أسس الدعاية في السياسة الأمريكية نموذج حرب الخليج الثالثة عام 2003
ترتكز السياسة الأمريكية في عملية تعبئة الرأي العام، خاصة داخل مجتمعها، على استثارة عدد من المبادئ الدعائية لتحقيق الالتفاف الشعبي حول أهداف إدارتها. ونرصد في حالة الحرب على العراق أهم هذه المبادئ :
1- الوطنية شبة استدعت الإدارة الأمريكية في الحرب على العراق عاملا مهما للتعبئة وهو إذكاء الروح الوطنية حيث شكل الخروج عن الإجماع الوطني نوعا من الشذوذ الواجب عزله، وسقط الكثير من الإعلاميين أنفسهم ضحية هذه الحمية الوطنية. ومن هؤلاء نذكر مذيع شبكة CBS الأمريكية مارتن كالب بقوله إن: “الصحافي يقبل اللجوء إلى الكذب عندما يرى أن في ذلك مصلحة وطنية عندما يتعلق الأمر بإثارة مشاعر “الوطنية”، يتراجع منطق الحيادية وموضوعية الطرح لصالح سياسة نصبت نفسها راعيا للقيم الأمريكية ومدافعة عن
الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٨٦
أمن الأمريكيين ضد الخطر الداهم. ترجم جهاز الدعاية في البيت الأبيض هذا الطرح “الوطني” في فيلم دعائي بثته شبكات التلفزيون، يقول: “البعض يهاجم اليوم الرئيس لأن الرئيس يهاجم الإرهابيين والبعض يطالبنا بالعودة إلى الوراء وبوضع أمننا القومي في أيدي الآخرين. يجب على الناخبين أن يقولوا لممثليهم في الكونغرس إنهم يدعمون سياسة الدفاع الاستباقي التي ينتهجها الرئيس من المفيد التنبيه هنا، إلى أن مسألة استثارة مشاعر الوطنية لا تتماشى مع أهداف السلطة فحسب، وإنما أيضا مع الشركات الكبرى التي تحتكر الإعلام الأمريكي، وتربطها مصالح خاصة مع الإدارة الأمريكية.
2- الشرعية تتميز مواقف الرأي العام في المجتمعات الغربية بالتعقيد والحساسية المفرطة، ويمكنها أن تتأثر سلبا إذا بدا لها أن شرعية التدخل العسكري هشة، كما أن هذه المواقف ليست مضمونة تماما من منطلقات وطنية، ولهذا فإن توفر عامل الشرعية يعزز أساليب الإقناع، ويفوض القوة العسكرية للتصرف بالنيابة. تحتاج الحرب إذا إلى غطاء الشرعية”، لكي تستطيع تحقيق الإقناع وتكريس القبول لدى الرأي العام فمن المهم أن يظهر التدخل العسكري شرعيا ، ويبدو لأغراض نبيلة. وعادة ما كان يمر ذلك تحت عباءة الأمم المتحدة، لكن الإدارة الأمريكية وظفت في حربها الأخيرة على العراق الهدف المعلن وهو نزع أسلحة الدمار الشامل لإضفاء الشرعية على حملتها.
3 – الديمقراطية تقوم أيديولوجية المجتمعات الغربية والأمريكية على وجه التحديد، على عدد من المفاهيم التي يتم تسويقها كشعارات ضمن قوالب جاهزة كلما اقتضى الأمر ذلك، منها الديمقراطية والحرية ويجري على هذا الأساس، استغلال هذه القيم لجعل السياسة الخارجية الأمريكية مقبولة لدى الرأي العام الأمريكي خاصة
الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٨٧
عندما يتعلق الأمر بإعلان حرب، أو فرض تدابير عقابية على دولة ما، أو شعب ما بحجة خرق هذه المثل يشير تقرير لمجلس الأمن القومي عام 1996، إلى الإستراتيجية الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم بالنص : “إن تعزيز الديمقراطية لا يتفق مع مثلنا فقط، وإنما هو يدعم مصالحنا. نعلم أنه بمقدار ما يزداد انتشار الديمقراطية بمقدار ما تتحسن أوضاعنا فالديمقراطيات تنشئ أسواقا حرة من شأنها أن تضاعف من الفرص الاقتصادية، وأن توفر شركاء تجاريين أكثر استقرارا وأقل عرضة لشن الحروب على بعضها من أنظمة أخرى.. وبمقدار ما يزداد انتشار الديمقراطية والتحرر السياسي والاقتصادي في العالم خصوصا في البلدان الإستراتيجية بالنسبة لنا، بمقدار ما يترسخ أمن بلادنا وتزداد فرص النمو والتقدم أمام شعبنا ” نا (1) ومن هذا المنطلق يرى المحافظون الجدد أن نشر الديمقراطية يخدم طموحاتهم في السيطرة الأمريكية على العالم بل ويذهبون أبعد من ذلك عندما يتبنون سياسة الضرب بقوة لفرض الديمقراطية متى اقتضى الأمر ذلك. ورغم أن معظم العالم العربي، هو من وجهة النظر الأمريكية، في حاجة إلى دخول حظيرة الديمقراطيات والحريات الحديثة، إلا أن تركيز الإدارة الأمريكية يتجه دوما نحو الدول التي تتبنى سياسات معارضة لتوجهاتها السياسية والأيديولوجية يتقدمها العراق. وقد جرى تصوير النظام العراقي على مدى أكثر من عقد من الزمن، أي منذ ظروف اندلاع حرب الخليج الثانية عام 1991 وحتى احتلال العراق عام 2003، على أنه نظاما دكتاتوريا يقمع الحريات، وألصقت به الدعاية الأمريكية كل الأوصاف الهجينة والشاذة التي يمكن أن ترتبط عند المواطن الأمريكي بصورة ذهنية تكونت لديه انطلاقا من ممارسات سابقة عرفها التاريخ البشري
الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٨٨
وأدركها هذا المواطن من خلال وسائل الإعلام المختلفة وليس من خلال وعيه بالموقف أو معايشته للواقع اختصر وولفو فيتز طموحات تياره بقوله: “ربما” سننظر إلى هذه اللحظة من التاريخ كلحظة اتخذ خلالها الغرب قراره بنفسه للقرن الحادي والعشرين ليس بتعابير الجغرافية والجنس والدين والثقافة أو اللغة، وإنما بتعابير القيم قيم الحرية والديمقراطية لم تأل الولايات المتحدة جهدا في تسخير أجهزتها للدعاية لتقديم حملتها العسكرية في العراق على أنها مخاطرة لنشر الديمقراطية وجهدا لتحرير الشعب العراقي من الممارسات الديكتاتورية لنظامه. إن شعارات من قبيل “نشر الديمقراطية، وترسيخ قيم الحرية”، لطالما كانت تتمتع بجاذبية وبريق خاص تتطلع إليه أولويات الشعوب على حساب الأنظمة التي تحكمها. ويمكن بالفعل استغلال تطلعات هذه الشعوب بحيث تبدو الحملة العسكرية، بما فيها من مآسي وآلام وما يختفي وراءها من أهداف، كحلم أسطوري على نحو القوي المخلص للضعيف المغلوب على أمره”. ويمكن أن تبدو النتيجة جذابة” تماما مثل العبارة التالية : “عزيزي الجندي في الجيش الأمريكي، شكرا لدفاعك عن حريتنا”. هذه الرسالة الصغيرة، هي من تصميم وزارة الدفاع، أرسلها عدد كبير من المواطنين الأمريكيين عبر الانترنيت إلى جنودهم على الجبهة في العراق، في إطار حملة دعائية هائلة أطلق عليها اسم “فيالق حرية الولايات المتحدة، المراد منها أن تلهم الأمة، على حد تعبير لوموند
4 – مكافحة الإرهاب شبكة لم يعد المجهود الحربي الميداني، منذ بدايات القرن المنصرم، كاف وحده لتحقيق الانتصار في الحرب، فقد أصبح من الضروري أن يواكبه مجهود مكمل
الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٨٩
