يعترف القانون الدولي بأن حرية التعبير ليست حرية مطلقة. رغم ذلك، فإن القانون الدولي الإنساني يفرض قيودا مشددة على أي تحجيم لحرية التعبير.
ويجب ان تتلائم هذه القيود مع الفقرة الثالثة من المادة ١٩ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي تنص على:
٣. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة ٢ من هذه المادة واجبات ومسئوليات خساصة، وعلى ذلك يجوز اخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
“. لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
ب. لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وهذا النص يفرض ثلاث محددات على تقييد حرية التعبير. وفي آخر تعليق للجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان على المادة ١٩ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي تبنته في شهر أيلول/ سبتمبر ٢٠٠٩ ، صرحت اللجنة بما يلي:
وضعت الفقرة (٣) ثلاثة شروط محددة، وأن القيود التي يمكن فرضها على حرية التعبير يجب ان تخضع لهذه المحددات: يجب ان تكون القيود «محددة بنص القانون»، ويجب ان تفرض على الارضية التي توفرها النقطة (أ) والنقطة (ب) من الفقرة ٣، كما يجب ان تمر عبر امتحان شديد حول ضرورة التقييد وتناسبه.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٧
أولا : يجب ان يكون تقييد حرية التعبير مستندا إلى القانون، أو أن يتم فرضه بما لا يتعارض مع القانون. وهذا يفترض ليس فقط ان التقييد يعتمد على نص قانوني، ولكن أن يتمتع القانون بدرجة عالية من الوضوح وإمكانية فهمه بسهولة. وعندما تتم صياغة القيود بشكل غامض ومشوش، فإنه يمكن تأويلها بطريقة تعطيها طيفا من المعاني المختلفة. وهذا يعطي السلطات صلاحية تطبيقها في حالات ليس لها علاقة بالهدف الأصلي للقانون أو الغاية الشرعية التي كانت تسعى لحمايتها. وبالنسبة لمن يخضع لهذه القوانين، فإن غموض صوصها يجعلها غير قادرة على التحديد بدقة نوعية الممارسات المحظورة.
وينتج عن هذا، أن هذه القوانين قد تفرض حظرا مرفوضا على حرية التعبير لأن الأفراد يبدأون بالابتعاد من المنطقة التي يمكن ان ينطبق عليهم قانون الحظر لتفادي الرقابة. وكما صرحت لجنة حقوق الإنسان:
فيما يتعلق بالفقرة (٣)، من أجل توصيف مبدأ على أنه “قانون” ، يجب ان تتم صياغته بدقة عالية ليتمكن الفرد من تنظيم ممارسته لحق حرية التعبير بما يتناسب مع هذه الصياغة، والتي يجب أن تكون في متناول جميع المواطنين. ويجب على القانون ألا يعطي الجهة المسئولة عن متابعة تطبيقه حرية فرض أغلال مقيدة لحرية التعبير. وعلى القوانين ان توفر ارشادات واضحة للجهات المسئولة عن متابعة تطبيقها لتمكنهم من اتخاذ احكام صحيحة حول طبيعة الاراء التي يمكن تقييدها وأي آراء لا ينبغي التعرض لها.
ثانيا : يجب ان يهدف التقييد إلى حماية واحد من الأهداف الشرعية التي تم ذكرها في المادة ٣) ١٩). وواضح من المفردات المستخدمة في المادة ١٩ ومن وجهة نظر لجنة الامم المتحدة لحقوق الإنسان بأن قائمة المسببات لتقييد الحرية محصورة بالأسباب التي تم ذكرها، وأن القيود المفروضة والتي لا علاقة لها باي من الأهداف الشرعية الواردة في النص تعتبر غير صالحة ومرفوضة:
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٨
لا يسمح بفرض قيود لأسباب غير مذكورة في الفقرة ٣، حتى وإن كان هناك أرضية تبرر فرض مثل هذه القيود على حقوق أخرى واردة في هذا العهد. ويجب أن يكون فرض القيود فقط لخدمة الاهداف التي تم وصفها في الفقرة ٣، ويجب ان تكون مرتبطة بشكل مباشر باحتياجات أو ظروف محددة وأن تكون هذه الاحتياجات والظروف معلنة سلفا.
ولا يكفي، للنجاح في امتحان قبول تقييد هذا الحق، ان تستند القيود المفروضة على حرية التعبير إلى جوانب عرضية لواحدة من الشروط المستوجبة لفرض القيود والواردة في نص الفقرة. ويجب ان يكون الإجراء المتخذ بتقييد الحق مرتبط مباشرة بهدف الفقرة.
ثالثا : يجب ان يكون التقييد المفروض ضروريا لتحقيق الهدف. وعنصر الضرورة هنا في امتحان قبول التقييد يفرض معاييرا عالية يجب على الحكومة الساعية إلى التقييد أن تبرر تدخلها تبعا له، وهذا ظاهر من الاقتباس التالي والذي قامت المحكمة الأوروبية باستخدامه مرة تلو المرة:
خضع حرية التعبير، المحصنة في الفقرة ١٠، لعدد من الاستثناءات ورغم هذا يجب تفسير هذه الاستثناءات بشكل ضيق جدا، ويجب أن يقدم تبرير مقنع لاي استثناء (يقيد حرية التعبير ) . ٢٨
وقد تم تحديد ثلاثة جوانب لهذا الجزء من الفحص. الأول، إن القيود يجب ان ترتبط بشكل منطقي مع الهدف الذي تسعى للترويج له، بمعنى أن هذه القيود يجب ان تكون مصممة بعناية لتحقيق الهدف المرجو وأنها غير مفروضة بشكل اعتباطي، ثانيا، يجب ان تلتزم الإجراءات بفرض أقل قدر من القيود على الحق بالتعبير (ويطلق على عملية خرق هذا الشرط احيانا اسم «التوسع)»).
ثالثا، يجب ان تتناسب القيود المفروضة مع الهدف الشرعى المبتغى تحقيقه.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٩
ويشمل فحص التناسب هذا مقارنة بين عنصرين هما التأثير المحتمل للقيد على حرية التعبير من جهة وتأثيره على تحقيق الهدف الذي تسعى الجهة فارضة القيد للوصول له من جهة أخرى.
وقد لخصت لجنة الامم المتحدة لحقوق الإنسان هذه الشروط كما يلي:
يجب ألا تكون القيود المفروضة متوسعة. وقد أشارت اللجنة في تعليقها العام رقم ٢٧ إلى «وجوب أن تلتزم الإجراءات المقيدة بمبدأ التناسب، وأن تكون ملائمة لتحقيق هدف الحماية المرجو منها، ويجب أن تكون اقل الأدوات المطروحة صرامة من ناحية تقييدها للحرية، ويجب ان تكون متناسبة مع المصالح التي تبغي حمايتها… ويجب احترام مبدأ التناسب ليس فقط في النص القانوني الذي يحدد اطار التقييد ولكن ان تلتزم به ايضا السلطات الإدارية والقضائية التي تقوم على تطبيق القانون». وبحسب مبدأ التناسب يجب ايضا الاخذ بعين الاعتبار نوع التعبير موضوع التقييد وكذلك ادوات نشره وتوزيعه. على سبيل المثال، يولي العهد الدولي قيمة كبيرة بشكل خاص لعدم تقييد حرية التعبير في إطار النقاش العام حول الشخصيات العمومية او السياسية في المجتمع الديمقراطي.
وعندما تقوم احد جهات الدولة باستخدام الأرضية القانونية (المنصوص عليها في العهد ) لتقييد حرية التعبير، يجب ان تثبت بشكل واضح ومحدد طبيعة التهديد الذي تخشاه، وضرورة الإجراء الذي تنوى اتخاذه وتناسبه مع الهدف. وعليها بشكل خاص أن تثبت وجود رابط مباشر وفوري بين حرية التعبير والتهديد الذي تدعيه.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٢٠
