تطور الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية عرف المجتمع الأمريكي الصحافة بعد عقود من ظهورها في المجتمعات الأوروبية، ورغم ذلك، استطاع أن يوفر لها مناخا خصبا للتطور والازدهار ليتقدم بصناعتها على كثير من المجتمعات السباقة في احتضانها. وقد أصبحت الصحافة الأمريكية تصنف اليوم على أنها “الأهم في العالم” كصناعة تنتج ربع ما ينتجه العالم من يوميات بمعدل 26.9 صحيفة لكل مائة ساكن بالإضافة إلى الآلاف من الأسبوعيات والدوريات الأخرى التي لم تتأثر بظهور وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة كالراديو والتلفزيون ثم الفضائيات والانترنيت في خطوة لاحقة.
1- صحافة المستعمرات ظلت الصحف الأوروبية توفر مادة القراءة للمستوطنين الأوروبيين في أمريكا ما يزيد عن مائة سنة قبل أن ينشط هؤلاء المستوطنون في استيراد المطابع من القارة القديمة. ومع ذلك، تأخرت الصحيفة الأمريكية في الظهور نحو خمسين عاما بعد معرفة البلاد لفن الطباعة وشكلت صحيفة ” The present State of The News English Affairs” عام 1689، أول محاولة إصدار صحفي ناجح في المستعمرات الأمريكية “
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليفأستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١١٧
فتح هذا الإصدار الباب أمام ظهور نشاط صحفي في مختلف المستعمرات لكنه كان يفتقر إلى الكثير من مقومات الصناعة الصحفية منها انتظام الصدور فبعد جريد “Publick occurrences” الصادرة عام 1690 ، لصاحبها بنجامين هاريس، شهدت مدينة بوسطن صدور عدة جرائد هي: “Newsletter” عام 1704، “The Gazette” عام 1719 ، The New England Courant” عام 1721 قبل أن ينتشر إصدار الصحف في مناطق أخرى كفيلاديلفيا بظهور جريدة ” Pennsylvania Gazzette” عام 1729، ثم في نيويورك بظهور The Gazette” عام 1725). وعمت ظاهرة إصدار الصحف في بقية المستعمرات بحيث أصبحت 11 مستعمرة من بين 13 تمتلك صحفا عشية الثورة الأمريكية كانت “لتلك المحاولات الصحفية الأولى أثرها البعيد في تهيئة الأفكار لتطور جديد في صحافة المستعمرات، فبعد أن كانت الصحافة هواية بدأت تدخل في طور الاحتراف. وبعد أن كانت في معظمها صحفا تصدر بلا مواقيت مرسومه ” أصبحت تصدر في مواعيد معلومة، وبعد أن كانت معظم الصحف المنتظمة الصدور شهرية، شهدت بوسطن أول صحيفة أسبوعية منتظمة، تنشر في أمريكا كلها
2- الصحافة الأمريكية من الثورية إلى الحزبية ساهم ظهور الصحف وانتشارها في قيام ثورة انتهت بالانفصال عن الحكومة الأم في إنجلترا، وذلك بفتح صفحاتها للتعبير عن مطالب المستوطنين في الاستقلال، ومقاومة ما كان يفرضه البرلمان الإنجليزي عليهم من قوانين يعتبرونها جائرة. وكانت صحف بوسطن أقوى صحف الثورة وخاصة “بوسطن جازيت” التي كان يحررها في ذلك الوقت بنجامين إيدز، وجون جيل، وحاربا بمقالاتهما الضرائب الجائرة، وخاصة ضريبة التمغة، وقد ارتفع توزيع هذه الجريدة إبان الثورة إلى أكثر
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليفأستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١١٨
من ألفي نسخة.
وانقسمت الصحافة أثناء الثورة بين صحافة الوطنيين الثائرين وكانت الغالبة، وصحافة الملكيين التي انطفأ وميضها بعد تحقيق الاستقلال عن التاج البريطاني. ظهرت بعد الثورة الأمريكية، وبالضبط في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، أزيد من ستين صحيفة ، وتضاعف عددها في أوائل القرن التاسع عشر فبلغ أربعمائة وخمسين جريدة ولم يبق من صحف الثورة إلا اثنتا عشرة جريدة استمر بعضها إلى بداية القرن التاسع عشر. وسجلت الصحافة، في فترة ما بعد الثروة، حضور عدد من الممارسات الجديدة ارتبط الجديد الأول بظهور صحافة حزبية أصبحت لسان حال الحزبين اللذين نشأ عقب الاستقلال، وهما الحزب الجمهوري، والحزب الاتحادي. وتمثل الجديد الثاني في ظهور شخصية المحرر الذي يدقق في الأخبار ومصادرها، ويتفنن في عرضها بدل جمع المعلومات ورصها دون تدقيق. وأما الجديد الثالث فارتبط بظهور المقالة الافتتاحية استمرت الصحافة الأمريكية في التوسع والازدهار وأصبحت السياسة مجال جذب لها. وقد عبر أحد السياح عن قوة الصحافة الأمريكية، وانتشارها في تلك الفترة بالقول: “إن تأثير وضخامة توزيع الصحف الأمريكية يفوق ما عرف في أي مكان في أوروبا وأستطيع أن أقول إن تسعة أعشار السكان يقرؤون الجرائد التي تصل إلى كل ثقب في البلاد
3 – ظهور الصحافة الشعبية والتحول نحو الصحافة الكبرى أدت الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن التاسع العشر، إلى ظهور مراكز حضرية كبيرة، كما أدى ازدهار عالم الأعمال إلى ازدياد الطلب على
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليفأستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١١٩
الإعلانات، وخلق تطور التعليم الحاجة إلى القراءة. ودفعت هذه العوامل مجتمعة الشخص الأمريكي إلى البحث عن الأخبار والمعلومات ومساحات ودعائم للإعلانات، وكل ما من شأن الصحف أن توفره مما ساهم بالتوازي مع ظهور آليات وتقنيات إنتاج حديثة، في ميلاد الصحافة الشعبية. افتتح بنجامين داي الصحافة الشعبية بإصدار العدد الأول من جريدته ” “الصان” عام 1833 في نيو يورك، وخطى أول خطوة في صحافة البنس ” penny press رخيصة الثمن بعدما كانت الصحف في مطلع القرن التاسع عشر تباع بأثمان غالية، ولم تكن في متناول الجميع. قرر بنجامين داي بيع “الصان” بسنت واحد بدل ست سنتات، وهو سعر الصحف الشائع في تلك الفترة مما ساهم في ارتفاع عدد القراء وعائدات الإعلانات. ونجحت التجربة في رفع نسبة سحب الجريدة إلى عشرة آلاف نسخة في ظرف سنة واحدة، وهو ما شجع بقية الصحف على السير على منوال “الصان”(1). سجلت صحف البنس نقلة نوعية في تاريخ الصحافة الأمريكية فقد “كان عدد الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1833 نحو ألفين ومائتي جريدة ومجلة، وزاد هذا العدد في سنة 1860 إلى ثلاثة آلاف بين مجلة وجريدة. وكان عدد الجرائد اليومية بين تلك الصحف نحو ثلاثمائة صحيفة، وهذا القدر من هذه الصحف جميعا يعادل ما عرفته إنجلترا وفرنسا مجتمعتين في تلك الحقبة ثلاث “مرات كانت الحرب الأهلية الأمريكية بين الشماليين والجنوبيين مناسبة كبيرة لتطوير التغطية الصحفية، وبذل الجهود لجمع أخبار الحرب ونشرها، وبرزت أثناءها مكانة المراسل الحربي في دعم جريدته وتوسيع دائرة قرائها.
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٢٠
بلغ عدد الصحف الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية بين سنوات 1870 عن الأحزاب، و 1890 اثنتي عشرة ألف صحيفة منها نحو أربعة آلاف جريدة مستقلة و طبع التحرر من السيطرة الحزبية صحافة تلك الفترة. وكان السبب الرئيسي في هذا التحول هو الاتجاه المتزايد إلى صحافة الخبر والموضوعات أو التحقيقات ذات الصلة الوثيقة بالنواحي الإنسانية). ومن بين الشخصيات الصحفية التي أثرت في مسار الصحافة الأمريكية جوزيف بولتزير الذي اشترى جريدة “New York World” ، واستطاع بفضل سياسته التحريرية أن يرتقي بها ليصل توزيعها في ظرف سنة واحدة إلى مائة ألف نسخة، وفي سنة 1886، وصل التوزيع سقف مائتين وخمسين ألف نسخة ، وفي السنة الموالية أي في عام 1887 ، ظهرت النسخة المسائية للجريدة، وبلغ توزيع النسختين معا 374 ألف نسخة يوميا. عني بوليتزر بالسياسية الإخبارية لجريدته بطريقة جمعها، وتحريرها، وإخراجها ليتميز على بقية الصحف حتى أن أحد المراقبين علق عام 1887 بالقول: “إن جريدة ويرلد قد أحدثت أثرا بالغا في شخصية الصحافة اليومية في البلاد كلها ، ووصف البعض بوليتزر بأنه قام بانقلاب في الصحافة، وخلق نموذجا جديدا على مستوى عالمي للصحافة اليومية. بدأت الصحافة الصفراء، في نهاية القرن التاسع عشر، تنافس الصحافة الجديدة لبولتزير وكان بطل هذا النوع من الصحافة التي تبتعد عن الرسالة الصحفية، وتُغلّب الطابع التجاري بغرض كسب المال عن طريق المبالغة في استخدام أسلوب الإثارة وتقصي الفضائح والجرائم، هو وليام رندولف هيرست في جريدته
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٢١
استطاع هيرست أن ينافس بجريدته بولتزير ويتفوق عليه أحيانا، وفتح الباب أمام نوع من الصحافة استطاعت أن تقفز بأعداد التوزيع إلى الملايين. قلبت الصحافة الشائعة في الفترة ما بين سنوات 1892 و1914، في ربع قرن حياة الصحف، ووضعت أساسا متينا لهذه الصناعة القوية، وأصبحت من الأعمال الضخمة في حياة الولايات المتحدة الصناعية والتجارية وبلغت ذروة النجاح في التوزيع، وحجم الإعلانات. ووصلت الصحف الكبرى إلى أحجام لم يكن يحلم بها أحد في الوقت الذي سجلت فيه أرقام الاستثمارات والتكاليف والأرباح مستويات خيالية (1) وهكذا انتقل عدد اليوميات بين سنوات 1892 و 1914 من 1650 إلى 2250 نسخة، وعدد الأسبوعيات من 11000 إلى 12500 نسخة (2). وأثناء الحرب العالمية الأولى، انتعشت صحف المعسكرات ورغم أن هذا النوع من الصحف عُرف خلال الحروب السابقة غير أنه أخذ شكلا مختلفا، فكان لكل معسكر في الولايات المتحدة الأمريكية صحيفة خاصة به يحررها الصحفيون الذين جُندوا للحرب، وكان يتعاون في تحريرها وتزويدها بالأخبار كل المعسكر بمختلف رتبه. وكانت هذه الصحف تستمتع بهامش كبير من الحريات خاصة في الموضوعات المتصلة بالنواحي الإنسانية إبان الحرب. ووصل إصدار هذه الصحف إلى أوروبا حيث يوجد الجنود الأمريكيون وتوسعت خلال الحرب العالمية الأولى عملية إدماج الصحف، والتكتل لتعزيز (3). الصحف، وتقويتها لمواجهة المنافسة المحتدمة، والاستمرار في ظروف الحرب. وبظهور الراديو كوسيلة إعلامية جماهيرية جديدة ثم حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 ، واجهت الصحافة الأمريكية صعوبات جلية بسبب انخفاض مستوى الإعلانات رغم أن مستوى التوزيع لم يتأثر.
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٢٢
ولكن في نهاية الحرب العالمية الثانية كان عدد اليوميات في الولايات المتحدة الأمريكية 1745 يومية، “بلغت الذروة في كافة نواحي الفن” الصحفي .
4- الصحافة المعاصرة أدى ظهور الإذاعة والتلفزيون كمنافسين عنيدين للصحف إلى توجه هذه الأخيرة نحو تغليب الخبر على مادتها كما انتشرت الأعمدة كنوع صحفي في معظم الصحف الأمريكية. وأدى ظهور وانتشار الانترنيت لاحقا إلى ظهور الصحافة الإلكترونية، مما دفع بالصحف في عمومها إلى إصدار طبعات إلكترونية مستقلة أو مكملة لطباعتها الورقية.
كتاب الإعلام و إدارة الأزمات – تأليف أستاذ دكتور عبد الرزاق الدليمي – صفحة ١٢٣
