوست بتغطية شرسة لواقعة التجسس عام ١٩٧٢م على مقر الحزب الديموقراطى بواشنطون حول وترجيت، والتغطية اللاحقة التى قام بها الرئيس ريتشارد نيكسون. كانت هذه الشراسة جزءًا من رد الفعل على التهاون فى «الموضوعية» المهنية . من المسلم به عامة أنه إذا كانت الهيئة الموقرة للسياسة القومية فى الواشنطن پوست هى التى تولت مسألة وترجيت، بدلاً من المراسلين الطموحين غير المعروفين، لذبلت المسألة. قد يكون الصحفيون وثقوا أكثر من اللازم فيمن لديهم من (مصادر موثوق بها)»، وتغاضوا عن الانحرافات، واستخدموا ذكاءهم الفطرى فى استبعاد احتمال أن يتورط مسئولون كبار فى البيت الأبيض، خطة سيئة تافهة مثل اقتحام وترجيت .
فى السبعينيات من القرن العشرين – خارج الصحافة – بدأ الأكاديميون يتساءلون عن فكرة الموضوعية نفسها. علماء الاجتماع رأوا أنها «شعائر استراتيجية دفاعية)) .
علماء العلوم السياسية رأوا أن جمع الأخبار هو (هدير روتينيات بيروقراطية) بدلاً من أن تكون ممارسات مهنية فاضلة (١٠) . سلطة المعرفة المهنية – التى يطلق عليها الآن تعبير ((حوار)) مهنى – كانت تتعرض للهجوم. كانت الصحافة الجماعة هى المهنية الوحيدة التى كانت سلطتها تتعرض للتحدى فى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. النقاد، داخل الصحافة وخارجها، اتفقوا أن الصحفيين، مثل أى مجموعة مهنية أخرى، يمكن أن يمثلوا مؤامرة ضد الجمهور .
نقد الصحافة التقليدية غيَّر الصحافة. أصبحت الأخبار أكثر إمتاعًا، وأكثر تحليلاً، ونعمة مختلطة خالية من الأوهام. النقاد هاجموا الصحفيين ثانية فى الثمانينيات من القرن العشرين لوقوعهم تحت نفوذ الرئيس رونالد ريجان، «أعظم من يقومون بالاتصال))، وأيضًا بعد انتخابات عام ١٩٨٨م، لخضوعهم لاستراتيجية حملة جورج بوش وتلميحاتها العنصرية (إعلانات ويلى هورتون )،
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ١٧٩
وتلويحه بالعلم. فى الوقت نفسه، مع الانخفاض المتزايد لمعدل قراءة الصحف، خاصة بين الشباب، امتلأ عمل الأخبار بالريبة – الذاتية وإحساس متزايد بالأزمة .
عندما سألت أحد المحررين عما جعله يروج صحافة الجمهور؟ أجاب (الخوف)) .
رغم استمرار ربحية مؤسسات الأخبار، وشهرة البارزين ممن يمارسونها، فتح الخوف والقلق الأبواب أمام التجديد .
تختلف صحافة الجمهور عن صحافة الوصاية. من الذى يقرر ما الأخبار ؟ فى صحافة الجمهور، مثل ما فى صحافة الوصاية عامة، الإجابة هى : الصحفيون أنفسهم، لا السوق، ولا الحزب . يبدو مؤيدو صحافة الجمهور – أحيانا – كما لو أنهم يقصدون تقوية أهمية الجمهور بالنسبة للصحفيين . بعض من صفوة الصحفيين أجابوا على هذا بهستيرية، كما لو أن الغوغاء، أو على الأقل، مستطلعى الرأى وجماعات التركيز، قد تم استدعاؤهم إلى غرفة الأخبار ( كما لو أنهم لم يكونوا فعلاً هناك). (عندما بدأ الصحفيون يعملون مثل الجرسونات، يتلقون الأوامر من الجمهور ومن مستطلعى الرأى، لم تكن النتائج لطيفة»، أكد داڤيد ريمنيك على هذا فى مجلة نيويوركار. ولكن صحافة الجمهور لم تُبعد سيطرة الصحفيين على الأخبار .
بالنسبة لهذا الأمر، لم تقترح صحافة الجمهور، كحركة إصلاح شديدة التحفظ أى مسئولية جديدة على وسائل الإعلام. ولم تقترح على وسائل الإعلام مجلس مراجعة مدنى أو مجلس أخبار قومى . ولم توص بناشرين أو رؤساء تحرير ينتخبهم الجمهور. ولم تقترح أن تصبح الصحافة مسئولة، رسميا أو بطريقة غير رسمية، أمام أى جهاز حكومى أو مجتمعى. ولم تستعر من السويد اقتراح وجوب قيام الحكومة بدعم مؤسسات الأخبار التى توسع تنوع وجهات النظر المتاحة لجمهور القرّاء. ولم تقترح مؤسسات أخبار غير ربحية ( مثل إذاعة الخدمة العامة) أو مؤسسات أخبار خالية من الإعلانات (مثل مجلة MS).
صحافة الجمهور، فى كلمات أخرى، تقف بالقرب من تقديم نموذج رابع، لا تعتمد القوة فيه على السوق، ولا على الحزب، ولا على الصحفى، بل تعتمد فقط على الجمهور. لا شء فى صحافة الجمهور تبعد القوة عن الصحفيين أو عن المؤسسات التى يعملون بها. هناك وسائل تمنح الجمهور قوة أكبر فى الصحافة.
كتاب سياسة الأخبار والأخبار السياسية – تاليف دوريس جرابر ، دينيس ماكويل ، پيپا نوريس – صفحة ١٨٠
