أولا:-التخفيف من حدة الصراع الاجتماعي داخل المجتمع والتقليل من أعراض الاغتراب.
ثانيا :-التقليل من شأن النظم الاجتماعية والاقتصادية البديلة للنظام
الرأسمالي.
ثالثا:- تحقيق أكبر قدر من الأرباح على أساس أن وسائل الإعلام مشروعات تجارية أيضا .
ويلخصون رؤيتهم في أن وسائل الإعلام في الدول الرأسمالية تعتبر أدوات هامة لتحقيق الأرباح من ناحية وللتحكم في الوعي القومي الاجتماعي بهدف المحافظة على الأوضاع القائمة من ناحية أخرى. وعند الانتقال إلى النظام الإعلامي في العالم الثالث فهم يرون أن النظم الحاكمة في الدول النامية تواصل نفس الدور بمساندة الشركات المتعددة الجنسية في احتكار وسائل الإعلام وتسخيرها لخدمة مصالحها، وحرمان القطاعات الشعبية من حقوقها الإعلامية. أما بالنسبة للمستوى الدولي فيرى لورد نسترن و زملاؤه أن وسائل الإعلام الدولية تصبح أدوات للإعلام والدعاية عن مصالح النخب الحاكمة سواء في المجتمعات الرأسمالية أو النامية. ولا تعبر عن هموم شعوبها أو آمالها وطموحاتها. ولذلك أصبحت دول العالم الثالث أسواقا للمنتجات الإعلامية لدول الغرب الرأسمالي. حيث قام بتصدير قيمته وتناقضاته بهدف ترويج سلعة ومنتجاته الاقتصادية والعسكرية والثقافية.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٣٦
يتدفق الإعلام في اتجاه واحد من الحكام الذين يسيطرون على وسائل الإعلام إلى الجماهير أي في اتجاه رأسي دون وجود أدنى هامش أو أفق للإعلام على المستوى الأفقي.
تقتصر حرية التعبير على هؤلاء الذين يملكون أو يمولون وسائل الإعلام وأنصارهم. وذلك رغم ما تنص عليه الدساتير في دول العالم الثالث من احترام وتقديس حرية الفكر والتعبير.
وسائل الإعلام ليست أداة لعرض اتجاهات الرأي العام ولا تخضع لأي نوع من الرقابة الشعبية.
مفهوم الإعلام الذي يستخدم لخدمة الأغراض التجارية والرقابة السياسية هو الذي يسود وترجح كفتة على مفهوم الإعلام الموضوعي غير المتحيز.
هذا وقد قدم كل من الباحثين راكيل ساليناس ولينا بالدان إسهاما بارزا في قضية الاستعمار الثقافي في الدراسة التي نشرت بعنوان (الثقافة في إطار التنمية التابعة) فقد أوضحا أن الشركات المتعددة الجنسية قد تمنح الفرصة للتصنيع لبعض دول الهامش في العالم الثالث، ولكن في إطار التنمية الرأسمالية التابعة. وبناء على ذلك تنمو الطبقات الوسطى المحلية التي تتشبع بالمؤثرات الثقافية لدول المركز. بينما تزداد هامشية الطبقات الشعبية. وينتج عن ذلك ازدياد التصاق ثقافة النخبة الحاكمة بالثقافات الأجنبية المنتمية إلى دول المركز، ويتولد منهما ما يسمى بالتجانس الثقافي الذي يواصل دوره في العمل على تجريد الشخصية القومية من مقوماتها الإنسانية والتاريخية وتسطيحها إلى المدى الذي يجعلها تتوافق مع مجموعة الأهداف والمصالح التي تحكم شبكات التوزيع والتسويق الإعلامي والثقافي التي تديرها الشركات المتعددة الجنسية.
وعند محاولة تطبيق الإطار النظري للتبعية الاقتصادية على المجال الثقافي والإعلامي نلاحظ وجود رؤيتين: الأولى ترى أن الاستعمار الثقافي والإعلامي يمثل جزءا من وحدة أو إطار أشمل، وأن المنتجات الإعلامية مثل البرامج التليفزيونية تعامل معاملة السلع الأخرى، إذ يطبق عليها قانون التبادل السلعي مثل سائر السلع والمنتجات المادية. ويتبنى هذه الرؤية معظم كتاب التبعية الثقافية والإعلامية وعلى الأخص شيللر ونورد نسترنبم ولينا
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٣٧
وساليناس وفاريس. أما الرؤية الثانية فهي تنظر إلى الاستعمار الثقافي كبناء مستقل بدرجة تزيد أو تقل عن أبنية التبعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع مراعاة عدم انفصاله عنها ووجود علاقة تفاعل دائمة بينه وبين هذه الأبنية ككل. ويتبنى هذه الرؤية كل من ماثل آرث وسيميحلوب وتران فان أدنا. ويركز أرمان ماثل أرت اهتمامه على محاولة تحديد خصائص الاستعمار الثقافي الذي يتغير في الشكل والمضمون طبقا لمراحل الغزو والتوسع الاستعماري في العالم الثالث. كما أنه يتكيف طبقا للواقع الوطني وطبيعته في كل منطقة. ويرى ماثل أرت أن الشركات المتعددة الجنسية التي تعتبر أداة للتغلغل الاقتصادي والدعاية الأيديولوجية قد بدأت تمارس المهام التي كانت تقوم بها في الماضي الحكومات الاستعمارية. وبجانب المهام الجديدة التي تقوم بها هذه الشركات هناك مهام أخرى تقوم بها أجهزة الدولة. ولا بد من توضيح الملامح التي تحدد العلاقة بين هذه الشركات وبين جهاز الدولة في العالم الثالث. ويولي ماثل أرت أهمية خاصة للعامل الثقافي والأيديولوجي ويرى أنه إذا لم يحق لنا أن نبالغ في أهمية هذين العاملين على حساب الصراعات الأخرى وخصوصا الصراع الاقتصادي والاجتماعي فإن استراتيجية التدخل السياسي غير المباشر من جانب القوى الاستعمارية تعتمد إلى حد كبير على الحرب الأيديولوجية والثقافية. ويرى أنه من أجل تحديد مفهوم الاستعمار الثقافي (١) علينا أن تحاول أولا تحديد معنى الثقافة الوطنية. وهذه لا يمكن تحديدها إلا في ضوء فهمنا وتحليلنا لطبيعة العلاقة بين البرجوازيات المحلية الحاكمة في العالم الثالث والاستعمار العالمي ككل ويرى أن المفهوم العلمي للثقافة الوطنية السائدة أنها الثقافة التي تديرها وتتحسن فيها الطبقة المحلية الحاكمة في عصر تعدد الجنسيات والتي يجب أن تضمن استمرار تبعية هذه الطبقة للولايات المتحدة الأمريكية وتتضمن في ذات الوقت استمرار هذه الطبقة في السلطة. ولا يؤمن ماثل أرت بالأساليب الشائعة في قياس الاستعمار الثقافي بحجه المنتجات الثقافية المستوردة. إذ يرى أن الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة تنتج النماذج الثقافية وعلى الحكومات المحلية في دول العالم، الثالث أن تقوم بتقليد هذه النماذج وتكييفها طبقا للواقع الوطني، مثل الأفلام والمسلسلات التليفزيونية والريبورتاجات الصحفية كما تقوم
الحكومات المحلية بخلق المناخ الثقافي المناسب والشروط الاجتماعية والفكرية الملائمة لتغلغل الأنماط الأجنبية في الثقافة والقيم في ثوب لا يكشف حقيقتها بشكل سافر. ويستشهد على ذلك بعدة مؤثرات أولها يتعلق بتطوير وتحويل أجهزة الدعاية التابعة للحكومة الأمريكية والمقصود بها المراكز الثقافية الأمريكية في العالم الثالث وثانيها ترويج التكنولوجيا الحديثة للاتصال بما يسمح للغزو الثقافي بالتغلغل بل والتوسع داخل أجهزة التعليم والثقافة دون ضجيج وثالثها مراكز البحوث ونظم التعليم الأمريكية.
وفي النهاية لا بد أن نتعرض بشيء من التفصيل للإسهامات التي قدمها هربرت شيللر في إطار مدرسة التبعية الإعلامية والثقافية. وقبل أن نشير إلى هذه الدراسات لا بد أن نوضح أن الجهد الذي قدمه شيللر وتلاميذه في هذا المجال قد تم لمواجهة ذلك الفيض الهائل من الكتابات الامريكية عن الإعلام وعلاقته بالتنمية والتحديث وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. تلك الدراسات والكتابات التي حاولت التركيز على الدور المؤثر الذي يمكن أن تقوم به وسائل الإعلام في تثقيف الشعوب النامية وحثها نحو انتهاج نفس الطريق الذي سلكته الدول المتقدمة. وبذلك تصبح هذه الدول مثلا أعلى تتعلق به أنظار وطموحات الدول الفقيرة، ويصبح دور الإعلام هو نقل هذه الشعوب من النمط التقليدي إلى التحديث أي الحياة وفقا للنمط الغربي من خلال حثها على نبذ الأساليب التقليدية وترغيبها في الأنماط الاستهلاكية التي تسؤ المجتمعات الغربية المتقدمة.
وقد تبنى هذا الاتجاه مجموعة من أساتذة معهد ماساشوستسي التكنولوجي وهم دانيل ليرنر وفردريك فراي داثيل دي سولا بول ولوسيان باي. وهم يرون أن التنمية في دول العالم الثالث لن تتحقق إلا بزيادة التعمير ونشر التعليم إلا مما يؤدي إلى زيادة استخدام وسائل الإعلام وإلى زيادة مستويات الدخول لدى الأفراد وبالتالي تزداد المشاركة السياسية للمواطنين. وبهذا يعن الرخاء الاقتصادي وتتغير صوره الدول النامية لدى أمريكا وحلفائها من الدول الغربية. وتعتبر نظرية ليرنو في الإعلام والتنمية أكثر النظريات شيوعا وتدرس في جميع معاهد الإعلام بالعالم الثالث.
والواقع أن هؤلاء المنظرين قد حاولوا أن يفرضوا على دول العالم الثالث نماذج التنمية الرأسمالية التي أدت إلى تعميق التبعية للغرب سواء من
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٣٩
الناحية الاقتصادية أو الثقافية. إذ أصبحت هذه الشعوب في حالة عجز مطلق وانتظار دائم للمعونات التي تأتيهم من الغرب سواء في شكل معونات اقتصاد وتكنولوجية. أو أفكار وقيم وثقافات مما أدى إلى انتشار الإحباط بين شعوب العالم الثالث ودفعهم إلى اليونسكو باعتبارها منبرا عالميا للثقافة حيث طالبوا بضرورة إرساء قوة جديدة وأسس لنظام عالمي جديد لضمان المحافظة على ثقافاتهم القومية من خلال التبادل المتكافئ بين ثقافاتهم، والثقافات الأخرى.
وفي إطار هذا السياق تبرز أهمية الإسهامات الفكرية والعلمية التي قدمها البروفيسور الأمريكي هربرت شيللر في مجال التبعية الإعلامية والثقافية. يرى شيللر أنه (إذا كان الاقتصاد العالمي المعاصر يسعى إلى تعزيز سيطرته من خلال تحالف رأس المال العالمي وتحطيم، الحواجز القومية وتوحيد السوق العالمية فإن القضية في المجال الثقافي تصبح كيفية توظيف الإعلام والثقافة في مجتمعات العالم، الثالث لخدمة هذه الأهداف أي ترسيخ تبعيتها الاقتصادية بوضع إمكانياتها الثقافية والإعلامية في خدمة مصالح رأس المال العالمي وأجهزته وتحويل العالم، إلى قرية اتصالية شديدة الترابط)(2)
ويوضح شيللر أفكاره حول الاستعمار الإعلامي فيقول (إنه جهد منظم وواع تقوم به الولايات المتحدة من خلال تنظيماتها الاقتصادية والعسكرية والإعلامية من أجل الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والسياسي والعسكري).
ويرى أن وسائل الإعلام هي امتداد للإمبراطورية الأمريكية التي بدأت نتشر عالميا بعد الحرب العالمية الثانية حيث وجدت مجالا مفتوحا في الدول الحديثة الاستقلال في العالم الثالث. ويستشهد على السيطرة الثقافية الأمريكية بالبرامج التليفزيونية التي غزت بها أمريكا معظم، دول العالم ومنها بعض الدول الاشتراكية بحيث إنها جعلت الدول تأخذ موقف الدفاع عن هويتها الثقافية في مواجهة الغزو الثقافي الأمريكي.
وفي عام 1976 طور شيللر آراءه عن الاستعمار الثقافي والإعلامي حيث ركز على التكنولوجيا والشركات المتعددة الجنسية وندد بكل أشكال الغزو الثقافي الغربي مثل السياحة والتكنولوجيا الإعلامية وبرامج التدريب ومناهج
التعليم الإعلامي.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٤٠
