في 22 نوفمبر 1978 أصدرت اليونسكو إعلانا عالميا يتضمن المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام، والتفاهم الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان ومكافحة العنصرية. وقد قدم مشروع هذا الإعلان لأول مرة إلى اليونسكو عام 1970 . ومر بعد ذلك بتعديلات كثيرة. وقد أبدت الصحافة الغربية ارتياحها للإعلان، وكانت قد حذرت من المسودة الأصلية للبيان على أساس أن تبنى اليونسكو لها سيرتب عليه سيطرة الحكومات على الصحافة. وحرصت الحكومات والصحافة الغربية على أن تؤكد لدول العام الثالث بأنها لن تجنى شيئا من هذا الإعلان بينما سوف تجنى الكثير ماديا وفنيا من خلال التعاون مع الغرب. وقد تم إقناع رؤساء الوفود الرئيسية التي كانت تمثل العالم الثالث بإسهام المؤتمر بضرورة اتخاذ موقف واقعي وعملي. ووجد الغرب بعض التأييد والمساندة لوجهة نظره لدى بعض ممثلي العالم الثالث، لا سيما هؤلاء الذين يؤمنون (بالديمقراطية الغربية) وحرية الصحافة طبقا للمفهوم الغربي،
وقد رحب الغرب ببيان اليونسكو بإسهام صورته الجديدة، على اعتبار أن الدور المرسوم لليونسكو هو العمل على تقديم المعونة العملية للدول النامية لدعم إمكانياتها بإسهام المجلات الإعلامية. وعبر وليم هارلي رئيس الوفد الأمريكي عن وجهة النظر الغربية بقوله: (إن أمريكا ترغب بإسهام ضم جهودها إلى اليونسكو للمعاونة في تنمية قدرات شعوب العالم الثالث على تبادل الأنباء). وأضاف أن أي تغيير للنظام الإعلامي الراهن لن يتم إلا نتيجة للجهود الجماعية، والتعاون الجماعي بين جميع الدول. وختم المندوب الأمريكي حديثه بقوله (إننا رغم ثقتنا الكاملة بإسهام أن هذا البيان الإعلامي لن ينفذ كاملا، ولكننا بذلنا أقصى الجهد بإسهام اجتماعات المؤتمر، كي نسهم بإسهام حل هذه المسالة كي لا تؤدى إلى إهدار جهودنا المشتركة
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٠
بإسهام مجال الإعلام).(8)
هذا وقد عقد المندوب السوفيتي مؤتمرا صحفيا أعرب فيه عن ارتياحه، لأن جوهر وروح البيان ظل كما كان عام 1970، وأنه يكفى أن سلطة دولية عليا قد وافقت لأول مرة على ربط حرية الصحافة بمسئوليات الإعلام.
وهكذا نجح الاتحاد السوفيتي بإسهام تحويل الاهتمام عن مشروعه الأساسي وأصبح مدافعا عن مبدأ حرية التبادل الإعلامي وبقى ممثلو العالم الثالث مجرد متفرجين.
نقد المشروع:
تدعو ديباجة البيان جميع أعضاء اليونسكو إلى الإيمان الكامل بتكافؤ الفرص بإسهام التعليم للجميع، والسعي المطلق من أجل الصدق الموضوعي والإيمان بحرية تبادل الأفكار والمعرفة والتصميم على تطوير ومضاعفة وسائل الاتصال بين الشعوب واستخدامها من أجل التفاهم المتبادل، والمزيد من التعارف العميق والصادق بين الشعوب.
ولا شك أن كلمات السعي المطلق من أجل الحقيقة الموضوعية تقدم غطاء شرعيا لمبدأ حرية التبادل الإعلامي، لأن أي مساس بالحقيقة الموضوعية سوف يهدم البناء الشامخ لحرية التبادل الإعلامي. ولكن هل الظروف الراهنة للأوضاع الإعلامية داخل الدول وخارجها تسمح بتحقيق هذا الحلم (وهو السعي للحقيقة الموضوعية) .. ؟
المادة الأولى:
تشير إلى الحاجة إلى تدفق حر ومتوازن أوسع وافضل لعملية نشر وبث الأنباء من أجل تعزيز السلام والتفاهم الدولي، ومن أجل تطوير حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية والدعوة للحرب. ولذا يجب أن تقدم وسائل الإعلام إسهاماتها في هذا الميدان. وهنا لم يحدد البيان ما هو المقصود بكلمة (إعلام) أو (نشر وتوزيع للأنباء أكثر توازنا)
المادة الثانية:
تؤكد بأن حرية الإعلام جزء من حقوق الإنسان. وتنص على أن الإعلام
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧١
يجب أن يكون متاحا لكل فرد من مختلف المصادر حتى يتمكن من التأكد من دقة الأنباء وصحتها. ولذلك يجب أن يكفل للصحفيين كل الضمانات في داخل دولهم وخارجها لتأدية أعمالهم في أفضل الظروف. هنا لم يتحدد من هم الذين سوف يضعون هذه التسهيلات والضمانات للصحفيين؟ وأي نوع من البشر هؤلاء الذي سيمثلون وسائل الأعلام… ؟
المادة الثالثة:
تنص أيضا على ضرورة إسهام الإعلام في محاربة العنصرية ومحاربة الدعوة للحرب ولكن لم تحدد أو تشير إلى نوع هذه المساهمة وكيفية تقديمها
المادة الرابعة:
التي نصت على ضرورة قيام الصحافة والإعلام بتعليم الشباب مبادئ العدالة والسلام والاحترام المتبادل مع الشعوب الأخرى. ولكن لم توضح كيف يتحقق ذلك ؟
المادة الخامة :
التي تنص على ضرورة تحيز وسائل الإعلام للمفاهيم والموضوعات التي تدعو للسلام والتفاهم الدولي. ولم نوضح من سيقوم بذلك وكيف؟ ومتى؟
المادة السادسة:
التي تنص على ضرورة تعديد مسار التدفق الإعلامي من وإلى الدول النامية. ولم تحدد الطريقة أو النظام الذي سيتم من خلاله تحقيق ذلك.
المادة السابعة:
تنص على ضرورة إسهام وسائل الإعلام في إقامة نظام اقتصادي عالمي أكثر عدالة. والواقع أن هذا الموضوع الشائك لم يحسم بعد ويبدو أن المطلوب أن تقوم وسائل الأعلام بإحياء ذكراه في أذهان الناس.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٢
ويشير التقرير إلى أن تدفق الرسائل الإعلامية والأفكار من جانب واحد قضية تشغل بال جميع الدول، وأن لها جذورها في الشمال والجنوب وأنه ينبغي البحث عن حلول حاسمة لها في كليهما. وقد أوضحت الدراسات التي قام بها أعضاء لجنة مكبرايد أنه ينبغي على الحكومات في كل من الدول النامية والمتقدمة أن تبدي مزيدا من الاهتمام بتنمية الاتصال، وأن نخطيط نظم الاتصال أمر يتزايد الأخذ به في جميع أنحاء العالم. على أنه برغم ضرورة وضع سياسات للاتصال فإنه لا ينبغي أن يؤدي هذا إلى فرض قيود على التبادل الثقافي والإعلامي، وإنما إلى تقليل الحواجز داخل المجتمعات المختلفة وفيما بينها .
والمادة الثامنة: –
التي تنص على ضرورة إعداد برامج تدريب للصحفيين بما يتفق مع روح هذا البيان. ولم ينص على ضرورة أن يتم إعداد هذه البرامج بما يتفق مع الاحتياجات الثقافية لكل بلد. وهكذا لم يتضمن البيان أية تحديدات أو توضيحات للمهام التي نص عليها بعبارات فضفاضة.
والواقع أن البيان لم يحل أي مشكلة إعلامية من تلك المشكلات العديدة التي يواجهها العالم الثالث على المستوى الوطني بما يتفق مع الاحتياجات الثقافية والتراث القومي لهذه الدول.
لقد قام بتشخيص المشكلات وتوصيف وظائف ومسئوليات الإعلام الراهن، دون أدنى محاولة لإزعاج الأوضاع الراهنة بالعمل على تعديلها أو تغييرها . ولكنه سرعان ما تغير الوضع تماما إذ انعقدت بعد عدة شهور من إعلان هذا البيان لجنة شون ماكبرايد، وأعدت وثيقة لحماية الصحفيين، كمقدمة للمؤتمر الذي تقرر عقده باليونسكو في مايو 1979.
ولقد ثبت من المناقشات التي دارت في لجنة ماكبرايد مدى تناقض فكرة التبادل الحر للأنباء مع الواقع الدولي الراهن. كما ثبت أنها تجسيد لانعدام العدالة الدولية وغلاف يخفى سيطرة الغرب على وسائل الإعلام التي تعد تأكيدا لاستمرار سيطرته عل الموارد الاقتصادية في العالم الثالث.
لجنة مكبرايد:
وفى منتصف عام 1980 قدمت اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الإعلام والاتصال التي يرأسها شون ماكبرايد تقريرها المكون من خمسة أجزاء إلى المدير العام لليونسكو. وكان قد تم تكليف الجنة ببحث مشكلات الإعلام والاتصال. والمعروف أن إنشاء هذه اللجان قد تم على اثر النقاش الذي دار على الصعيد الدولي خلال السنوات العشر الأخيرة بشأن بنى الاتصال الدولي ودور الإعلام في العلاقات الدولية والحاجة إلى تخطيط وإقامة نظام دولي جديد للإعلام والاتصال يضم بمزيد من العدالة والتوازن والفاعلية. وقد بلغ هذا النقاش ذروته في المؤتمر العام لليونسكو الذي انعقد في نيروبي عام 1976 عندما تناول مشروع الإعلان الخاص بوسائل الإعلام الجماهيري. فدعا المؤتمر المدير العام لليونسكو إلى مواصلة العمل
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٣
على دراسة دور الاتصال في المجتمع الحديث وغاياته وشروطه. وبناء على ذلك شكلت اللجنة في نوفمبر 1977 واستمرت أعمالها عامين. وقد شرعت اللجان في دراسة ظاهرة الاتصال وفقا لمنظور شامل باعتباره ظاهرة اجتماعية أساسية لا يمكن تحليلها بمعزل عن غيرها، بل يجب وضعها في سياق اجتماع وسياسي وحضاري أوسع. ولذلك فإن التقرير الذي أعدته اللجنة لا يركز على أنماط صناعة الاتصال وحدها. بل يتناول أيضا الوسائل اللازم توافرها لتحقيق نظام للاتصال أكثر اتساما بالطابع الإنساني. وينتقل أفقيا بين أطراف متكافئة أكثر من انتقاله رأسيا من أعلى إلى أسفل، ويستهدف تحرير الإنسان بدلا من طبع البشر بطابع واحد. ويؤكد التقرير (الذي شارك في إعداده 16 عضوا منهم 9 أعضاء يمثلون دول العالم الثالث والباقون من الدول الغربية والاشتراكية) أن القضية لا تعني الدول النامية وحدها بل العالم أجمع وعلى وجه التحديد الدول الصناعية المتقدمة. إذ سيتعذر في حالة عدم إجراء التغييرات اللازمة في كل من شمال العالم وجنوبه ضمان خلق مزيد من الحرية والندية والاستقلال في مجال تبادل المعلومات والرسائل الإعلامية والأفكار.
وقد تناول التقرير الاتصال باعتباره حاجة وحقا للأفراد والجماعات مع التركيز على وجهه نظر المنتفعين به أكثر من التركيز على وجهه نظر القائمين عليه. وقد حرصت اللجنة في هذا الصدد على النفاذ إلى صميم مجموعة من المشكلات المتشابكة مثل الاتصال، وعلاقته بحرية الصحافة.
وقد أعربت اللجنة عن إيمانها العميق بان الحق في الاتصال يتجاوز حرية الصحافة وحرية الإعلام رغم ما تتمتع به هاتان القيمتان من تقدير عظيم.
وبينما أكدت اللجنة أن حرية الأعلام قد أسيء تطبيقها كمبدأ فهي ترى أن ثمة أمرا أهم من ذلك هو أنه (يتعين خلق الظروف الضرورية اللازمة لتحقيق هذه الحرية على المستويين الوطني والدولي في آن واحد) .(9)
وقد تناول التقرير مفاهيم التداول الحر للمعلومات والتدفق المتوازن وحرية الانتفاع بوسائل الإعلام، فأوضح مساوئ تدفق المعلومات من الدول الكبرى إلى الدول الصغرى، ومن الدول التي تحتكر التكنولوجيا الحديثة إلى الدول التي لا تمتلكها. ومن الدول الصناعية المتقدمة في الغرب إلى الدول النامية وعلى الصعيد الوطني من مراكز السلطة إلى القواعد الشعبية.
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٤
وهناك فصلان من التقرير يركزان بشكل خاص على حقوق الصحفيين ومسئولياتهم ومعايير السلوك المهني، ويتناولان كل ما يتعلق بقواعد السلوك المهني للصحفيين والمجالس الصحفية والإعلامية وحق الرد والتصويب.
وبالنسبة لمسألة أوضاع الصحفيين وحمايتهم التي تتسم بقدر كبير من الأهمية ويحتدم حولها الجدل فقد تباينت آراء اللجنة إلى حد ما. ولكن حسمها التقرير بقوله (أنه لن تتوافر الحماية الكاملة لصحفيين إلا عندما يتم ضمان حقوق الإنسان للجميع). وقد وافق أعضاء لجنة مكبرايد على ثمانين توصية جاءت بالجزء الخامس من التقرير وتغطي ثلاثة مجالات رئيسية. يتعلق المجال الأول بالظروف اللازمة لدعم الاستقلال الوطني في شئون الاتصال والإعلام. وقد اقترحت اللجنة أن يحظى التعاون الدولي لتنمية الاتصال بأولوية مساوية للأولوية المعطاة لقطاعات أخرى مثل الصحة والزراعة والعلوم والتربية. كما أوصت أن تعطي البلدان النامية أولوية لإعداد سياسات وطنية للاتصال، وكذلك لإنشاء شبكات إذاعية قادرة على الوصول إلى الأميين وسكان المناطق النامية بالإضافة إلى ضرورة إقامة شبكات سلكية ولاسلكية تشمل شبكة تليفونات ووكالات للأنباء الداخلية وتوزيعها وبرامج وطنية لإنتاج الكتب. أما المجال الثاني الذي شملته توصيات اللجنة فهو يتعلق بالمهام الاجتماعية للاتصال. وتوصي اللجنة بضرورة دمج الاتصال في العمليات الإنمائية باعتباره موردا أساسيا، ويؤكد التقرير على أهمية اليقظة تجاه صون الذاتية الثقافية ودعمها بالنسبة للدول النامية على وجه التحديد. وذلك بالقضاء على التبعية الثقافية مع السعي في ذات
قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث – د عواطف عبد الرحمن – صفحة ١٧٥
