إن تطور العلوم الإنسانية أثبت أن وسائل الإعلام هي جزء بسيط من المجتمع الكلي، فالفرد قبل أن يتعرض إلى هذه الوسائل، تعرض إلى تأثير عوامل أخرى مرتبطة بالتنشئة الاجتماعية.
نجسدت هذه الفكرة من خلال ما توصل إليه (ميلفن دفلر، وزميلته روكتش)
بناءً على فكرة أن الطاقة الاستيعابية للفرد لا يمكنها أن تستوعب الكم الهائل من الرسائل التي يتعرض لها يوميا. فهو لا يدرك كل ما يتلقاه، بل ينصب تفكيره على
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٠
إدراك وفهم الرسائل التي تحتوي على مفاهيم تهمه أو على الأقل هو في حاجة إليها.
فالمواضيع لا تفرض على المتلقي وإنما يختار ما يريد ويترك ما لا يحتاج إليه وتتجسد هذه النظرية من خلال عدة مفاهيم.
التعرض الانتقائي: يشير إلى حرية المتلقي في اختيار ما يتعرض له، فهو لا يتعرض إلى جميع الرسائل التي تبث عبر وسائل الإعلام بل يهتم ببعضها ويهمل الأخرى.
الإدراك الانتقائي: يرتبط هذا العنصر بالمواضيع التي اهتم بها الإنسان، فهو لا يدرك كل ما يتلقاه بل يركز إدراكه على بعض المواضيع التي اختار التعرض لها.
التذكر الانتقائي: يعمل الفرد على التركيز على بعض مدركاته لتخزينها في ذاكرته ليقوم بعملية استرجاعها متى أراد ذلك.
التصرف الانتقائي: هو آخر عنصر من عناصر نظرية التأثير الانتقائي، فهو يعني حمل المتلقي على عملية الفعل مع ترك الحرية في كيفية التصرف .
وفيما يلي أهم نظريات التأثير الانتقائي:
أ. نظرية الاختلافات الفردية
نرى ببساطة أن الأشخاص المختلفين يستجيبون بشكل مختلف للرسائل الإعلامية وفقًا لاتجاهاتهم، وبنيتهم النفسية، وصفاتهم الموروثة أو المكتسبة، ووسائل لإعلام تستقبل وتفسر بشكل انتقائي، وذلك بسبب اختلاف الإدراك الذي يفكر به كل شخص، والذي يرجع إلى اختلاف التنظيم لدى كل شخص من المعتقدات، والقيم، والاتجاهات، ولأن الإدراك انتقائي فالتذكر والاستجابة انتقائيان. وبالتالي فتأثير وسائل الإعلام ليس متماثلا .
ب. نظرية الفئات الاجتماعية
الناس ينقسمون إلى فئات اجتماعية والسلوك الاتصالي يتشابه داخل كل فئة، وموقع الفرد في البناء الاجتماعي يؤثر على استقباله، والفئة قد تتحدد بناء على:
السن، الجنس، الدخل، التعليم، الوظيفة.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩١
أنماط الاستجابة تتشابه في داخل كل فئة، لذلك فتأثير وسائل الإعلام ليس
قوي، ولا متماثل، ولكنه يختلف بتأثير الفئات الاجتماعية.
تنطلق هذه النظرية أيضا من افتراض أساسي يرتبط بطبيعة الإنسان، فهو كائن اجتماعي بطبعه، إذ يميل إلى الاجتماع مع بني جنسه والانضواء تحت لواء جماعة بشرية معينة متفقة مع حاجاته ودوافعه واتجاهاته النفسية.
إن الفرد لا يمكنه العيش بمفرده من منطلق عدم قدرته على تلبية جميع حاجاته مع تنوعها، فلا يمكن مثلا أن يكون منتجا ومسوقا ومستهلكا في الوقت نفسه، فإن كان منتجا فهو في حاجة إلى من يصمم له رسائل إعلامية.
كما أن الجماعات مهما كانت طبيعتها لا يمكن أن تحافظ على استقرارها واستمرارها هكذا عفويا، بل يجب أن تضع مجموعة من القواعد المتعارف عليها من جميع أفرادها، فهذه النظرية تقوم على فكرة أساسية وهي أن الأفراد في الجماعات الإنسانية تنظمهم قواعد تنظيمية معينة يفهمها الأفراد ويتعاملون على أساسها، كما تتيح لهم قدرا أكبر لفهم أدوارهم وواجباتهم وحقوقهم والسلوك الذي يجب أن يتبعوه، وهذه القواعد التنظيمية هي التي تؤدي إلى نماذج سلوكية معينة , تسمى في مجموعها بالتنظيم الاجتماعي، أي تنظيم سلوك الفرد الاجتماعي.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٢
