بالنسبة للدول الغربية هناك موقفان أولهما يركز على شرعية مطالب الدول الفقيرة ولا يرى أي تناقض بينها وبين المبدأ الخاص بحرية الإعلام الذي يعلنه الديمقراطيون الغربيون إذ إن الرغبة في صيانة الشخصية القومية (الهوية القومية) من الأخطار التي تهددها لا تتعارض مع أفكار التنوير التي نشرتها أوروبا في العالم كله. كما أن إقامة وكالات أنباء جديدة كذلك. ويتبنى هذا الاتجاه قطاع كبير من الكتاب والإعلاميين الليبراليين والماركسيين في الغرب.
أما الموقف الثاني: فهو على النقيض إذ يستنكر الرؤية القائمة على
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٦
النفاق التي أهدت إلى تحقيق ما يطلق عليه (ديمقراطية الإعلام) من خلال قوى خارجية ويتخذ أنصار هذا الاتجاه من تجربة الهند مثالا على صحة رؤيتهم. إذ إن المسئولين قد طردوا الصحفيين الأجانب الذين رفضوا إخضاع تحقيقاتهم أو برقياتهم للرقابة المسبقة من جانب السلطات وذلك في عام 1978،
وهناك الرؤية الثالثة: وهي التي يتبناها بعض المتخصصين الإعلاميين في الغرب، أبرزهم فرانسيس بال. وسوف أعرض لأهم خطوطها العامة ؟ يرى فرانسيس بال(10) أنه قد لا يمكن التهوين من موقف المعارضة للنظام الإعلامي الجديد. إذ إن أي محاولة للقضاء على مؤامرة الصمت إزاء أخبار الفقراء في العالم الثالث سوف تصطدم بحرية الإعلام في دول الشمال. وإذا حاولنا تطبيق هذه القاعدة مثلا على إحدى دول المجموعة الأوروبية كأن تحتفظ الحكومة الفرنسية بحقها في إجبار الصحف على الكتابة عن هولندا بحجة أنها دولة أوروبية ترتبط معها بوحدة المصالح والاهتمامات السياسية، فإن ذلك سوف يصطدم بمبدأ حرية الإعلام وعلاقته بالدولة إذا حاولت تجنب سياسة التجهيل طوعا أو إجبارا، وذلك بالاستماع إلى الشرح الهندي للأحداث في الهند مثلا . فمما لا شك فيه أن الإعلام الغربي لن يقنع بهذه الرؤية ما لم يتنازل عن مبدأ تعددية المصادر التي يطبقها على نفسه. وإذا طبقنا مبدأ التوازن في تبادل منتجات الثقافة مثل الكتب والأفلام والبرامج المسجلة في الراديو والتليفزيون فإن الدول الغربية سوف تعارض تنظيم هذا التبادل من خلال شكل أو إطار تنظيمي محدد، لأنه يتعارض مع قوانين حرية المرور التي تؤمن بها هذه الدول، حتى وإن ترتب على ذلك قدر كبير من عدم المساواة بين الشركاء قد يهدد ممارستهم لهذه الحرية، فالواقع أن عدم التوازن في التدفق الإعلامي بين الدول الغنية والدول الفقيرة وسيطرة الدول الغنية على مصادر الأخبار العالمية كل هذا لن يتغير بين يوم وليلة بمجرد اتفاق الدول على ذلك، والمجتمعات لم تكن في يوم تابعة بعضها لبعض في هذه النقطة بل كانت تمارس الاعتماد المتبادل. وبالنسبة للدول النامية فقد عقدت اتفاقات شفوية على الأقل للتبادل والتعاون، مع الالتزام بالاحترام الكامل للاتفاقات التي تنظم علاقات التبادل بين الدول الشركة مثل اتفاق هلسنكي.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٧
