الوظائف الكلاسيكية للإعلام
على ضوء استعراضنا لوظائف الإعلام كما جاءت على ألسنة علماء الاتصال والإعلام معاً تبين لنا مدى أهمية هذه الوظائف بالنسبة للمؤسسات الحكومية والغير حكومية بسبب الدور والوظيفة التي تقوم بها وسائل الإعلام في التأثير على اتجاهات وسلوك الجماهير سواء أكان هذا التأثير إيجابيا أم سلبياً، ، ومن هنا فان الخبراء والمنظرين وأساتذة الإعلام في الجامعات ومراكز الدراسات اعتبروا ان الوظائف الكلاسيكية للإعلام تنحصر في الآتي:
أولاً : التوجيه وتكوين المواقف والاتجاهات تنطلق وظيفة وسائل الإعلام في تشكيل المواقف والاتجاهات ومواقف جديدة أو العمل على تعديل هذه المواقف والاتجاهات القديمة، وأحياناً استبدالها بمواقف جديدة أو تثبيت المواقف القديمة وفي كلتا الحالتين يجب الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
(1) وسائل الإعلام والمادة الإعلامية أو المنتج الإعلامي الذي يوجه للجماهير: فكلما كانت المادة الإعلامية أو المنتج الإعلامي ملائمة للجماهير لغة ومحتوى كان لها تأثير كبير، فلا يعقل ان نخاطب الذين لا يجيدون اللغة العربية بلغة فصحى ولا الذين لديهم مستوى ثقافي معين بالنطق وعلم الكلام والحجج الفكرية والفلسفية، كما ان تقديم المادة الإعلامية في
الإعلام والسلطة – تأليف الدكتور بسام عبد الرحمن المشاقبة – صفحة ١١٥
ظروف ملائمة نفسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وبالتالي وضع المنتج الإعلامي بناء على المعرفة
(2) أفراد المجتمع أصحاب المواقف والاتجاهات ومدى صمود تلك المواقف: أي ما يتعلق باتجاهات الجمهور ومواقفه، فاذا كان الجمهور في مرحلة بناء تلك الاتجاهات والمواقف فالأمر سهلا، أما اذا كان أفراد الجمهور أصحاب مواقف واتجاهات وكانت هذه الاتجاهات مرنة فان تأثير وسائل الإعلام تكون أسهل وأكثر جدوى والاتجاه المرن معناه الاتجاه الذي هو في طريق التكوين والتشكيل أو التكون، والذي ما زال خاضعاً للتغيير والتطور، ومن جهة أخرى اذا كانت تلك الاتجاهات والمواقف صلبة فمعنى ذلك ان على وسائل الإعلام مهمة صعبة وأحياناً تكون مستحيلة لان تلك المواقف والاتجاهات تكونت ونمت في إطار مغلق يحولها إلى مواقف جامدة يصعب التأثير فيها، لكن تظل هناك حالات أفراد يمكن النفاد عبرها إلى الجمهور صاحب المواقف الجامدة الصلبة وعلى هؤلاء الأفراد يجب التركيز واستمرار توجه وسائل الإعلام إليهم. ان هذين المحورين يجب ان يتوحدوا ويتكاملا في أي عملية تحاول وسائل الإعلام ان تمارسها، وان النقطة المهمة في عملية تثبيت المواقف والاتجاهات تتم عبر تكرارها ودعمها بما هو محبب وبما هو مقنع بالاستمرار فيها، وأحياناً يمكن تثبيت مواقف معينة عن طريق نشر وإظهار سلبيات ومواقف معاكسة لها، هذا وقد تبين ان التوجه يمكن ان يتم بواسطة جمع وسائل الإعلام ولكن الإعلام المرئي التلفزيوني يحتل حصة الأسد لما له تأثير كبير.
ثانياً : الدعوة والتبشير ان الوظيفة الثانية لوسائل الإعلام وهي من أهم وظائف الاتصال تبدأ عندما تقوم المؤسسات والهيئات الحكومية وشبه الحكومية بتوظيف وسائل الإعلام من أجل الترويج لعقيدة أو فلسفة ما سواء تعلقت
الإعلام والسلطة – تأليف الدكتور بسام عبد الرحمن المشاقبة – صفحة ١١٦
بنظرية سياسية أو ايدولوجيا سياسية ودينية وفكرية وهنا يلاحظ في الأنظمة الشمولية ولا يسمح لأي وسيلة إعلامية ان تروج لعقيدة أخرى. ان عملية الدعوة والتبشير تتم عن طريق إعادة كتابة هذه الأحداث التاريخية وإبرازها وتقديمها من جديد كدليل على المجد الوطني لدولة من الدول ولذلك لكي تتمكن الهيئات أو الحكومات من تحقيق هذا الهدف لابد للقائمين على أجهزة الاتصال الذين يمثلون هذه الهيئات ان تكون نظرياتهم وفلسفتهم ومبادئهم واضحة ومحددة كي يمكن التعبير عنها والتشهير بها. والباحث يقول : ان هذه الوظيفة لا تطبق على الإعلام بل هي من صلب عمل الدعاية الإعلامية، فالإعلام شيء والدعاية شيء آخر، فالإعلام يخاطب العقل والدعاية تخاطب الغرائز، وقد تناول الباحث هذا الموضوع في كتب كثيرة، بإمكان القارئ العودة إليها. ثالثاً : التثقيف العام: أي قيام وسائل الإعلام بتثقيف الفرد والمجتمع ليس بالأسلوب التلقيني بل بأسلوب الحوار ويقوم التثقيف على محورين:
(1) التثقيف العفوي: وهو مواجهة دائمة من جانب وسائل الإعلام للفرد هذه المواجهة تقدم له بدون ان يكون هو المقصود بالذات معلومات وأفكار وحوارات وآراء، ويحدث أيضاً عندما ينضم الفرد إلى جماعة ما، ويستمع إلى أفرادها يتحدثون أو يقرؤون كتاباً أو صحيفة أو يستمعون إلى المذياع أو مشاهدة التلفزيون فينصت ويصغي ويشاهد ويكتب بعض الأفكار والآراء التي تضاف إلى ثقافته أو عندما يستمع شخص وهو في السيارة أو المقهى لوسائل الإعلام. هذه بعض أشكال التثقيف العفوي الذي يكسبه الفرد أحياناً . دون من جانبه وليس من جانب السلطات الحاكمة، هذه العفوية المزدوجة نظرياً إلى قصد
الإعلام والسلطة – تأليف الدكتور بسام عبد الرحمن المشاقبة – صفحة ١١٧
ما، ففي هذه الحالة مهما وضع الفرد نفسه خارج الإطار الاجتماعي العام فانه يقع ضمن هذا الإطار، ويجد نفسه طوقاً به وبثقافته اليومية، ولهذا يندفع بحشرية أو بمصلحة للإطلاع على ما يحيط به فيواجه برغبة مباشرة أو غير مباشرة من جانب السلطات الحاكمة أو بعض الهيئات بنشر المعلومات والأخبار والآراء، وهكذا لكي تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولهذا يمكن القول : انه توجد دائماً رغبات هدفاً متبادلة في هذا التثقيف لكن أحياناً يتعدى هذا الوجود حدود الرغبة فيصبح وبرنامجاً وخطة مواد سواء من جانب الفرد أو من جانب المؤسسات الحاكمة أو الهيئات غير الحكومية، ولهذا يمكننا ان نطلق عليها بالتثقيف المبرمج أو المخطط المقصود.
(2) التثقيف المخطط : وهو في الواقع حاصل نتيجة الوظيفتين الأولى والثانية أي حصيلة التوجه والتبشير، لكن هناك بعض الحالات تقع في دائرة التثقيف المخطط بالبرامج الزراعية أو البرامج السكانية أو زيادة الوعي السكاني. ومن هنا فان هناك إشكالية قد تواجه التثقيف المخطط بل هناك تفاوت من وجود نظام إعلامي موجه ونظام إعلامي حرّ. ففي الحالة الأولى تعتبر الدولة نفسها مسؤولة عن ثقافة المواطن وتوسيع أفق وعيه وإدراكه وتجد مصلحة لها في هذا الأمر، بينما في الحالة الثانية توجد دول تعتبر نفسها كذلك، وتترك مجالاً لعدة وسائل إعلامية وبرامج تثقيفية تتصارع على كسب اهتمام الفرد وجذبه إليها، ومن ناحية أخرى فان معظم الدول لها برامج تثقيف عامة من جانبها تخشى على شخصية المواطن ان تتفتت أمام تنوع وسائل الإعلام وتعددها، وتختلف تلك الدول من دولة لأخرى في السماح بأكثر من وسيلة إعلام واحدة، وفي التشدد في ضبط مصادر التثقيف بشكل جاد ومقنن، فالأفضل ان تتولى الدولة تحديد الخط العام للإعلام لديها، هذا إلى ضرورة امتلاك وسائل الإعلام وتوجيهها من جانب آخر كي لا تكون. ملكاً لقوى تستعملها لاختلافها معها، فالأصل ان ترفع الدولة يدها عن وسائل الإعلام وأقصد الحكومة واذا
الإعلام والسلطة – تأليف الدكتور بسام عبد الرحمن المشاقبة – صفحة ١١٨
أصرت على وضع سياسة إعلامية فعليها ان لا تتجاوز الحرية المسؤولية وان تحترم حرية التعبير. ومن هنا وكما تمارس الدول التخطيط فالفرد هو نفسه من يراقب وسائل الإعلام والبحث عن الأفضل، ولذلك فان هذا التثقيف من جانب الفرد مقصود ، ومهما كان الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في تثقيف وتوعية المجتمع سواء أكان عفوياً أو مقصوداً فهذه الوظيفة تساهم في تثقيف الأفراد والجماعات لكن المهم هو في مدى نجاح المنتج الإعلامي
رابعاً : الاتصال الاجتماعي: يمتاز الاتصال الاجتماعي عادة بالاحتكاك المتبادل بين الأفراد بعضهم ببعض، وهذا الاحتكاك هو نوع من التعارف الاجتماعي يتم عن طريق رسائل الإعلام التي تتولى تعميق الصلات الاجتماعية وتنميتها، ومن جهة أخرى فان ما تقوم به وسائل الإعلام من تعريف الناس بالشخصيات البارزة والذين نطلق عليهم النخب سواء أكانوا في مجال الإعلام أو السياسة أو الفن أو الرياضة أو الاقتصاد، وهذا التعارف يقرب هؤلاء الناس بعضهم من بعض حتى لا يكاد البعض يصبح جزءاً من حياة قارئ مجلة أو من حياة مستمع إذاعة أو مشاهدة تلفزيونية ان وسائل الإعلام تنطلق وظيفتها في الحقل الاجتماعي عن طريق توفير أخبار يومية عن الأفراد وعن طريق عرض وتقديم بعض الأشخاص البارزين إلى درجة يصبحون معها مألوفين ومقبولين إلى حد ما لدى المتتبعين لوسائل الإعلام تلك. ان وسائل الإعلام ألغت الجغرافية السياسية وقربت بين الناس وألغت ما يسمى بعائلة الفرد إلى درجة ان نجوم التلفزيون يطلون علينا يومياً أو أسبوعياً أي أكثر مما يشاهدون أسرهم وأقرباءهم كما انه وسائل الإعلام ربطت المجتمع الإنساني وأصبحت الكرة الأرضية أشبه بالقرية العالمية.
الإعلام والسلطة – تأليف الدكتور بسام عبد الرحمن المشاقبة – صفحة ١١٩
