نظريات الرأي العام ومدارسه الفكرية
أولاً : المدرسة الألمانية
كانت فكرة الرأي العام في ألمانيا يعبر عنها بمصطلح (سيكولوجية الشعوب) واهتم (هيجل ) في كتابه (فلسفة التاريخ بالروح الوطنية أو الروح الخاصة بكل شعب من الشعوب. اما هاربرت (Herbart فاهتم بالجانب النفسي وكان ينظر إلى علم النفس على انه نوع من حركة الروح بالتركيز على ان تكون التصورات هي القوى الفاعلة وأوضح ان التصورات الجماعية تمثل مركزي القوى لأي تجمع أو فئة أو مجتمع وفي عام 1859 اصدر كل من لازاروس Lazarus وهيمان ستينتال H.Steinthal مجلة علم نفس الشعوب إذ يرى أصحاب هذا المذهب: ان نفسية الشعوب تتمثل جزئيا كرد فعل مضاد للمذهب الحيوي أي ان العوامل النفسية من نتاج المجتمع وبيئته وهي الفاعلة في شخصية الفرد. وطبقا لهما فان المجتمع هو من يهيئ للفرد الشعور بالذات وعلى ذلك تكون هناك موضوعية روح أو الروح الجماعية أو روح الكل أو الجميع. لقد أبرزت المدرسة الألمانية سيكولوجية الشعوب بشكل فاق المحاولات السابقة وتنطوي القناعة لدى هذه المدرسة بأن فكرة الروح الجماعية تعبر عن الحقيقة ذات الطابع الوضعي الصريح. ان الخبرة الألمانية ربطت مفهوم وظاهرة الرأي العام بنظرية الدولة ، فقد عرفت الخبرة الألمانية محاولات متعددة لربط مفهوم الرأي العام بنظرية الدول ، منها تلك المحاولة التي قدمها جاكوب فرايز 1803م في كتابه ” فلسفة القانون: نقد وتشريع ، والذي اعتبر ان الرأي العام هو أساس حكم القانون داخل الدولة، ولكن أكثر
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ٦٥
المساهمات الألمانية أصالة في تقييم الرأي العام في إطار النظرية السياسية وردت في كتاب الفيلسوف الألماني هيجل مبادئ فلسفة الحق والقانون : فالرأي العام عنده متناقض في طبيعته ، يستحق الاحترام للمبادئ التي يمثلها ويجسدها أحياناً ، ويستحق الاحتقار لتعبيراته الخارجية أحياناً أخرى .
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ٦٦
ثانيا: المدرسة الايطالية
ظهرت فكرة الرأي العام في هذه المدرسة متمثلة أيضا في سيكولوجية الجماهير. فقد كتب تارد في كتابه الرأي العام والجمهور انه يصور الجمهور بأنه حزمة متجمعة فيها أنواع العدوى النفسية قد نشأت بالأساس عن اتصال جسماني وتعرف المدرسة الايطالية الرأي العام على انه تجمع روحي خالص وعبارة عن تأثير أفراد منفصلين ماديا ومتحدين عقليا تماما. والواقع ان المدرسة الايطالية خلطت بين مفاهيم متناقضة مثل الرأي العام والشعب وجموع الغوغاء والمجتمع. لذلك فقد نبه إلى ذلك بعض المفكرين ومنهم بلوندل Blondel وآخرين
ثالثا: المدرسة الأمريكية
استند التحليل السياسي للرأي العام منذ منتصف القرن التاسع عشر بالأساس إلى مساهمات علم الاجتماع ، وعلم النفس ، وبدأ دور المساهمات القانونية يقل تدريجياً حيث بدأت النظرة الدستورية للنظام السياسي تتراجع بالتدريج ، وقد ترافق ذلك مع بدايات اهتمام المدرسة الأمريكية بالرأي العام التركيز على العوامل العاطفية وغير العقلية المؤثرة في تكوينه وتعتبر كتابات كل من والتر ليبمان ، وفرديناند ،ترونجر ، ويلهمباير – رغم الاختلافات داخل وجهات نظرهم – أمثلة توضح هذا الاتجاه ، فكتابات ليبمان كانت هجوماً قوياً على النظرية الديمقراطية التقليدية وفرضيتها عن المواطن شامل القدرة ، أما تحليل ترونجز – على خلاف ليبمان – فيقوم على أساس تفسير الخبرة السياسية للكثير من الأمم ، و على الدراسة الكاملة للأرضية التاريخية ، وهو في وصفه لسلوك
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ٦٦
مختلف الأمم إثناء الحرب العالمية الثانية يؤكد الطبيعة العاطفية غير العقلية للرأي العام. يجب ان نميز بين ثلاث مجموعات عن المقومات العملية لظاهرة الرأي العام وعلاقتها بالسلطة السياسية الحاكمة كل منها تحدد خصائص وتمتلك درجة معينة من درجات التكامل في التعبير عن ظاهرة الرأي العام وهي مقومات أولية، ومساعدة وأساسية. تأثرت المدرسة الأمريكية بالنهجين الألماني والايطالي من ناحية أهمية العامل النفسي في الرأي العام ولكن المدرسة الأميركية حاولت إعطاء فكرة جديدة عن الروح الجماعية بمحتوى حسي – مادي وايجابي. حاول (سمنر) في كتابه (عادات الشعوب التأكيد على الضغط الذي يمكن أن تمارسه الماديات وركز في تمييزه بين الجماعات الداخلية (نحن) والجماعات الخارجية (الآخر) متأثراً بنظرية داروين ) . وشبه سمنر في كتابه الآخر (علم المجتمع) الوظائف الاجتماعية كما لو أنها وظائف عضوية.
رابعا: المدرسة الفرنسية
فيما كان جان جاك روسو (1712 (1778) أول فيلسوف يستخدم مصطلح الرأي العام وكان قبل ذلك استخدم مصطلح الإرادة العامة) وهو من أوائل المنظرين السياسيين الذين استخدموا مفهوم الرأي العام ووضعوا الأسس لتطويره بدلالات مقاربة للمعاني الحالية، ومن أهم كتابات روسو العديدة كتابه في العقد الاجتماعي، ويمكن اعتبار الفكرة الأساسية وراء العقد الاجتماعي هو موضوع الوحدة… وحدة البناء الاجتماعي وذلك بإخضاع المصالح الخاصة للإدارة العامة. فالحكومة دورها مساعد لأن الإدارة العامة هي مجموع إرادة الشعب الذي يضع القوانين والحكومة ما هي إلا الأفراد الذين يقومون بتنفيذ القوانين، وواضح أن مفهوم إرادة الشعب يشير في المعنى العملي التطبيقي إلى جوهر الرأي العام في معناه المعاصر. وهو أول من طبق نظرية العصمة الشعبية للدولة في دراسته للإرادة العامة متوصلا بذلك إلى ان “الإرادة الأكثر عمومية هي أيضاً الإرادة الأكثر عدلاً ، وان
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ٦٧
صوت الشعب هو صوت الله ” ، وهو في كتابه العقد الاجتماعي يكاد ينحني إجلالاً واحتراماً لقوة الرأي العام ، مؤكداً انه حتى الحكم المطلق لابد و يستند إلى رأي الرعية. ويعود الفضل حقا للثورة الفرنسية في تبلور وظهور مصطلح الرأي العام الذي اخذ يتكرر وتداولته الكتابات السياسية والفكرية والاقتصادية قبل أن يخترق المفهوم الطريق إلى بقية أوربا بأكملها وخصوصا انكلترا.
وقد امتد تأثير الثورة الفرنسية بهذا الصدد إلى ألمانيا ، ويعترف الكتاب الذين تعرضوا للموضوع في الفكر الألماني انه احد أهم تأثيرات الثورة الفرنسية ، وان التعبير الذي استخدموه كمرادف لمفهوم الرأي العام يعد نتاجا لها أيضا ، وكذا الدلالة السياسية له والتي مفادها انه لا يمكن للحكومات المستبدة ان تدوم في الحكم والسلطة إلى قوة الرأي العام التي سترفع ان عاجلاً أو آجلاً راية العصيان السياسي وتختار الخروج على منطق السلطات المستبدة المتغلبة. استناداً وفي عصر النهضة في أوربا وحتى الثورة الفرنسية ارتبط ظهور مصطلح الرأي العام بظهور الطبقة الوسطى. وابتداء من كتابات المفكر الفرنسي ميكيافيلي (1469 1527) مبتكر نظرية الغاية تبرر الوسيلة حدث تطور مهم في الكيفية التي تناول الفكر الفلسفي ما يسمى بالرأي العام، فقد عده عنصراً يجب أن يؤخذ بالحسبان في عملية الصراع من أجل السلطة، وان كان ميكافيلي استخدم مفهوم (صوت الشعب) للدلالة على الرأي العام واتجاهاته وهو أول من أطلق عبارة (إن صوت الشعب هو من صوت الرب). وكان (ميكافيلي) من رواد المناداة بأهمية الاهتمام ب (صوت الشعب) أما مونتيسيكيو فقد اختار مصطلح الروح العامة) Esprit General.
خامسا: المدرسة الانجليزية الاتجاه الانجلوسكسوني وهو الاتجاه السائد في دراسات الرأي العام في الوقت الراهن ؛ الخبرة الانجليزية وتأسيس النظرية الديمقراطية التقليدية على الرأي العام:
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ٦٨
يؤكد (هوبز ) على أن العالم تحكمه الآراء؛ في حين يقرر (هيوم) ان كل
السلطات تقوم مهما كانت مطلقة على أساس الرأي؛ بينما اهتم بنشام) في مؤلفاته
الأولى مقدمة لمبادئ الأخلاق والتشريع 1789م؛ ونظرية التشريع بالرأي العام كأداة للرقابة الاجتماعية ،1802م، وقد طور (بنثام) نظريته عن الرأي العام كجزء من النظرية الديمقراطية للدولة والسلطة السياسية ، فهو يتحدث في المجموعة الدستورية عما يسميه محكمة الرأي العام، والتي تعد نظاماً قانونياً نابعاً من جسد الشعب ، وهي القيد الأساسي للممارسة الفاسدة لسلطة الحكومة – وتعتبر الصحافة أهم عوامل تكوين الرأي العام والتعبير عنه، وهي ليست جهازاً ملائماً لمحكمة الرأي العام فحسب ، بل الجهاز الذي يعمل بانتظام وعلى الدوام.
ويعطينا الفيلسوف “كريستيان جارف” في بحثه حول الرأي العام تحليلاً أكثر تفصيلاً لماهية الرأي العام باعتباره اتفاق كثرة أو غالبية المواطنين في الدولة بالنسبة لأحكام توصل إليها كل فرد نتيجة لتفكيره الخاص أو لمعرفته العملية لموضوع ما، ويمضي جارف ليؤكد صحة العبارة القائلة صوت الشعب من صوت الله، وليصل إلى أن الرأي قادر بشكل خاص على معالجة المبادئ العامة.
سادسا : المدرسة الماركسية – الشيوعية
أما في المجتمعات التي كانت تعرف بالاشتراكية والتي ظهرت في بداية القرن العشرين الماضي في الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية، فكان الرأي العام هو رأي الشغيلة (العمال) أو ما يعرف بالبروليتاريا العمالية.
ولكن دراسة الرأي العام بالشكل الأكاديمي ظهرت في المدة الزمنية التي أعقب الحرب العالمية الأولى عام 1914 وتطور المفهوم كثيرا بعد الحرب العالمية الثانية .(1945-1939 وبدا حينها عصر النشر والتوزيع وعصر الاتصال الجماهيري الذي أزدهر مع القرن العشرين بانتشار وسائل الإعلام والاتصال الحديثة من راديو وتلفزيون وسينما
كتاب مدخل إلى الرأي العام – أستاذ دكتور كامل خورشيد مراد – صفحة ٦٩
