لقد اتضح لنا مما سبق عرضه من كتابات وتوجهات مدرسة التبعية سواء في المجال الاقتصادي والاجتماعي أو في المجال الثقافي والإعلامي أنه لا توجد نظرية واحدة عن التبعية. وإنما توجد بعض المداخل والتحليلات التي تشكل في مجموعها ما يمكن أن نطلق عليه (مدرسة التبعية). ولقد اتفق كتاب التبعية على مجموعة من الحقائق الجوهرية تتناول تحليل ظاهرة التخلف والتنمية في إطار تاريخي ومن وجهة نظر مختلف العلوم الاجتماعية
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٤٢
التركيز على السمة السياسية الاجتماعية للعلاقات الاقتصادية.
وقد أجمع كتاب التبعية على حقيقة محورية مؤداها : أن تخلف العالم الثالث أو تبعيته بمعنى أدق للعالم الرأسمالي المتقدم إنما يرجع إلى خضوعه للسيطرة الاستعمارية التي استمرت عدة قرون. وقد تشكلت الأنظمة السياسية والأوضاع الاجتماعية الثقافية في دول العالم الثالث من خلال وضعها كمجتمعات تابعة داخل النسق العالمي. وكذلك حاول كتاب التبعية إرجاع أسباب هذا التخلف إلى عوامل خارجية أكثر من تركيزهم على العوامل الداخلية. وقد يرجع إسرافهم في التركيز على العوامل الخارجية إلى محاولتهم الرد على النظريات الليبرالية حول التخلف والتنمية، والتي حاولت تفسير ظاهرة التخلف في العالم الثالث بإرجاعها إلى أسباب عنصرية (تخلف الوعي والقدرات العقلية المحدودة لدى شعوب العالم الثالث) أو أسباب طبيعية وجغرافية (المناخ الاستوائي وقلة الموارد الطبيعية) أو غياب الشروط اللازمة للتنمية.
والخلاصة أن هذه النظريات قد عمدت إلى تجاهل عاملين أساسيين قي تحليلها لظاهرة التخلف. أولهما العنصر التاريخي. وثانيهما عنصر التفاعل والتأثير المتبادل بين الظاهرة الاستعمارية والواقع الاجتماعي التقليدي الخاص في مجتمعات العالم الثالث. ولذلك جاءت تفسيراتهم لا تاريخية، كما تتسم بالثبات والسكون. واكتفت هذه النظريات بتوصيف ظاهرة التخلف دون محاولة التوصل إلى شرح أسبابها الحقيقية. ففي مقابل الاتجاهات النظرية السابقة ظهرت مدرسة التبعية لمواجهة القصور والعجز في تفسير أسباب التخلف الحقيقية التي تعاني منها شعوب العالم الثالث. ومن هنا يأتي الإسهام الإيجابي لهذه المدرسة في كونها أكدت أن التنمية والتخلف هما بناءان جزئيان من نظام عالمي واحد بالإضافة إلى تركيزها على العامل التاريخي ومحاولة إبراز العلاقة بين العوامل الخارجية والعوامل الداخلية ودورها في خلق ظاهرة التخلف.
ورغم الإسهام الذي قدمته مدرسة التبعية في تشخيص ورصد الأسباب الحقيقية لظاهرة التخلف في العالم الثالث، فإن هناك بعض التحفظات الهامة على مقولات مدرسة التبعية يمكن تلخيصها على النحو التالي:-
(١) من خلال دراسة وتحليل الفترة الطويلة المؤلمة في توسع الرأسمالية
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٤٣
العالمية، تلك الفترة التي تم خلالها غزو مجتمعات ما قبل الرأسمالية وإحداث الخراب بها من جانب الاستعمار الأوروبي، كما أسلفنا، نلاحظ أن مدرسة التبعية عرضت هذه المرحلة من التخلف الراكد في العالم الثالث، وكأنها مرحلة ثابتة على أساس أن العلاقات الاقتصادية بين المركز والتوابع علاقة متحجرة يتحكم فيها المركز بشكل مطلق دون رد فعل من جانب التوابع، ولا تحوي أية تناقضات داخلية. أي باختصار تلغى أو تتجاهل مقولات التبعية ردود الفعل الوطنية وإسهامات حركة التحرر الوطني في العالم الثالث في مواجهة مشاريع السيطرة الاستعمارية. ولذلك فإن تفسير التبعية لا يجب أن يقتصر على العوامل العالمية وحدها بل يجب أن نضع في اعتبارنا العوامل المحلية الخاصة بدول العالم الثالث. مما يستلزم ضرورة التعرف على طبيعة البناءات الاجتماعية داخل العالم الثالث وعلى القوى الاجتماعية التي تحملت عبء النضال الوطني في مرحلة التحرر الوطني، والقوى التي تحملت أعباء التنمية في مرحلة ما بعد الاستقلال وتلك التي تستفيد من عوائدها. وذلك لأن الاحتكار العالمي وحده لا يفسر لنا ظاهرة التبعية بمفهومها الشامل (الاقتصادي-الاجتماعي-الثقافي) إلا إذا حاولنا التعرف على آثاره على دول العالم الثالث وردود أفعالها إزاءه.
(2) هناك محاولات من جانب بعض التيارات الليبرالية في الغرب والعالم الثالث للتشكيك في مدى جدوى اصطلاح التبعية رغم شيوع استخدامه في تفسير ظاهرة التخلف في العالم الثالث. ويتزعم هذا الاتجاه المفكر الاقتصادي الهندي سانجي لال الذي يرى أن كتابات التبعية فشلت في توصيف الاقتصاديات التابعة وفشلت في توضيح تأثير هذه السمات على مسيرة التنمية ونماذجها في الدول النامية. وأوضح أن الصفات المنسوبة إلى التخلف في البلدان التابعة لا تقتصر على هذه الاقتصاديات. وإنما هي موجودة أيضا في البلدان غير التابعة. ولهذا السبب فإن تحليلات مدرسة التبعية لا تشير إلى العلاقات السببية بين هذه الخصائص وظاهرة التخلف ذاتها. ويرى لال أن كل ما أسفرت عنه جهود مدرسة التبعية هو الخروج بمجموعة من المؤشرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لا تساعدنا على تفسير ظاهرة التخلف أو بمعنى أدق لم تقدم تفسيرا بديلا يستطيع الصمود أمام النظريات الأخرى الخاصة بالتخلف والتنمية.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٤٤
