إن الاتصال الإقناعي لا ينطلق من فراغ بل من قاعدة نظرية تتجسد من خلال
العديد من النظريات وفيما يلي أهم نظريات الاتصال الإقناعي:
1. نظرية التاءات الثلاثة
حسب (ميشال لوند) Michel Le Nid فإن الاتصال الإقناعي والتأثير في سلوك الأفراد يتم عبر ثلاث مراحل وهي التوعية، التشريع، والتتبع، أو المراقبة.
فكلها تبدأ بحرف التاء ومن هنا جاء أسمها.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٣
المرحلة الأولى: هي التوعية وتتضمن آليات الإقناع اللساني والتوضيح وتعزيز كل ذلك بالبراهين المقنعة التي تنساب إلى عقول المتلقين، ويشترط في كل معلومات المرسل أن تكون بسيطة حتى يسهل فهمها وإدراكها، كما يشترط فيها عدم التناقض لتنال المصداقية كما يجب أن تكون صياغة الرسالة وتحديد محاورها بصورة واضحة حتى تكون أكثر إقناعا، إذ يجب فهمها دون الحاجة إلى بذل جهد زائد من المتلقي.
المرحلة الثانية: هي التشريع، تظهر أهمية هذه المرحلة في الحملات الإعلامية العمومية، لكنها غير مؤثرة في الاتصال الإعلامي، فهي تنص على إدراك أن التوعية لا تلبي الغرض وحدها، فهي تبين مخاطر الموضوع وفوائده، لكن التشريع يلعب دورا إيجابيا في ممارسة نوع من الضغط على المتلقي من أجل مسايرة المرسل فيما يدعو إليه.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة التتبع، إذ لابد للمرسل أن يعرف أين وصل من أهدافه، فحسب (ميشال لوني) فإن نجاح عملية الإقناع والتأثير مرتبط بالمتابعة والمراقبة للعملية ككل، لأن الإنسان بحاجة إلى التذكير والتأكيد باستمرار حتى في أموره اليومية البسيطة.
2. نظرية التنافر المعرفي
هذه النظرية أتى بها (ليون فستنجر) Leon Festinger في 1962م، تنطلق من فكرة أن الإنسان كيان نفسي يسعى دائما إلى انسجام مواقفه وآرائه والمواضيع التي يتلقاها مع شخصيته وبنيته النفسية، فنظرية التنافر المعرفي ترمي إلى كون الإنسان يتعارض ويقاوم كل شيء يتعارض وبناءه المعرفي .
وتتركز هذه النظرية على أن الفرد يحاول بذل مجهود من أجل الحفاظ على توازنه النفسي من خلال جعل هذه العناصر أكثر توافقا، فالتنافر هو حالة من حالات الدافعية بحيث تدفع الفرد إلى تغيير سلوكاته وآرائه، فوفقا لصاحب النظرية فإن هناك ثلاثة أنواع من العلاقات بين عناصر المعرفة:
أ. علاقة اتفاق بين هذه العناصر.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٤
ب. قد لا تكون هناك علاقة اتفاق بين هذه العناصر.
ج. قد تكون هناك علاقة تناقض وتعارض بين هذه العناصر.
إذ يضطر الفرد في هذه الحالة الأخيرة إلى إلغاء هذا التناقض أو التقليل من حدته إما بتبني العنصر الجديد والاستغناء عن القديم، أو عن طريق خلق نوع من الانسجام أو مقاومة العنصر الدخيل عن طريق التجاهل والتغافل عن مصدره أو صنيفه ضمن العناصر غير المنطقية التي لا يمكن التعاطي معها أو حتى التفكير فيها.
في هذا الإطار يرى (ليون فستنجر) بثلاثة أمثلة يظهر فيها التناقض المعرفي في
أجّل صوره وهي اتخاذ القرار، آثار الكذب وآثار الإغراء:
اتخاذ القرار
إن تخيير الإنسان بين شيئين يضطره إلى ترك بديل واحد بالضرورة، لكن بعد اتخاذ القرار يرى بعض الخصائص الجيدة في البديل المتروك، وفي سبب التنافر المعرفي وللقضاء على هذا التعارض أو التقليل من حدته أمام الفرد هناك حلان لذلك:
فإما أن يقنع الفرد نفسه بأن البديل المتروك غير جذاب وأن خصائص البديل المختار لا تملك قوة التأثير في قراره. أو يلجأ إلى تبرير اختياره من خلال إعطاء مجموعة من العوامل التي تؤيده كالمبالغة في وصف خصائص البديل المختار.
آثار الكذب
بظهر التعارض هنا إذا أقدم الفرد على القيام بما يخالف العناصر والمواقف التي
يؤمن بها وتتوقف قوة التنافر على عنصرين وهما:
فكلما تعارض قوله وقراره مع اعتقاده الشخصي زاد التنافر، أو كلما قلت قوة
التنافر سعى الفرد إلى تبرير ذلك رغم معارضته الداخلية لها.
آثار الإغراء
في هذه الحالة يظهر لدى الفرد ميلا داخليا للحصول أو فعل شيء يخالف اعتقاده، تتعدد هنا أسباب النفور كأن يكون بعيد المنال أو مخالفة صريحة لمعتقداته أو غير مشروع أو يورطه في مشاكل لا نهاية لها.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٥
3. نظرية التحليل المعرفي للإعلام
تنطلق هذه النظرية من كون الإنسان كائن عاقل، بحيث يقوم العقل تلقائيا بالتفكير في أي عنصر جديد بوضعه في ميزان المنطق والمعتقد من خلال تحليل المعطيات والمعلومات المكونة للعنصر الجديد لمعرفة مدى قوته ومنطقيته، وموافقته للبيئة التي يعيش فيها.
لقد أشار إلى هذه النظرية (مارتن فيشباين) Martin Fishbien، حيث يركز على العامل المعرفي في عملية الإقناع وتغيير الاتجاهات وتعديلها، فالمعلومات المكونة للعنصر الجديد الذي يصل إلى إدراك المتلقي هي التي تدفعه إلى التعامل معه أو إلغائه.
4. نظرية التوازن المعرفي
تشير هذه النظرية إلى مفهوم أساسي يشكل حاجة إنسانية باعتباره شخصية متكونة من تناسق مجموعة من المركبات، تفرض على الفرد خلق نوع من التوازن حتى يعيش حياة طبيعية، إذ يصبح معها التوازن حاجة نفسية ومطلب له أهميته، ويسعى الفرد إلى الحفاظ عليها وحتى إيجادها إن فقدت .
ويرى صاحب هذه النظرية (هيدر فريتز) Frits Heider أن مفهوم حالة التوازن هو وجود مواقف معينة، تؤدي لأن يدركها الفرد دون ضغط , حتى يخلق الفرد التوازن والانسجام بين مكونات شخصيته. أي التوازن بين المستوى الداخلي والسلوك العلني.
كما يركز (هيدر) من خلال نظريته على نوعين من العلاقات بين الناس والأشياء:
علاقت مت الماعر ني لل لتي ر ن ه لأياء تتن
مشاعر الحب، الإعجاب، القبول، ونقيض هذه المشاعر.
– علاقات متصلة بالوحدة: تركز على الوحدات التي تتشكل من خلال الربط بين مجموعة من العناصر، فعلى سبيل المثال: الرجل وزوجته عبارة عن وحدة، شأنه في ذلك شأن الأستاذ وطلبته.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٦
تتجسد هذه النظرية في الإعلان من خلال سعي الفرد إلى الحصول على الرضا المطلوب الذي يحقق له توازنه الداخلي، فهو يهدف بتعامله مع المنتجات إلى إرضاء نفسه بالدرجة الأولى، والمحافظة على العلاقات التي تربطه بمحيطه الخارجي .
خامسا: التفسير الشامل لتأثير وسائل الإعلام أو ما تسمى بنظرية الاعتماد المتبادل
بين الجمهور ووسائل الإعلام والمجتمع
لابد من وضع ثلاث علاقات في الاعتبار عند الحديث عن تأثير وسائل الإعلام:
أولا: النظام الاجتماعي
ثانيا: دور وسائل الإعلام في هذا النظام ثالثا: علاقة الجمهور بوسائل الإعلام.
فاستخدام وسائل الإعلام لا يتم بمعزل عن تأثيرات النظام الاجتماعي السائد، وطريقة التعامل مع تلك الوسائل تتأثر بما يتم تعلمه من المجتمع في الماضي، وبما يحدث في اللحظة التي تستقبل فيها الرسالة.
فتحدث وسائل الإعلام في هذا السياق ثلاثة أنواع من التأثيرات:
التأثيرات المعرفية: كإزالة الغموض ووضع الأجندة وزيادة نظم المعتقدات
والقيم والسلوكيات.
ب. التأثيرات الوجدانية: كالحساسية للعنف (كحرب الخليج)، والمخاوف (كإعدام
صدام على الهواء)، والاغتراب.
ج .التأثيرات السلوكية: الحركة والفعل أو فقدان الرغبة في الحركة والفعل وهما من نتاج التأثيرات المعرفية والوجدانية.
كتاب علم النفس الإعلامي، الدكتور سامي محسن عتاتمة و الدكتور أحمد لطيف أبو سعد، صفحة ٩٧
