وعلى الاعلام السمعي البصري في معظم الدول الديمقراطية ان يحترم مجموعة من المعايير المتضمنة في مدونة سلوك يتم تطويرها اما من خلال آلية تنظيم ذاتي مؤسسة بقانون او بشكل مختلط ( تنظيم بقانون مع تنظيم ذاتي) . وتتعامل هذه المدونة، بشكل مشابه لمدونة السلوك للصحافة المطبوعة، مع طيف من القضايا وعادة ما تكون هذه المدونات أساسا ومرجعية لآلية الشكاوى. والفرق بين الاعلام السمعي البصري والصحافة المطبوعة هو أن هذه المدونات هي أيضا مرجعية بحد ذاتها للرقابة على الاعلام السمعي البصري من قبل هيئة التنظيم. والفرق الآخر بينهما هو أن العقوبات التي يمكن تطبيقها على الاعلام السمعي البصري تتراوح من عقوبات بسيطة مثل الانذار والطلب من المؤسسة الاعلامية بان تبث رسالة تعترف فيها بأنها قد خالفت مدونة السلوك إلى عقوبات أكثر قوة مثل فرض غرامات وتصل إلى حد سحب ترخيص المؤسسة.
وأحد الامثلة الجيدة لآلية التنظيم المختلطة موجودة في دولة جنوب افريقيا، حيث تمتلك الهيئة التنظيمية المؤسسة بقانون (إكاسا ) الشرعية الرسمية لتنظيم الاعلام السمعي البصري، ومع هذا فقد منح التشريع هذه الهيئة الصلاحية الرسمية للاعتراف بهيئات رقابية أخرى. ونتيجة لهذا وبشكل عملي تقوم
١.٧ ” هيئة شكاوي الاعلام السمعي البصري لجنوب افريقيا (بكسا)”٠٨” بتولي مسئولية تنظيم المحتويات الاعلامية. وقد قامت على تأسيس بكسا سنة ١٩٩٣ الجمعية الوطنية لمؤسسات الاعلام السمعي البصري (ان بي اي) ؟ وهي الجمعية التي تمثل الاعلام السمعي البصري، ومع أن
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٧٨
القطاع في كل المنطقة.
وفي مصر على سبيل المثال، نجد ان اجراءات ترخيص الاعلام المرئي والمسموع هي من صلاحية الهيئة العامة للاستثمار، وهي غير مصممة بشكل خاص لتلائم وضع وظروف قطاع المرئي والمسموع. ونتيجة لهذا، فإن للهيئة العامة للاستثمار، وهي جسم خاضع لسيطرة الحكومة، سلطات واسعة لرفض أو قبول طلبات الترخيص. وفي الاردن نجد وضعا مشابها حيث يتحكم مجلس الوزراء بصلاحيات واسعة بمنح او حجب التراخيص. حيث يسمح لهم القانون باتخاذ قراراتهم دون توضيح الأسباب، وقد ساند القضاء هذه الصلاحيات الممنوحة لمجلس الوزراء برفض منح ترخيص مؤسسات اعلامية ستندا إلى أساس غير واقعي بأن هذه القرارات هي من أجل المصلحة العامة.
أما من ناحية تنظيم محتويات البث الاعلامي، فلا توجد في بلدان العالم العربي متطلبات حول ضرورة بث محتويات اعلامية لمنتجين مستقلين، أو حتى متطلبات متعلقة بالالتزام بيث حد أدنى من المواد الاعلامية ذات مضمون محلي. وفي نفس الوقت، فإن تفضيل الوسائل الاعلامية للبرامج العربية هي من الادوات الناجعة في ضمان نسبة معقولة من البرامج ذات المحتوى الإقليمي.
كما انه ليس مألوفا للقطاع السمعي البصري في المنطقة التعامل مع مسألة تنظيم المحتويات الاعلامية من خلال مقاربات تنظيم تشاركية او مختلطة، حتى أن التنظيم القانوني لمحتويات البث السمعي البصري بالشكل الموجود في بلدان أخرى حول العالم والذي تم وصفه سابقا هو بشكل عام غير متعارف عليه في المنطقة. ولا تمتلك معظم الدول أنظمة للشكاوي الصحفية، والتي يمكن للمواطنين الذين يشعرون بأنه قد تم انتهاك حقوقهم من قبل محطة بث اذاعي او تلفزيوني ان يتوجهوا إلى جسم يشرف على هذه القضايا لاتخاذ قرار حول القضية.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٧٩
وبدلا من هذا، نجد في كثير من البلدان العربية خطوطا حمراء غير مكتوبة تنظم المحتويات الاعلامية المتعلقة بالقضايا السياسية والاجتماعية. وقد يتم التطرق لهذه المعايير احيانا في رخص محطات البث أو حتى في اتفاقيات التوزيع، على سبيل المثال اتفاقية التوزيع على الكابلات او الأقمار الصناعية.
وتواجه محطات الارسال التي تتجاوز هذه الخطوط الحمراء تبعيات متنوعة بما في ذلك عدم تجديد رخص البث وضغط مباشر من قبل السلطات الذي يأخذا أشكالا متنوعة منها حجب الإعلانات. ففي كثير من دول المنطقة يعتمد حصول محطات البث على إعلانات تجارية بشكل مهم على دعم الحكومات للمحطات أو على الأقل عدم معارضتها لها. وهذا ناتج عن أن الحكومات في المنطقة هي ذاتها من المعلنيين الكبار بحكم العلاقة الوطيدة بين الحكومات والأعمال التجارية الكبيرة، وهذا يعني ان للحكومات قدرة تأثير كبيرة على قرار هذه الشركات التجارية الكبيرة في مكان نشر إعلاناتها.
هناك عدة أمثلة في المنطقة على مدونات سلوك اعلامي يتم تطبيقها على محطات البث المرئي والمسموع، مثل المدونة التي تم تطويرها في اتحاد الاذاعة والتفلزيون المصري، مؤسسة البث العمومي في مصر. ولكن في هذه الحالة، فإن تطبيق المدونة يعتبر، في أفضل الأحوال، غير منتظم. ولا يمكن التعامل مع هذه المدونة على أنها توفر مجموعة من المعايير المهنية للبث بأي حال أو معنى.
الاستثناء الوحيد في المنطقة هو العراق، حيث اصدرت هيئة الاعلام والاتصال مجموعة من المعايير ومدونات السلوك التي تتعاطي مع عدد من قضايا البث السمعي البصري بما في ذلك ترخيص المؤسسات الاعلامية، الممارسة المهنية، قضايا تتعلق بالمحتوى (مثل الدقة، والتوازن، والتغطية الاعلامية أثناء الانتخابات، والتحريض على الكراهية) ، وكيفية التعاطي مع الشكاوي الاعلامية.
المعايير الدولية و قوانين الاعلام في العالم العربي – مركز القانون و الديمقراطية – صفحة ٨٠
