نتذرع الحرب النفسية من أجل الوصول لأهدافها بكل الوسائل المتاحة لإثارة الإشاعات والدعايات في صفوف الجماهير وما يتاح لها من وسائل في العصر الراهن يفوق بكثير ما أتيح لها في العصور الماضية.
فوسيلتها في الماضي: نقل الخبر الكاذب أو الإشاعة مشافهة، وقد يجند للعملية أفراد معدودون، إلا إنها في الوقت الحاضر تمتلك وسائل وأدوات وأجهزة متعددة، ووكالات أنباء واسعة التأثير، وإذاعات نشطه (علنية وسرية) ونشرات وصحف يومية، ومجلات ومسارح وسينما وتلفزة وغيرها.
مما يمكن الحرب النفسية من أن تشمل أكبر مساحة ويجعلها أقوى في الانتشار وأسرع، وأبلغ في التأثير وأشد، وإذا كانت تعتمد فيما مضى على التجربة الشخصية والذكاء والقدرة الذاتية على المكر والخديعة للإيقاع بالجهة المراد التأثير عليها، فإنها
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٣٨
ستفيد إلى جانب ذلك من علم النفس الإعلامي يجميع مفاهيمه والعلوم المرتبطة به. ولقد أصبح بمقدور الحرب النفسية أن تسلك الأساليب العلمية في كيفية التأثير على عواطف الأفراد والجماعات وأفكارهم وعقولهم من خلال ما وفرته العلوم الحديثة من دراسات وحقائق ومعلومات.
وتكاد الحرب النفسية أن تكون علماً قائماً بذاته بعد أن حظيت بدعم الكثير من العلوم العصرية إضافة إلى التجربة الطويلة المستفادة عبر التاريخ، ومن هنا فإنّ للحرب النفسية أساليب وأنماطاً خاصة تكاد تمثل قواعد ومبادئ يلتقي عندها جميع المعنيين، وهذه بعض المبادئ المسلم عند ممارسة الحرب النفسية:
1. العمل على إبراز السلبيات والأخطاء، وتسليط الأضواء عليها وإيهام السامع أو القارئ باحتلالها مساحة تفوق واقعها العملي.
2. اختيار قضية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية بعينها، واتخاذها محوراً للدعاية والإشاعة عن طريق التهويل تارةً أو اختلاق إشاعة تستند إلى تلك القضية بشكل ما، فلو تظاهرت مجموعة من العمال يطالبون بزيادة أجورهم مثلاً في بلدٍ ما فإنه يكون بمقدور الجهات المعنية بالدعاية ضد ذلك البلد أن تهول الحادث، وتعطيه
مدارس الحرب النفسية الإعلامية
1. مدرسة الفكر الإعلامي البرجوازي
ويمثلها الإعلام الغربي، وتهدف هذه المدرسة إلى تصدير فكرة عن الغرب بأنه الخلاص لكل من يريد النجاة من التخلف والظلم والفقر، وكل ما دون الغرب يقف في آخر طابور الحضارة والتقدم.
2. مدرسة الفكر الإعلامي التبعي
وتتمثل هذه المدرسة في إعلام الدول النامية والذي يقدم ما يمليه الغرب عليه من أفكار وتصورات يريد الغرب أن يوصلها لهذه الشعوب النامية بطريق غير مباشر، كي يهزموا هذه الشعوب معنويا وقتل الأمل بين أبنائها
3. مدرسة الفكر الإعلامي المتلاعب
وتتمثل هذه المدرسة في الإعلام الانتهازي غير الهادف الذي يصدر أفكار تافهة للشباب لقتل الهمم ونشر الرذيلة والجهل في المجتمع، وترك المواضيع الهامة والحيوية والتركيز على تفاهات الأمور.
حجماً يفوق واقعة أضعافاً، فقد تتحدث عن رقم خيالي لعدد المتظاهرين أو تتحدث عن صدام بين قوى الأمن والجمهور، وتختلق شعارات لم ترفع في المظاهرة أصلاً كالهتاف بسقوط الحكم أو المطالبة برحيل الوزارة، وأمور أخرى من هذا القبيل.
3. الاستعانة بالكذب المجرد الذي لا يتصل بأرض الواقع بأي سبيل، وغالباً ما يكون الكذب المجرد قابلاً للانكشاف من قبل الجماهير، وقد يؤدي إلى الإضرار بالجهة المعنية بالدعاية من هذا الطراز بعد أن يشعر بلا واقعيتها.
ومن المناسب أن نشير إلى أن وسائل الإعلام العربي قد أساءت كثيراً طيلة حرب حزيران عام 1967م حين كانت تصور للجماهير إن سير المعارك في سيناء والجولان والضفة الغربية يجرى لصالح العرب، ولكن سرعان ما فوجئت الجماهير بإعلان دول المواجهة ” عن خسارتها الشاملة في الحرب، مما أدى إلى
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٣٩
انتكاسة نفسية حادة في صفوف الأمة، وعلى العكس من ذلك كانت أجهزة إعلام الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تتحدث عن خسائرها وخسائر الألمان معاً، صحيح إنها لم تكن واقعية تماماً فيما تبثه، لكنها على كل حال كانت تسلك السبيل الأفضل في الحقل الإعلامي، مراعية نفسيه الجمهور ومشاعره.
4. التزام أسلوب التكرار: وهي طريقة مفضلة لإقناع الجمهور بصحة ما ترويه وسائل الدعاية، وكمثال على التزام التكرار في الدعاية ما نحسه في الوقت الحاضر من إمعان وسائل أعلام معادية لجهة ما في تكرار خبر ما بأساليب مختلفة، كأن يشار إلى أن الراوي وكالات الأنباء العالمية أو مصادر مطلعة أو مراسل صحيفة كذا، وبعد إذاعة الخبر ضمن نشرة الأخبار مثلاً يتناوله التعليق السياسي، وتعطيه الصحف اهتماماً خاصاً، وتبرزه في صفحاتها الأولى ويذاع في النشرات الموجزة.
