اهتمت الأبحاث بدراسة الاتصال وعلاقته بنظرية التوازن أو الاتساق والانسجام أو التوافق وأهميتها في تغيير الاتجاهات وتشكيلها على أساس المبادئ التي صاغها (فرتيزهيدر) F.Heider في الاتزان، إلا أن القليل من هذه الدراسات التي حاولت أن تربط بين مبادئ هذه النظريات واستخدام الفرد لوسائل الإعلام، على الرغم من تنامي مفهوم جمهور المتلقين الذي يتخذ قراره بناءً على معطيات سابقة عن مفهوم الوسيلة والمصدر والمحتوى ودور المعرفة الإدراكية كأحد القوى التي تقوم بدور في العمليات الوسيطية التي غيرت من مفهوم التأثير والاتجاهات، سنحاول الآن التطرق لتوظيف نظريات الاتزان في وصف واستخدام الفرد لوسائل الإعلام انطلاقاً من الافتراضات التالية :
يعد جمهور وسائل الإعلام جمهور نشط يختار وينتقي من وسائل الإعلام ومحتواها ما يتفق مع اهتمامه وتفضيله، ويتميز نشاطه بالفاعلية التي تعني دوره في إسقاط المعاني على ما يتلقاه من رموز اتصالية في وسائل الإعلام .
يعد استخدام وسائل الإعلام نمطاً من أغاط السلوك الفرد، الذي يتفق عادةً مع اتجاهات الفرد التي توجه هذا السلوك .
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٧٤
للبناء المعرفي دور بجانب البناء الوجداني في بناء الاتجاهات، فالاتجاه يؤثر في
السلوك كما هو البناء المعرفي .
تعد العلاقة بين البناء المعرفي للفرد وبناء الاتجاهات والسلوك جوهر النظريات المعرفية سواء تلك التي تبحث في التوازن أو التنافر المعرفي لدى الفرد في إطار عمليات الاتصال الذاتي وتقرير السلوك، أو عمليات التفاعل في الاتصال الإنساني .
يحدد الفرد اتجاهه نحو وسائل الإعلام من خلال الصورة الذهنية التي يرسمها الفرد في مخزونه المعرفي عن هذه الوسائل أو إحداها أو نتيجة الخبرة المتراكمة من اقترابه من هذه الوسائل وعلاقتها بالمدركات التي يخزنها الفرد في إطار خبرته، ومن جانب آخر يتحدد اتجاه المتلقي بالقائم بالاتصال من خلال تقييمه لخصائص القائم بالاتصال، وعلاقته بالمفاهيم التي يقدمها في محتوى الرسائل التي يقوم بنشرها أو إذاعتها، كما يتحدد اتجاه الفرد نحو المحتوى المنشور أو المذاع من خلال مدى الاتفاق أو الاختلاف مع البناء المعرفي للفرد أو المعاني التي يضمها هذا المحتوى
مثال على نظرية التوازن المعرفي هي نظرية هيدر في الاتزان
تعتبر نظرية (هيدر) من النظريات التي بحثت في الاتزان المعرفي لدى الفرد، وتتناول العلاقة بين ثلاثة عناصر، هي الفرد والآخرين والأشياء أو الأحداث التي يدركها الفرد واتجاه الفرد نحوهما وإدراك الفرد لاتجاه آخر نحو هذه الأشياء .
ويتأثر اتجاه الفرد بنوعين من العلاقات الأولى : هي علاقات المشاعر أو العلاقات الوجدانية أو العاطفية التي تسهم في تقييم الأشخاص أو الأشياء، وتعبر عن الميل أو الإعراض، الحب أو الكراهية، القبول أو الرفض، ويميل الفرد إلى بناء هذه العلاقات بشكل متوازن حيث لا يمكن أن يحب الفرد شخصاً لا يحترمه، أو يمل إلى شيء يجده غير ذات قيمه. والثانية : هي علاقات الوحدة التي تشير إلى درجة الوحدة المدركة بين العناصر مع بعضها، ويعبر عنها بالتشابه أو عدم التشابه، القرب أو البعد، الانتماء أو عدم الانتماء، ويرى هيدر أنه إذا كانت درجة الوحدة بين العناصر عالية فإنها تعتبر موجبة والعكس صحيح .
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٧٥
بناءً على ما سبق فإنه يكون لدى الفرد نوعان من الاتجاهات، هي اتجاهات الفرد نحو العناصر، وقد تكون موجبة أو سالبة ثم الاتجاه القائم على إدراك الفرد عن علاقات الوحدة بين العناصر وهذه أيضاً قد تكون موجبة أو سالبة.
وتشير حالة التوازن إلى الحالة التي يدرك فيها الفرد الاتجاهات المذكورة باعتبارها متسقة أو متالفة مع بعضها، وحينما يدرك الفرد عدم التوازن أو نقصاً فيه فإنه يشعر بحالة من التوتر أو القلق التي تجعله يميل إلى تغيير اتجاه واحد أو أكثر من علاقات المشاعر أو الوحدة حتى يعود إلى حالة أو الاتساق أو التآلف .
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٧٦
