إن هذه مساحة تشريعية معقدة، وكل نوع من أنواع القيود المفروضة على حرية التعبير له سماته الخاصة. وقمنا فيما يلي بتحديد وتوضيح المعايير الدولية المتعلقة بنوعين من القيود المفروضة على حرية التعبير وهما حماية السمعة (قوانين التشهير) ، والخصوصية. والمبدأ الدولي الأساسي المعترف به عالميا في هذا الإطار هو أنه عندما يوفر القانون المدني حماية كافية، فإنه من غير الضروري اللجوء إلى القانون الجنائي لحماية المصالح.
١. التشهير
إن حماية السمعة من خلال قوانين التشهير هي من القضايا التي يعتبر من غير الضروري اللجوء إلى استخدام القوانين الجنائية للتعاطي معها، بالرغم من وجود قوانين تشهير جنائية لا زالت قائمة في كثير من البلدان. وكما اشارت لجنة الامم المتحدة لحقوق الإنسان:
إن مسالة فرض العقوبات على المؤسسات الاعلامية، والناشرين، والصحفيين لسبب وحيد هو أنهم ينتقدون الحكومة أو النظام السياسي والاجتماعي الذي تدعمه الحكومة لا يمكن على الاطلاق ان يتم قبولها على أنها تقييد ضروري لحرية التعبير.
على مؤسسات الدولة ان تأخذ بعين الاعتبار اسقاط تجريم التشهير من قوانينها، وفي كل الأحوال، فإنه يجب ألا يتم اللجوء إلى القوانين الجنائية لمحاكمة شكاوي التشهير إلا في
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٩٨
أكثر القضايا جدية، كما أن فرض عقوبات بالسجن في قضايا التشهير لا يمكن ان تكون عقوبة مقبولة. ١٤٠
وفي تصريح المفوضون الدوليون حول حرية التعبير سنة ٢٠٠٢ كان موقفهم أكثر وضوحا:
يعتبر تجريم التشهير تقييدا غير مبرر على حرية التعبير، يجب ان يتم اسقاط كل قوانين التشهير، وان تستبدل حيثما يكون ضروريا بقوانين تشهير مدنية ملائمة. !١٤
هناك عدد كبير من قضايا التشهير التي تم النظر فيها في المحاكم الدولية، ويمكن استنتاج عدد من المباديء من هذه القضايا ومن التصريحات والمواقف الصادرة عن المؤسسة الدولية ذات الصلاحيات. وفي تعليق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سنة ٢٠١١، صرحت اللجنة:
يجب ان تتم صياغة قوانين التشهير بعناية لضمان التزامها بالفقرة ٣، وبانها لن تستخدم من الناحية العملية من أجل تقييد حرية التعبير. ويجب على جميع هذه القوانين، وخاصة القوانين الجنائية للتشهير، أن تشتمل على حمايات مثل حماية الحقيقة ويجب آلا يتم طبيقها على اشكال التعبير التي لا يمكن، بسبب طبيعتها، إخضاعها لعمليات الاثبات.
وخاصة فيما يرتبط بالتعليقات على الشخصيات العمومية، يجب ايلاء الاهتمام لتفادي ايقاع عقوبات على اشخاص او اعتبار تصريحاتهم المنشورة والتي ثبت عدم صحتها مخالفة للقانون اذا ما كان نشرها خطأ غير مقصود فيه التشهير. وفي كل الأحوال، فإنه من الواجب الاعتراف بان الصالح العام في قضية النشر هو دفاع مقبول. يجب على الدول ان تلتزم بتحاشي تبني إجراءات صارمة أوعقوبات مغلظة. وعلى الدول أيضا ان تضع حدودا معقولة، عندما يكون هذا ممكنا، على القرارات التي تفرض على المتهم تعويض كامل التكاليف للمشتكي.
كما ويساند الإعلان الإفريقي فكرة أنه يجب ألا تكون العقوبات مفرطة. وفيما يتعلق بالشخصيات العمومية، فإن الاعلان يضع فحصا مختلفا بعض الشيء
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٩٩
ويطالب بالدفاع عن النشرة المعقولة والمنطقية.١٤٢ ونجد في الاعلان المشترك للمفوضيين الدوليين بحرية التعبير لسنة ٢٠٠٠ ، اكثر الفقرات تفصيلا حول معايير قوانين التشهير، والتي تنص على:
على قوانين التشهير ان تلتزم بالحد الأدنى من المعايير التالية:
يجب الاخذ بعين الاعتبار اسقاط القوانين الجنائية المتعلقة بالتشهير واستبدالها بقوانين مدنية بما يتوائم مع المعايير الدولية المتعلقة بهذه القضية.
يجب منع الدولة، والعلم، والرموز، ومؤسسات الدولة، والسلطات العامة بجميع انواعها من التقدم بشكاوي تشهير.
• على قوانين التشهير أن تعكس في نصوصها أهمية الحوار المفتوح حول القضايا التي تهم العموم، وأيضا مبدأ القاضي بأنه على الشخصيات العامة ان تقبل درجات من النقد أعلى من تلك المقبولة للمواطنين. وينبغي على الأخص الغاء القوانين التي توفر حماية خاصة للشخصيات العمومية مثل “قوانين التحقير”.
تقع على مسئولية الشخصية العمومية المشتكية ان تثبت خطا الخبر المنشور والمتعلقة بحقائق تهم المواطنين.
يجب ألا يعتبر أي شخص مذنبا، في إطار قانون التشهير بسبب التعبير عن رأيه.
فيما يتعلق بالتصريحات المتعلقة بقضايا تهم الشآن العام، عندما يتم إظهار أن المنشورة كانت منطقية في طريقة عملها وتعاملها في سياق الظروف التي تحيط بالقضية، يجب ان يقبل هذا كدفاع عن النشر.
ينبغي آلا تكون العقوبات المدنية على التشهير كبير جدا بحيث تؤدي إلى لجم حرية التعبير، ويجب ان تكون مصممة لترميم السمعة التي تضررت، وليس تحقيق أرباح للمتضرر أو لعقاب المتهم. وبشكل خاص، يجب تحديد الأحكام المالية لتتلائم مع الضرر الحقيقي الذي حدث. وعلى القانون أيضا ان يضع في سلم اولوياته استخدام مدى واسعا من الأحكام غير الغرامات المالية.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٠٠
ونجد مرة أخرى القلق من التشهير الجنائي، والحماية غير المبررة للشخصيات العمومية، والعقوبات المغلظة، وأيضا المطالبة بالدفاع عن الحقيقة وعن المنشورات المنطقية، والتي يمكن ان تنطبق بشكل فضفاض على كل التصريحات المتعلقة بقضايا تهم المواطنين، وليس فقط على التعليقات المرتبطة بالشخصيات العمومية. كما يرفض التصريح السابق أيضا قبول التشهير في قضايا الدفاع عن الرموز أو المؤسسات العمومية، ويطالب بحماية مطلقة للتعبير عن الاراء.
٢. الخصوصية
هناك معياران دوليان يرتبطان بمسألة الخصوصية. الأول، يجب تعريف المفهوم بطريقة ملائمة. وفي المقال الريادي الذي ألفاه “وارين وبرانديز سنة ١٨٩٠ ، عرفا الخصوصية على أنها “الحق بأن يترك الشخص بحاله” .
وقد تحاشت المحاكم الدولية عادة محاولة تعريف المفهوم. فقد صرحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على سبيل المثال: (لا تعتبر المحكمة أنه من الممكن أو الضروري أن تحاول وضع تعريف شامل لمسآلة «الحياة الخاصة». ١٤٦ وفي كل الأحوال، يجب ان تعرف الخصوصية بشكل ضيق عندما تتعارض مع حرية التعبير لطرف ثالث. على سبيل المثال، تستثني الكثير من قوانين الحق بالحصول على المعلومات، كل المعلومات المتعلقة بالمهام المتعلقة بعمل الشخصية العمومية ونشاطاتها من الإستثناءات المشمولة بالخصوصية.
ثانيا ، والأكثر أهمية، فإنه عندما يتضارب الحق بحرية التعبير مع الخصوصية، على اصحاب القرار بما في ذلك المحاكم، أن يأخذوا بعين الاعتبار المصلحة العامة بمعناها الواسع عند اتخاذ قرار بين حفظ الخصوصية أو السماح بالتعبير. وتم التعبير عن هذه القضية في المبدأ (٩) لإعلان الأمريكيتين، والذي نص على:
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٠١
يجب على قوانين الخصوصية ألا تمنع أو تقييد التحري عن معلومات تهم الصالح العام ونشرها.
وقدمت المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان تفسيرا مفصلا بشكل معقول للمباديء التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند إجراء الموازنة ما بين حرية التعبير وحماية الخصوصية.
أولها هو درجة مساهمة المادة المنشورة في الحوار حول قضية تهم الصالح العام، وهذا يعتمد على مجموعة من الظروف والأحوال. والعناصر الأخرى التي ذكرتها المحكمة، تبدو إلى حد ما كأنها تفصيل وتوضيح للمبدأ الأول، ويتضمن معيار الصالح العام ما يلي:
درجة شهرة الشخص المذكور وموضوع التقرير.
الممارسات والتصرفات السابقة للشخص المذكور.
محتوى النشرة، وشكلها، والتبعيات المترتبة على النشر.
الممارسات في المنطقة
لازالت المقاربة المنتشرة في العالم العربي فيما يتعلق بتقييد المحتوى هو مقاربة جنائية بالدرجة الأولى، وتأتي القيود المدنية في المرتبة الثانية بفارق واضح. وهناك محاولات على مستويات عالية في عدد من دول المنطقة بمن فيها الكويت، والأردن، ومصر تهدف إلى اسقاط بعض الفقرات التي تنص على عقوبات جنائية أو معظمها من قوانين الصحافة والإعلام. ورغم أن هذه المحاولات مرحب بها، إلا انها في النهاية ليست مفيدة بشكل جوهري طالما بقيت هناك نصوص قانونية في قوانين أخرى تتضمن عقوبات جنائية والتي يمكن تطبيقها على الاعلام.
ولا زال التشهير، على وجه الخصوص، يعتبر جريمة جنائية في كل المنطقة،
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٠٢
قلة قليلة من الأنظمة المدنية للتعامل مع قضايا التشهير، هذا إن لم تكن معدومة. وفي كل من دول المنطقة، توجد هناك قوانين تشهير جنائية توفر حماية خاصة للمسئولين. ومن المألوف ان يكون في هذه الدول التي تحكمها أنظمة ملكية، قوانين تكفل لهم حماية خاصة من أي انتقاد. وانتقاد العائلة المالكة هو عمليا خط أحمر في كثير من دول المنطقة. ومثال على هذا هو قانون الصحافة والمطبوعات الكويتي لسنة ٢٠٠٦ ، وهو من أقل القوانين قمعا للصحافة في المنطقة، إلا أن يمنع انتقاد الأمير، ورغم هذا فإن القانون يقر عدد من الحمايات والضمانات المهمة للاعلام. وهناك منعا مشابها نجده في قانون الصحافة والمطبوعات البحريني لسنة ٢٠٠٢.
أما في لبنان، وبحسب المادة ٣٨٧ من قانون العقوبات، فإنه يعتبر دفاعا مقبولا لتهمة التشهير لشخصية عمومية إذا ثبتت صحة الخبر المقال المنشور. وقد قبلت المحاكم في بعض الحالات بشكل مشابه الدفاعات التي تعتمد على وجود قضية صالح عام للموضوع المنشور. ورغم ذلك، فإنه لا يتم تطبيق القانون بشكل متناسق وخاصة في القضايا المتعلقة بالرئيس والجيش.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٠٣
هناك حماية محدودة للخصوصية في المنطقة. لا توجد قوانين حقيقية لحماية البيانات إلا في المغرب وتونس، ومع ذلك فإن دبي وقطر تمتلكان انظمة محدودة لحماية البيانات تنطبق على مراكزها المالية. كما تعترف دول المنطقة الثلاث التي تمتلك قوانين حق الحصول على المعلومات، وبالتحديد الأردن، وتونس، واليمن، بأن الخصوصية هي استثناء لحق الحصول على المعلومات. ولا يوجد سوى قليل من الاحكام والاراء القانونية التي تنظر في حرية التعبير والخصوصية ، وهذا عائد بشكل أساسي إلى درجة الالتزام الكبيرة للاعلام بمسألة الخصوصية.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ١٠٤
