هناك اختلاف كبير في الطريقة التي يتم بها تنظيم الصحافة المطبوعة والاعلام المرئي والمسموع في معظم الدول، وهذا يعود جزئيا إلى اختلاف الطرق التي يتم فيها توزيع المحتويات الاعلامية لهذين القطاعين. وفي هذا الإطار هناك اعتبار مهم يتعلق بتوزيع ترددات البث حيث أنها تقليديا كانت محصورة في مصادر محدودة وطنيا وبالتحديد موجات البث. ولذلك فإن المبررات لتنظيم البث المرئي والمسموع كانت مقبولة كضرورة لمنع انتشار الفوضي في موجات البث، ولأنه مطلب شرعي ان يتم تنظيم استخدام ما يعتبر حصرا ملكية عامة.
وقد استخدم هذين السببين لتبرير شكلين من أشكال تنظيم الاعلام المرئي والمسموع، وبالتحديد، ترخيص المؤسسات وتنظيم المحتوى.
غير أنه يتم هذه الأيام تحدي هذه المبررات بسبب التطورت الحديثة. ورغم أنه لا زال هناك حدود لهذه العملية، غير ان التقنيات الحديثة- بما في ذلك البث من خلال الكيبل أو البث الفضائي ومؤخرا البث الرقمي- قد ادت إلى تقليل ضغط الطلب السابق على طيف الترددات في كثير من البلدان. وهناك على الطريق أيضا تطور آخر هو البث عبر الانترنت، رغم أن هذا لازال في بداياته حتى في أكثر البلدان تقدما من ناحية تقنية، وهذا بالنتيجة يعني نقض حجة ومبرر تنظيم الاعلام المرئي والمسموع بسبب محدودية طيف الترددات والتي هي ملكية عمومية.
الترخيص
أقرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل واضح أن هناك حاجة لترخيص مؤسسات المرئي والمسموع، على الأقل فيما يتعلق ببيئة البث التقليدي الارضي:
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٧١
إذا أراد ١٠٠ شخص رخصة بث ولكن لا يوجد سوى ١٠ ترددات، فإنه قد يكون لجميعهم نفس «الحق» بالحصول على رخصة بث. ولكن إذا آردنا ضمان وجود تواصل وبث إذاعي فعال فإن يمكن منح الترخيص لقلة منهم بينما يتم حرمان البقية من البث. وسيكون مستغربا إذا قبلنا أن تمنع (ضمانات حرية التعبير) ، والتي تهدف لحماية عملية التواصل ومساندتها، الحكومة من اتاحة الفرصة لضمان أن عملية التواصل عبر الأثير فعالة من خلال مطالبة مؤسسات البث المرئي والمسموع في الحصول على ترخيص للعمل ومن خلال تحديد عدد الرخص الممنوحة لمنع ازدحام طيف الترددات.
وكما ذكر سابقا، فإنه من الضروري أن يتولى الاشراف على عملية الترخيص هيئة مستقلة عن الحكومة، وبغير هذا فإن هذه العملية لن تكون مهتمة بالدفاع عن الصالح العام، وبدلا من هذا، فإنها ستكون في صالح الحكومة القائمة.
وكما تمت الاشارة سابقا أيضا، فإن عملية الترخيص بالغة الأهمية من أجل ترويج التعددية في الارسال ودعمه، والمساهمة في ضمان التعددية يجب ان يكون الهدف الصريح لعملية الترخيص.
وبالإضافة إلى ضمان اهداف الاستقلالية والتعددية، من المهم ان تجري عملية الترخيص بشكل ديمقراطي، لضمان نزاهة العملية وعدالتها ومنح الجميع فرصة متساوية في الحصول على رخصة. وإضافة لهذا، فإن عملية الترخيص يجب ألا تكون معقدة أو مكلفة دون داع وخاصة للإعلام المجتمعي، وفي هذا الصدد أعلنت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان:
على الدول الأعضاء تحاشي فرض شروط ترخيص معقدة ورسوم مكلفة على الاعلام المرئي والمسموع، بما في ذلك الاعلام المجتمعي والمحطات التجارية. يجب ان تكون شروط الترخيص ورسومه معقولة وموضوعية، وواضحة، وشفافة، ولا تميز بين المتقدمين بطلب الترخيص، وتتوافق مع مضمون العهد. وعلى أنظمة الترخيص للاعلام المرئي والمسموع التي يتوافر لها امكانية محدودة مثل الترددات الارضية أو الخدمات الفضائية ان تمنح
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٧٢
الترخيص بشكل متساوي بين المحطات العمومية، والتجارية، والمحطات المجتمعية. وقد أكد اعلان الأمريكيتين على هذه الأفكار عندما صرح في المبدأ رقم ١٢ :
بجب أن تآخذ عملية منح التراخيص والترددات لمحطات الإذاعة والتفلزيون شروطا ديمقراطية تتيح الفرصة لجميع الأشخاص في الحصول على الترخيص.
وتأكيدا لهذا المبدأ، تضمن المبدأ ٢) ٥) للاعلان الأفريقي ما يلي:
على عملية منح التراخيص ان تتسم بالنزاهة والشفافية، ويجب ان تهدف إلى الترويج للتنوع في قطاع الاعلام المرئي والمسموع.
ومن أجل ضمان نزاهة عملية الترخيص وشفافيتها، يجب ان يتم توصيف علمية تقييم طلبات الترخيص بشكل واضع في قانون، على ان يتم تحديد الاطار العام في تشريع قانوني، ووضع التفاصيل المحددة في قوانين إضافية.
ويجب ان تتضمن هذه التشريعات في حدها الأدنى النقاط التالية:
جدول زمني واضح لكل خطوة من خطوات عملية الترخيص، بما فيه الموعد النهائي لتقديم الطلب والإطار الزمني الذي سيتم اتخاذ القرارات خلاله.
تفاصيل حول طبيعة عملية الترخيص، ويجب ان تكون هذه العملية مفتوحة وأن تسمح للمعنيين وللمواطنين المهتمين بالتقدم بطلبات ترخيص. كما ويجب ان تضمن التشريعات أن تقدم الجهة التنظيمية باسباب مكتوبة تبرر رفضها لطلب الترخيص، وتحدد بشكل واضح النص القانوني التي اعتمدت عليه في رفض الطلب.
وأن يحق للمتقدم بالطلب باستئناف قرار الرفض إلى الجهاز القضائي.
يجب ان تتضمن التشريعات مقدار رسوم الترخيص. ومن المألوف أن يكون هناك رسوما لمراجعة طلب الترخيص، مع انه من المتعارف عليه ان يتم اسقاط هذه الرسوم أو تخفيضها في حالة طلبات ترخيص الإعلام المجتمعي. كما أنه من المتعارف عليه ان تدفع مؤسسات الاعلام المرئي والمسموع رسوما سنوية لاستخدامها
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٧٣
الترددات، ويمكن ان تكون قيمة هذه الرسوم محددة في جدول واضع أو ان تخضع لمزاد علني. ومرة أخرى يجب ان تكون هناك قواعد مختلفة وأقل مشقة لمؤسسات الاعلام المجتمعي.
يجب ان يتم توضيح شروط تقييم التراخيص للطلبات المتنافسة بشكل مفصل وتضمينها في التشريعات. ومن الشروط المألوفة هي فيما إذا كان المتقدم بطلب الترخيص يمتلك الخبرة التقنية الضرورية، والمصادر المالية لتقديم البرامج المقترحة، وكذلك مساهمة مقدم الطلب في تعزيز التنوع والتعددية. وحينما يكون هناك شروطا تقنية ومالية للترخيص، يجب ان يتم توضيح هذه الشروط مقدما.
ولا تسمح معظم الدول الديمقراطية للأحزاب السياسية بالحصول على ترخيص مؤسسات اعلام مرئي ومسموع. كما تطلب معظم الدول الديمقراطية من هذه المؤسسات ان تتعامل مع القضايا الإشكالية في المجتمع بتوازن وحيادية (أنظر لاحقا) ، وهذا شرط ينفي فكرة وجود مؤسسة اعلام سمعي- بصري تابعة لحزب ما. كما وجرت العادة في الماضي أن تمنع المؤسسة الدينية من امتلاك مؤسسة بث سمعي – بصري، رغم أن هناك اتجاها حاليا للتخفيف من هذا الشرط بسبب تذليل الشرط الموضوعي المرتبط بقلة الترددات المتوفرة. وما عدا هذا، فإن فرض الحظر الشامل على منح تراخيص بسبب شكل المتقدم بطلب الترخيص أو طبيعته يمكن ان يمثل انتهاكا لحق حرية التعبير.
هناك شروط لمنح رخص البث المرئي والمسموع، ويمكن ان تكون هذه الشروط عامة أو شروطا خاصة مرتبطة بالرخصة. ويمكن ان تتضمن الشروط العامة مسائلا كالمواصفات التقنية، والتي تنطبق عادة على أنواع معينة من التراخيص، ومتطلبات ضرورية للالتزام بالوعود المقدمة في طلب الترخيص، قوانين متعلقة بحقوق المؤلف والملكية الفكرية، مدة الترخيص (وهذه عادة ما تكون مرتبطة بنوع الترخيص) ، ومتطلب الالتزام بمدونة السلوك، وأحيانا بشروط أخرى تتعلق بمحتويات المنتجات الاعلامية.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٧٤
