نظريات تكوين الجمهور:
لا تزال الدراسات الوصفية المنبثقة عن التوسع في استعمال السوسيوغرافيا تشكل الطابع الغالب لأبحاث الجمهور وجل الدراسات المهتمة باستعمال وسائل الإعلام وتأثيراتها على الجمهور ولكن نتائج هذه الأبحاث لا تكتسي أهمية كبرى بالنسبة للتراكم المعرفي لأن منطلقاتها وأهدافها الغالبة إما تجارب أو انتخابية ظرفية وتنطبق هذه الملاحظة على المجتمعات المنتجة والمصدرة للتكنولوجيات والإيديولوجيات الإعلاميتين وتنعدم مثل هذه الدراسات في المجتمعات الهامشية لأسباب حضارية سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية. وتبقى نتائج الدراسات التسويقية محدودة لاقتصارها على عوامل ديمغرافية واجتماعية تستعمل لتحديد حجم و تشكيل الجمهور وطبيعة أنماط سلوكياته. يرى مكويل (1984) MCQUUIL) أن السن والطبقة والدخل ومستوى التعليم لها أهمية كبيرة في تحديد حجم جمهور أي وسيلة إعلامية لأن كل منها يتدخل في تحديد حجم الوقت و كمية المال اللازمين لاستعمال وسائل الإعلام فالسن يحدد مدى الاستعداد والحرية في اختيار واستعمال وسائل الإعلام حيث أن الأطفال الصغار مثلا يخضعون لاختيار العائلة ويتعرضون للتلفزيون أكثر من أي وسيلة أخرى ومع تقدم السن يتغير إذ يكتسب حرية في تعامله وسائل الإعلام فيؤدي إلى استعمال الراديو والذهاب إلى
كتاب الهندسة البشرية والعلاقات العامة تأليف الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي صفحة ٣٠٨
السينما وعندما يصبح العائلة يعود إلى السباق المنزلي ولكن باهتمامات الشخص رب مختلفة مثلا تخصيص وقت أكبر لقراءة الصحف. أما الدخل المرتفع فيقلل من استعمال التلفزيون هذه الاعتبارات وغيرها مثل النوع ومكان الإقامة تساعد على وصف الجمهور وصفا مقبولا وتساعد على التقرب من حجمه ونوعيته ولقد أسفرت الدراسات عن تأسيس مجموعة من النظريات تتكامل فيما بينها لإعطاء نمطية وصفية للجمهور ( typology ) تهدف إلى تصنيف الجمهور وفق فئات وشرائح ديمغرافية وتحديد خصائصها وأساليب اتصالها ليسهل في النهاية تحليل واقعها في سياق اجتماعي ثقافي و تاريخي و يمكن تقسيم هذه النظريات إلى ثلاث أنواع: النوع الأول ويهتم بالعروض التي تقدمها وسائل الإعلام النوع الثاني يهتم بشروط التوزيع وإمكانيات الاستقبال النوع الثالث يهتم بطلبات الجمهور ونتطرق إلى أهم النظريات المتداولة في الأدبيات الإعلامية الانجلوسكسونية بصفة خاصة لكونها الرائدة في هذا الميدان
1- نظرية الحدث التاريخي historical accident : إن النظرية في حد ذاتها واسعة و لكنها تتضمن عنصرين رئيسيين في كل بنية لجمهور معين ويتدخلان بشكل مباشر في فهم بعض جوانب تكوين جمهور وسيلة إعلامية معينة من وجهة نظر تاريخية العنصر الأول: ويتعلق بتاريخ وسيلة الإعلام نفسها إذ أن هذه الوسائل تطورت تاريخيا بالتدرج في توجهها لجماعات اجتماعية معينة قبل أن تتوسع الجماعات أخرى فالجريدة مثلا وجهت في أول مرة إلى قراء ذكور مدنيين (حضر) أي يقيمون في المدينة ينتمون إلى طبقة اجتماعية متوسطة ، يشتغلون في حقل سياسي كما أن التلفزيون وريث الفيلم والراديو، الترفيه والتسلية و قضاء وقت الفراغ، تتوجه في الغالب إلى النساء والأطفال دون سن التمرس والعجزة والمرضى والعاطلين عن العمل
كتاب الهندسة البشرية والعلاقات العامة تأليف الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي صفحة ٣٠٩
2 – نظرية إدارة السوق market management theory :
تهتم هذه النظرية بالعرض الذي تقدمه وسائل الإعلام لأنها تعتني بشكل مباشر بالسوق سواء تعلق الأمر بالوسيلة الإعلامية كسلعة أو كناقلة لرسائل إشهارية حول سلع مادية أو خدمات موجهة لزبائن وهي تشير إلى تأثير الإشهار على السياسة الإعلامية للمؤسسات ومضامين الرسائل الإعلامية التي تنقلها إلى جمهور معين فلا يمكن إقامة مشروع إعلامي ناجح دون دراسة دقيقة توقيعية لمستهلكي الرسائل الإعلامية الإعلانية.
3 – نظرية الفروق الفردية individual differences theory :
تركز هذه النظرية على مقولة “إعطاء الجمهور ما يريد giving the public ‘
what it wants تندرج ضمن نظريات العروض التي تقدمها وسائل الإعلام و جوهر هذه النظرية أن تكوين جمهور وسيلة إعلامية هو نتيجة أفعال و خيارات عدد واسع من الأفراد و يختلف كل فعل أو اختيار على اختلاف الأذواق و المصالح و الاهتمامات واختلاف القدرات العقلية للأفراد و ترى هذه النظرية البراغماتية أن ة أنواع المحتوى المقدم على أساس الدراسة والتجريب من . شأنه أن ينبئ بتوقعات معقولة حول حجم وتكوين الجمهور.
4 – نظرية اختلاف مصادر الترفيه differential leisure resources :
تندرج هذه النظرية ضمن نظريات الطلب وتركز على الاستعدادات والفائدة من استقبال الرسائل الإعلامية أكثر من تركيزها على المحتوى من قبل الجماعات الاجتماعية كما أنها تتوفر على ثلاث عناصر : وقت الفراغ المتوفر ، والمستوى التعليمي ووفرة المال حيث يمكن النظر الى استعمال وسائل الإعلام من قبل مختلف الفئات
كتاب الهندسة البشرية والعلاقات العامة تأليف الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي صفحة ٣١٠
الاجتماعية كمركب لكل من .
الاجتماعية كان مركب لكل من هذه العناصر و بالتالي فان الأطفال والنساء والمسنين هي المال فئات متوفرة لديها وقت فراغ و قلة من مكلفة و تأخذ وقتا هذه الفئات غير حيث أوسع كما أن المستوى الثقافي له دور في تكوين الجمهور إلى جانب الدخل و توفر وسائل ترفيه وإعلام بديلة لوسائل الإعلام الجماهيرية.
5- النظرية الوظيفية functional theory :
من نظريات الطلب ، تتمحور على حوافز تدفع الجمهور إلى استعمال وسائل الإعلام الجماهيرية بهدف إشباع حاجاته وحلول لمشاكله النفسية والاجتماعية و حاجته إلى الإعلام والترفيه فهذا يحدد حجم الجمهور ونوعه وتبدو هذه النظرية أكثر ملائمة لدراسة تكوين الجمهور إلا أنها تخلط بين المحتوى و الوظيفة في علاقة واحد لواحد مع أن مضمونا واحد لا يمكن أن يشبع احتياجات عديدة ومتنوعة و لا يمكنه أن يحل مشاكل نفسية و اجتماعية مختلفة.
6 نظرية التفسير السوسيو ثقافي socio-cultural explanation :
إن ميكانيزمات تفسير جمهور وسائل الإعلام وفقا لقانون السوق (العرض والطلب)
تقدم تفسيرا مجزأ حسب الزاوية التي ينظر منها إلى تكوين الجمهور: من زاوية تاريخية استهلاكية، اختلافات فردية، وظائف وسائل الإعلام الاجتماعية . وكل واحدة تهمل السياقات الثقافية والاجتماعية التي يوجد فيها الجمهور والمرتبطة بفضاء الحية المحلية حيث أن الإفراد أو الجماعات يميلون إلى إعطاء الأهمية للمحتوى الإعلامي المتعلقة بالمحيط القريب المألوف لديهم تخضع للقيم الاجتماعية والروحية السائدة فمن هنا فان مناهج الأبحاث والدراسات الموضوعية المعتمد عليها تأخذ بعين الاعتبار ظروف البيئة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وخاصة ظروف المكان والزمان لكل جمهور.
كتاب الهندسة البشرية والعلاقات العامة تأليف الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي صفحة ٣١١
