مسؤولية الإعلام في إدارة أزمة الخليج الثانية عام 1991
حققت إجراءات الرقابة المفروضة على عمل الصحفيين خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 ، النجاح إلى حد كبير لدرجة أن المراسل الصحفي الأمريكي الشهير بيتر آرنيت وصف التغطية الصحفية في هذه الحرب بأنها أكثر التغطيات تعرضا للقيود في التاريخ الحديث والذي لم نره، ولم نقم بتغطيته أثناء الحرب، هو مستوى النيران ومستوى التقنية العسكرية..إلخ. فقد استبعد هذا الأمر إلى الحد الذي جعل الجمهور لا يعرف – حتى الآن الحجم الحقيقي للنيران ومستوى الدمار الذي يمكن أن تحدثه حرب كهذه. ويضيف آرنيت بأن العسكريين لعبوا دور شهود عيان وكان الجمهور يستمع إليهم. فنجاح المراسل يتوقف على قدرته في الوصول إلى موقع الحدث، ونقل الأخبار عنه، بيد أن هذا الأمر في حرب الخليج تحول إلى جانب العسكريين بمنعهم الصحفيين كشهود عيان . وهكذا، تحول حضور وسائل الإعلام في أرض المعركة إلى حضور استعراضي بدل حضورهم الفاعل مما أثار المسؤولية الجماعية للصحفيين في (4)” الإعلام وإدارة الأزمات من خلال بلورة الرأي العام حول الخطاب العسكري الأمريكي لصناعة الإجماع.
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٦٢
انحصر معظم الخطاب الإعلامي الأمريكي في نطاق إستراتيجية الإدارة الأمريكية التي رسمت لوسائل الإعلام إطارا تتحرك ضمنه لخدمة أهدافها وتوجهاتها، وساعدت الإجراءات الرقابية التي خططها ونفذها العسكريون الأمريكيون بإتقان في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الحروب، في إحكام السيطرة على وسائل الإعلام الأمريكية والغربية وأمركة خطابها بشكل جعل هذه الوسائل تنخرط بطريقة إرادية ولا إرادية في إدارة الأزمة لصالح قوات التحالف وتطبيق قواعد الدعاية التي تحدث عنها جون ماري دومناش ( Jean-Marie Domenach) وأهمها :
قاعدة التبسيط والعدو الوحيد الغرب الذي تحرك بأكمله والعالم الاشتراكي الذي صمت فجأة يتحدان ضد الشر المطلق الذي أصبح منذ الآن يمثله العراق.
قاعدة التضخيم والتشويه. صدام حسين الذي كان قبل وقت قليل شخصية مألوفة جدا بفضل حربها ضد الأصولية الإيرانية، تجد نفسها فجأة توسم بالشيطنة من قبل وسائل الإعلام.
قاعدة “الجوقية”. قال جوبلز: “لكل جمهور خطاب مختلف”. ارتدى العراق كل الأوصاف التي كانت الشيوعية توسم بها سابقا : القوة العسكرية رابع جيش في العالم، الدكتاتورية العالمية ( نعيد اكتشاف التعذيب البوليسي)، شناعة الوسائل استعمال الغاز)، التهديد المطلق السلاح النووي).
قاعدة الإجماع والعدوى الغرب الذي ساعد صدام يجد نفسه غارقا في السخط عليه والتنديد به باستعمال سلاح يفترض أن الظروف الاستثنائية فقط، تسمح به هو القانون الدولي في إطار هيئة الأمم المتحدة.
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٦٣
يعبر الكاتب نعوم تشومسكي عن قاعدة التضخيم والتشويه التي طالت الرئيس العراقي صدام حسين أثناء حرب الخليج الثانية، ويؤكد أن ثمة “دائما هجوم إيديولوجي يؤدي في النهاية لخلق وحش وهمي تعقبه حملات للتخلص من هذا الوحش ويضيف تشومسكي إن صدام حسين هو وحش على وشك أن يغزو العالم، كما هو شائع في الولايات المتحدة، فقد تم تلقين الناس مرة بعد أخرى أنه سيأخذ كل شيء، وأن علينا أن نوقفه الآن الترويج لوحشية العدو لإدارة إدراك الحرب لدى الرأي العام ارتدى أساسا شكل خطاب حول الحرب” “النظيفة. هذا الموضوع استهدف مقارنة أداء المسؤولين الغربيين في قيادة العمليات العسكرية ببربرية وعنف خصم يملك الأسلحة الأكثر قتلا وتدميرا تهديد كيميائي وبكتيري ونووي، رابع جيش في العالم، خطوط دفاع منيعة ..) وبالمقابل، تمت التغطية على صور القتل والدمار الذي مارسته قوات التحالف على العراقيين للظهور بمظهر الحريص على خوض حرب نظيفة خالية من مشاهد العنف بفضل تكنولوجيا دقيقة، روّجت الدعاية الأمريكية أنها قادرة على إصابة أهدافها دون خطر الوقوع في أضرار جانبية، واقتصرت الصور على نقل وجاهة هذه الأسلحة عالية الجودة بعيدا عن التحقق من ضحاياها. وقد عبر الكاتب الأمريكي د. كاتز عن هذا الأمر بالقول : “شاهدنا صورا عن التكنولوجيا الحربية، وإعلانات عن طائرات أنيقة، وقذائف ومعدات أخرى ، مع عرض للمهام التي
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٦٤
من المفروض أن تؤديها أثناء المعركة. بدا الأمر كله وكأنه ليس هناك طرف ثان في الحرب . وكتب الكاتب دوغلاس كيتلر يقول : “إن ما يهم وسائل الإعلام الأمريكية ويشغلها هو صورة الحرب “التكنولوجية ووصف الكاتب ج.جرنبر هذه الظاهرة بأنها جزء من فيلم حرب الخليج الذي أنتجته وسائل الإعلام الأمريكية . وهكذا ، بدت حرب الخليج الثانية عام 1991 حربا للأسلحة الناعمة في غياب مشاهد الجثث والدماء عن معظم التغطية الإعلامية للمجموعات الصحفية. وظهر بعد آخر في الحرب الإعلامية الأمريكية أثناء هذه الحرب، في محاولة تضليل القادة العسكريين العراقيين أنفسهم من خلال بث معلومات خاطئة عبر وسائل الإعلام المختلفة. اعترف الجنرال شوارتزكوف في ندوة صحفية عقدها في نهاية الحرب باستعمال وسائل الإعلام في محاولات تضليل العدو بتضخيم عدد ،الفرق وإيهام العراقيين بهجوم جار التحضير له في منطقة ما، بينما الهجوم الفعلي يتم في منطقة أخرى كعملية الإنزال في عمان والخليج التي غطيت بكثافة، وأعطت الاعتقاد بالتحضير لهجوم عسكري في المنطقة مما جعل العراقيين ينقلون أجهزتهم باتجاه الشمال نستشف من العرض السابق أن السلطات العسكرية الأمريكية حرصت على عدم تكرار تجربة فيتنام مع وسائل الإعلام، واستفادت من دروسها جيدا بحيث حققت نجاحا مشهودا في حرب الخليج عام 1991
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٦٥
