(التدفق الإعلامي ذو الاتجاه الواحد)
لقد قيل بأنه لا يحق لدولة أن تدعي أنها مستقلة إذا كانت وسائلها الإعلامية تحت سيطرة أجنبية. إذ ظهر بوضوح أنه لا يمكن أن يقوم استقلال حقيقي وشامل، دون وجود وسائل اتصال وطنية مستقلة تكون قادرة على حماية هذا الاستقلال وتعزيزه. وتشير الخريطة الإعلامية الراهنة للعالم إلى أن التفاوت في السلطة والثراء بين شمال العالم وجنوبه كان له انعكاساته السلبية المباشرة على البنى الإعلامية والتدفق الإعلامي مما أدى إلى خلق أشكال متباينة من عدم المساواة والاختلال والتفاوت الإعلامي. كما ازداد اتساع الفجوة بين من يملكون المعلومات ووسائل نشرها وتوزيعها وبين من يفتقرون إليها وكذلك تأكد الاختلال بين من يبثون المعلومات وبين من
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٥٥
يتلقونها. وعلى الرغم من النمو الهائل الذي شهدته وسائل الاتصال في السنوات الأخيرة على النطاق العالمي فإن أوجه التفاوت والتباين تمثل سمة رئيسية للخريطة العالمية للإعلام. وإذا كانت أسباب هذا التفاوت ترجع إلى فترة السيطرة الاستعمارية التي مارستها الدول الغربية ضد شعوب العالم الثالث فإن التدفق الحر للأنباء الذي أرست مبادئه الولايات المتحدة بعد كسرها للاحتكار الأوروبي للإعلام في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية أضاف سببا جديدا للاختلال في التدفق الإعلامي بين الدول الصناعية المتقدمة ودول العالم الثالث. مما ساعد علي ترسيخ الصور العديدة للتبعية الإعلامية والثقافية. ولا يقتصر هذا الاختلال في التدفق الإعلامي على النطاق الدولي فحسب. بل يمتد ليشمل النطاقات القومية على المستوى الجغرافي (في المدن والريف) وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي (الأغنياء والفقراء-الحكام والمحكومين) وعلى المستوى الحضاري والثقافي (الأغلبية والأقلية العرقية واللغوية).
ولقد أدى تطبيق مبدأ التدفق الحر إلى ظهور ما يسمى بالتدفق في إتجاه واحد من أعلى إلى أسفل، أي التدفق الذي يتخذ شكلا رأسيا. ويتجه هذا التدفق سواء كان في شكل معلومات أو أخبار أو برامج إعلامية أو منتجات ثقافية في معظمه من الدول المتقدمة التي تملك الإمكانيات التكنولوجية إلى الدول الفقيرة التي تشكل غالبية العالم الثالث. ويشكل هذا التدفق ذي الاتجاه الواحد الرأسي ضررا بالغا على الحقوق القومية لشعوب النامية، سواء في مجال الثقافة أو في مجال الإعلام.
فمن المسلم به أن مبدأ التدفق الحر قد أسيء استخدامه من جانب الدول الصناعية المتقدمة، إذ كثيرا ما استخدمته هذه الدول كأداة اقتصادية وأيديولوجية للسيطرة على شعوب الدول النامية. فقد حاولت بعض الحكومات الغربية بالتعاون مع الشركات المتعددة الجنسية اتخاذ مبدأ التدفق الحر كمظلة للتدخل في شئون معظم دول العالم الثالث، سعيا لانتهاك سيادتها القومية وضرب سياساتها الإنمائية وتخريب ثقافاتها القومية.(1)
وقد ترتب على سيادة نظرية التدفق الحر للأنباء مجموعة من النتائج السلبية بالنسبة لدول العالم الثالث يمكننا أن نجملها على النحو التالي.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٥٦
1- قصور التغطية الإعلامية لأحداث العالم الثالث:
لا تقتصر مظاهر الاختلال الإعلامي بين العالم الصناعي المتقدم والعالم النامي على الجوانب الكمية في مجال التدفق الإعلامي فحسب بل تتضمر أيضا نوعية الرسائل الإعلامية. فالأمر لا يقتصر على عدم كفاية التغطية الإعلامية للعالم الثالث في وسائل الإعلام الغربية والعالمية. بل هناك تشويه وتحريف للأحداث التي تقع في العالم الثالث. وهناك تركيز متعمد على الجوانب السلبية مثل الأزمات والانقلابات والحوادث المؤسفة التي تقع في دول العالم الثالث. كما أن هناك تجاهلا شبه متعمد لشتى النواحي الإيجابية والتطورات البناءة التي تقع في العالم الثالث، فضلا عن العوامل التاريخية والروابط الاقتصادية التي لا تزال قائمة بين الدول النامية والدول الاستعمارية السابقة. وقد أسهمت تلك العوامل في خلق أنماط للتدفق الإعلامي تتسم بقدر كبير من المحدودية وضيق الأفق. فمثلا لا تهتم الصحافة البريطانية بما يدور في المستعمرات الفرنسية السابقة في العالم الثالث (تشاد، مدغشقر) بنفس القدر من الاهتمام الذي توليه لمستعمراتها السابقة مثل الهند، وكينيا، وزيمبابوي. وكذلك الصحافة الفرنسية تركز على ما يدور في مناطق النفوذ الفرنسي السابقة أكثر من سائر الأحداث التي تقع في العالم الثالث. وقد خلقت هذه الأنماط من الاهتمام الإعلامي المحدود أنماطا مماثلة، فيما يتعلق بالاهتمامات الإعلامية بين بعض الدول النامية وبعضها الآخر. فوسائل الإعلام في كينيا تبدي اهتماما بتنزانيا أكثر من اهتمامها بزائير. وتبدي النيجر اهتماما بجاراتها الناطقة بالفرنسية اكثر من اهتمامها بنيجيريا . ومن هنا يتضح لنا مدى صحة ما ذهبت إليه لجنة مكبرايد في تأكيدها أن وسائل الإعلام المتقدمة والنامية لا تعالج الأنباء في ضوء أهميتها الذاتية، بل تعالجها في ضوء علاقات السيطرة والتبعية سواء التاريخية أو الآنية.
2- تحريف المضامين الإعلامية:
على الرغم الإجماع الذي يسود الدوائر الدولية والأكاديمية المهتمة بالإعلام والاتصال حول السلبيات الناتجة عن التدفق الإعلامي الأحادي الجانب، فإن هناك حرصا على التأكيد على أن عدم التوازن ينبغي أن يفهم
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٥٧
ليس من النواحي التقنية أو من ناحية الموارد الاتصالية فحسب بل يجب أن يفهم أولا من ناحية المضمون الذي يعكسه هذا الاختلال. ويرى هؤلاء أنه قد حان الوقت لإجراء تغييرات جذرية على المفاهيم السائدة عن الإعلام الخبري وأنه لا بد من التوصل إلى اتفاق جديد على المفاهيم (للقيم الخيرية) .
وقد أكدت الندوة الدولية للإعلام التي نظمها معهد أمريكا اللاتينية للدراسات عبر الوطنية والتي عقدت في المكسيك عام 1976 على ضرورة ظهور أنواع جديدة من الأنباء تعكس التطورات الاجتماعية التي تقع في العالم الثالث من ناحية، وتؤكد على الإعلام كحق اجتماعي وكوسيلة للتحرير، لمساعدة المواطنين على المشاركة في عملية اتخاذ القرارات من ناحية أخرى وذلك من خلال تزويدهم بالمعلومات الكاملة عما يدور على المستويين الوطني والدولي.(3) وإذا كانت الموضوعية المطلقة لا وجود لها، فإن هناك تعليمات محددة يتلقاها مراسلو الوكالات العالمية للأنباء بشأن طريقة التغطية الإعلامية لأحداث العالم ككل وفي الدول النامية بشكل خاص وكذلك أسلوب تحرير هذه الأحداث.
وهناك العديد من أشكال التحريف في صياغة الأنباء وتحريرها تقوم به وكالات الأنباء العالمية والصحف والإذاعات الدولية. وقد أشار أحد المسئولين بوكالة رويتر البريطانية إلى قضية الموضوعية في تقديم الخدمة الإعلامية وأكد أنها خدعة. والحقيقة أن رويتر وجميع العاملين فيها يعبرون عن النظرة البريطانية في كل أنشطتها .(4) كذلك يؤكد ميليا أن وكالات الأنباء الغربية أثبتت بصورة قاطعة أنها عنصر فعال تعتمد عليه المجتمعات الرأسمالية ولا يمكن لهذه الوسائل أن تتغاضى عن هدفها ووظيفتها في نشر أفكارها ومعتقداتها عن طريق نشر محدد ومتحيز للحقائق التي اتفق عليها ورحبت بها المحافل الغربية كتفسير عالمي للأحداث.(5) ومع ذلك فوسائل الإعلام الدولية لا تقوم من تلقاء نفسها بنشر وترويج أيديولوجيات الغرب فهي تخضع لأشكال ومستويات عديدة من الرقابة الحكومية التي تتدخل في شئونها وتحدد لها الأولويات.
3- تبعية الأساليب الإعلامية في العالم الثالث
يلاحظ أن وكالات الأنباء الغربية ليست وحدها المسئولة عن التبعية
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٥٨
الإعلامية في العالم الثالث. بل لا بد أن نشير إلى تأثير هذا النمط المسيطر، سواء في أساليب التغطية الإعلامية أو اختيار الأولويات، وسواء في الأنباء أو في البرامج الإذاعية والتليفزيونية، على القائمين بالاتصال في الدول النامية. إذ إنهم يعتمدون اعتمادا كاملا على وكالات الأنباء العالمية والإذاعات الدولية والمجلات العالمية للحصول على الأنباء الخارجية ثم يواصلون انتهاج نفس الأسلوب باعتمادهم-بصفة أساسية-على المصادر الحكومية للحصول على الأنباء المحلية. ومن هنا يتضح لنا أن عرض الأخبار من وجهة نظر متحيزة وطبقا للمفاهيم الغربية التقليدية عن الإعلام لم يعد أمرا شائعا على المستوى الدولي فحسب، بل انتقل إلى وسائل الإعلام في الدول النامية ذاتها. وبذلك يتأكد الشكل المركب للتبعية الإعلامية على المستوى المحلي والعالمي. ومما يساعد على ذلك ضعف الموارد الأساسية للاتصال، وعدم كفاية الكوادر الإعلامية فضلا عن أن التكوين المهني لمعظم الصحفيين والإعلاميين في العالم الثالث يتم في الدول الغربية ذاتها أو يتم طبقا للمناهج الغربية في معاهد الإعلام المحلية (6)
د-التبعية في مجال بحوث الأعلام
يلاحظ أن بحوث الإعلام والاتصال قد مرت بعدة مراحل منذ ظهورها في الثلاثينات. فقد ظلت تدور حول دراسات الدعاية وبعض الاستقصاءات التي كانت تقوم بها وسائل الإعلام للتعرف على آراء الجمهور وأذواقه. وقد تميزت هذه البحوث في البداية بالبساطة والتركيز على ظاهرة الاتصال الجماهيري بشكل محدد. ثم تلا ذلك مرحلة القيام بالدراسات التي تهدف إلى النهوض بكفاءة الإعلان وتنظيم حملات الانتخابات واستفتاءات الرأي العام ودعم أنشطة العلاقات العامة وزيادة توزيع الصحف. وكان الهدف من هذه البحوث التي كثيرا ما كانت وسائل الإعلام تجريها بنفسها هو الاسترشاد بنتائجها في إعداد الخطط والبرامج الإعلامية وتنظيم عمليات الإعلان ومسح السوق. ولقد تطور هذا النمط من البحوث في الولايات المتحدة بالذات حيث خصص له عائدات ضخمة عاونته على تجاوز المرحلة التجريبية الأولية، وأصبحت بحوث الاتصال الجماهيري ميدانا أكاديميا متخصصا يستجيب نموه أساسا (شأنه في ذلك شأن العلوم الاجتماعية
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ٥٩
