تأخذ الشائعة نفس طابع الدعاية، فهي تهدف إلى تزييف الحقائق وتتحرك بالكلمة المنطوقة بين الأفراد، متعمدة بث الشقاق وتوسيع شقة الخلاف بين الخصم وحلفائه في الداخل والخارج، وإجباره على تغيير خططه وبرامجه، وهي دائماً تجد أذناً صاغية وميلاً قوياً لتقبلها كحقيقة ثابتة، رغم أنها قد لا تحمل دليلاً على صحتها وتتغيّر تفاصيلها من فرد لآخر.
والشائعة كالدعاية تماماً، تشكل خطورة على واقع المدنيين والعسكريين على السواء، لأنها تبعث في النفس والروح دفعاً جديداً يحدد نشاط الأفراد نمواً صاعداً أو ضموراً، والشائعة عادةً تسري في ضعفاء النفوس والأعصاب كسريان النار في الهشيم.
وتعد الشائعة من الوسائل الأساسية للضغط التي تسبق مرحلة إعلان الحرب بين جيشين، إذ يرى فيها طرفا النزاع خير وسيط لإحباط خصمه ومحاصرته ليصبح
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٤٣
عاجزاً عن التقدم وفي حالة خضوع تام. وتندخل الشائعة تدخلاً مباشراً في توجيه دفة سياسة الدولة، وتسدد طعناتها إلى صميم المؤسسات من دون استثناء.
إن الهدف الأساسي من الشائعة، هو هدف شخصي، نفعي وآني، ودائماً يك لمصلحة فريق أو طبقة معينة، ويرى تشارلز أتندال أن الشائعة تستخدم كستار لإخفاء حقيقة معينة وتكوين صورة بعيدة كل البعد عن الواقع، ومن أهدافها:
– وضع الخصم في حالة نفسية متدنية.
– التأثير على نمط العلاقات وتعكير الأجواء إلى درجة مخيفة
– السيطرة على قدرات الخصم لتسديد الضربة القاضية في اللحظة الحاسمة.
كما تتعمد الشائعة ترويج الأخبار التي تشيع الرعب في نفوس المقاتلين وتعزز فيهم حالة التشاؤم، طمعاً من مروّجيها بمنع الخصم من تنفيذ خططه العسكرية وتحقيق الطموحات المقررة قيادياً.
سمات الشائعة
تنطلق الشائعة من واقع المجتمع الذي تبث فيه، وتأخذ حاجات الأفراد بعين الاعتبار عند بثها، وهي تتسم بطابع الغموض، كونها لا تنتسب إلى مصدر محدد، لأن الغموض يولّد الشك، وهذا مطلوب لنجاح مقاصدها، والشائعة تُنسب من خبر لا أساس له من الصحة، أو دبلجة خبر فيه شيء من الصحة، وتكون دائماً موجزة لتسهيل نشرها، وقد أجمع علماء النفس أن الشائعة هي عبارة عن تنفيس للمشاعر المكبوتة، ويرى فيها الفرد ما ليس موجوداً في غيرها، وهي تنجح دائماً في بثّ سمومها، لأن مروّجي الشائعات يقدّمون الشائعة بصورة برّاقة، فلا تخرج إلا بعد حبكة وصياغة واختيار جيّد للكلمات والزمن لتفرض نفسها بقوة على الرأي العام.
إن عملية انتقال الشائعات تتعرّض أثناء حركتها إلى عملية تحوير، وهذا التحوير أو ما يسمى بالتطعيم يستفيد منه مروّجو الشائعات، لأن عملية التحوير تخدم الهدف الذي من أجله تمّ إطلاق الشائعة إلى النور، والشائعات تختلف باختلاف المواقف ومنها:
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٤٤
1. الشائعات السوداء: تحمل طابع التشاؤم وتكون سريعة الانتشار والهدف منها
إرباك الخصم.
2. الشائعات البيضاء: فهي تدعو إلى التفاؤل وتثبيت الثقة في النفوس وتقوية العزائم.
3. شائعات تزيد من الحالة الانفعالية للفرد، والمعروف أن الانفعال يزيد من الحساسية النفسية عند الأفراد ويخلق البلبلة في الرأي العام، وقد قيل فيها، أنها أفضل أسلوب مدمّر استخدم في الحروب، وسلاح مدمّر من أسلحة الحرب النفسية.
إن الغموض في الشائعة يساعد في انتشارها ويعطي للناس فرصة أكبر في تصديقها، ولا يمكن الاستهانة مطلقاً بخطورة الخلفية التي تتركها الشائعة وراءها، وحتى نحجّم من أهمية الشائعة وخطرها على المجتمع المدني والعسكري، لا بد من التعاون الوثيق بين المواطن والسلطة لمحاربتها بإظهار الحقيقة والدوافع التي كانت وراء اختلاقها للرأي العام، كما يجب عدم تلقي الشائعة بانفعال، ومناقشتها، وتحديد مصدرها، والإبلاغ عنها، لتنبيه المواطنين وتوضيح الدوافع، فهذا يحد من انتشارها.
إن لأجهزة الإعلام دوراً كبيراً في تحجيم الشائعة أو العكس، وتؤدي الشائعة إلى انعكاسات سلبية لدى الرأي العام، ما لم تقترن بصحة المصدر والمعلومات وتتحدد دوافعها.
وفيما يلي عزيزي القارئ أبرز سمات الشائعات حتى تكون ذات جدوى:
– الإيجاز وسهولة التذكر وسهولة النقل والرواية والتناقض والأهمية والغموض.
– تبدأ الشائعة من إيجاد خبر لا أساس له من الصحة، أو تلفيق خبر فيه أساس من لصحة، أو المبالغة في نقل خبر فيه شيء من الصحة
– تزدهر الشائعة عند الحاجة إلى الأخبار، وعندما تكون الأخبار في أقصى وفرتها وحينما يرتاب الأفراد في الأخبار.
– الشائعة تعد متنفساً للمشاعر المكبوتة وتشعر راويها بأنه رجل مهم ومتصل
ببواطن الأمور.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٤٥
أساليب مقاومة الشائعات والسيطرة عليها:
تعاون الجمهور في الإبلاغ عن الشائعات وتكذيبها وعدم ترديدها.
تكاتف وسائل الإعلام المختلفة من أجل عرض الحقائق في وقتها وإشاعة الثقة بين المواطنين.
التوعية المستمرة لتثبيت الإيمان والعقيدة التي يتبناها الجمهور والثقة بالبلاغات الرسمية عن طريق الندوات، المحاضرات، والمناقشات.
اقتفاء خط سير الشائعة والوصول إلى جذورها، وإصدار البيانات الصحيحة
الصريحة حولها.
الثقة بالقادة والرؤساء والثقة بأن الأمور العسكرية تحاط دائما بالسرية والكتمان، والثقة بأن العدو يحاول خلق الشائعات.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ١٤٦
