مشكلات الصحافة التليفزيونية العربية
أولا : استمرار هيمنة سلطات الدولة في العالم العربي على الإعلام، برغم تراجع الملكية العامة لوسائل الإنتاج وانتهاج سياسة الخصخصة، وسنفـصـل ذلـك أكثـر في البحـث الخاص بالتخطيط الإخباري.
ثانيا : توظيف أهل الثقة على حساب أهل الخبرة تعاني الصحافة التليفزيونية العربيـة – شـأنها شـأن الصحافة المقروءة – مـن فـرض السلطات أو أصحاب المحطات بعض الدخلاء محدودي الخبرة في المؤسسات الإعلامية، بل ولا يستحي أولئك الدخلاء من مزاحمة المحترفين. إن ذلك يسهم في تراجع مستوى المهنية والموضوعية، ومن ثم عزوف أو زهد قطاعات من الرأي العام عن متابعة قنـوات بعينها.
إن مراجعة السير الذاتية لعدد من ممارسي المهنة في بلادنا العربية تكشف عن مآس. لقد صادفت بنفسي في بعض أهم وسائل الإعلام والمحطات التليفزيونية العشرات ممن جاؤوا من تخصصات بعيدة كل البعد عن علوم الإعلام.
وعلى سبيل المثال: فإن عقلية العسكر التي جبلت على تلقي الأوامر وتأدية التحيـة والتنفيذ لا يمكن أن تتحول ببساطة إلى عقلية قادرة على إدارة إعـلام التنوير واحترام الرأي الآخر.
ومن ناحية أخرى فثقافة أغلب الضباط الذين استلموا مناصب إعلامية على مدار تاريخ الإعلام العربي عموما لم تكن تتعـدى العلـوم العسكرية التي تعلموها لسنوات قليلة في الكليات العسكرية. ولا شك أن كل العاملين في أجهـزة الإعـلام مـن مرؤوسي هؤلاء الضباط كانوا يدركون تماما أنه لا مجال البتـة لمخالفة أوامـر العـسكر. فالدبابات والمصفحات تربض على أبواب الإذاعة والتليفزيون، والسجون الحربية تسلخ المخالفين أو المشتبه في معارضتهم الزعيم الملهم وبطانته من ” الثوار”.
والخلاصة أن الديكتاتوريات العربية وأمراض التخلف الحضاري جنـت عـلى مهنـة الصحافة المقروءة، والمسموعة والمرئية في العالم العربي جناية يطول تأثيرها السلبي .
ثالثا : ضعف وانتهازية بعض الإعلاميين يستشعر بعض الإعلاميين في البلاد العربية ودول العالم الثالث ضعفا شخصيا أمـام
كتاب الصحافة التلفزيونية من الخبراء اليابانية إلى نموذج الجزيرة – أستاذ حازم غراب – صفحة ١٦
التهديد أو الإغراء السلطوي فيقبلون تسخير أنفسهم لحساب جهات حكومية أو أمنيـة.
وسرعان ما يقر في أذهان كثير من الزملاء داخل المؤسسة الإعلامية أن هـذا هـو أقصر الطرق للترقي والشهرة والمزايا العينية والمادية.
إن ضعف الكوادر الصحفية أمام إغراءات وضغوط وألاعيب كثير من صناع القرار والأجهزة الأمنية، يدفع البعض للحديث عن نهايـة عـصر الإعلام والصحافة لصالح التسريبات والفبركات، واعتبار الميديا والإعلاميين مجـرد مطيـة لا غنى عنهـا في دنيـا السياسة.
والحقيقة أن هذه التسريبات غير قاصرة على بلاد العالم الثالث وحده، بل أحيانـا مـا نجدها – ولكن بنسب أقل – في أوروبا وأميركا، وثمة أسماء شهيرة في هذا الصدد. أما محليا فيحضرني في هذا الصدد عدة وقائع عشتها شخصيا، أو شاهدتها وسمعتها من أطرافها، أولها: عندما كنت باحثا بمكتب وزير الإعلام: ففي أحد أيـام خـريـف عـام 1978، وبينها نحن نغادر المكتب متجهين إلى المصعد أشار لي زميلي في المناوبة إلى غرفة واسعة تواجه المصعد المخصص للوزير، وقال لي الزميـل – الـذي توفاه الله بعـد ذلـك بعامين – : “هنا في هذه الغرفة كان وزيرنا الأسبق عبد القادر حاتم يتلقـى أفـلام تعذيب المعتقلين من معارضي نظام عبد الناصر”، “وكان المصور السينمائي (….) يصور مشاهد التعذيب بالسجن الحربي”، (أصـبـح ذلـك المـصور صـاحب شركـة خـدمات وإنتـاج تليفزيوني، كانت مسجلة في المركز الصحفي التابع للوزارة في مبنى التليفزيون حتى نهاية الثمانينيات تقريبا)، و”اعتاد حاتم مشاهدة الأفلام بنفسه، ثم الانطلاق بها إلى جمـال عبـد الناصر”. زميني الراحل هو الحاج زهران محمد محمود وكـان برتبة مساعد أو “صـول”، عندما عينه قائده العسكري (الذي أصبح وزير دعاية ناصر) مديرا لمكتبـه عـدة سـنوات. والجدير بالذكر هنا أنني نشرت هذه الواقعة أكثر من مرة في بعـض المجلات الإسلامية المصرية ولم يفكر السيد حاتم في الرد عليها.
كتاب الصحافة التلفزيونية من الخبراء اليابانية إلى نموذج الجزيرة – أستاذ حازم غراب – صفحة ١٧
رابعا : حاجة الصحافة التليفزيونية أكثر من غيرهـا للتقنيات الحديثة سريعة التطور مثل:
الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات .
هندسة الأقمار الاصطناعية والاتصالات الفضائية والبث المباشر .
فنون ووسائل التصوير والإخراج والإضاءة والمونتاج .
وسائل حفظ وتخزين واسترجاع التسجيلات البصرية الصوتية
وسأضرب مثالا من رحلتي المهنية منذ عام 1981، إذ بدأت بكاميرات “أرفليكس” ذات فيلم سينمائي مقاس 16 ملم، كان لابد من تحميضه في المعمل، وهو ما كان يستغرق سويعات أو ربا يوما كاملا لتقديم الصور في نشرات الأخبار. ثم ظهر جيل كبير الحجم نسبيا من كاميرات الفيديو المتصلة عبر “كيبل” تمـر فيـه إشارات الصوت والصورة إلى مسجل منفصل لا يقل وزنه عن ثلاثين كـجـم، ومـن ثـم تحتم أن يكون فريق إنتاج الأخبـار الميدانية ثلاثة أشخاص (مراسـل، ومصور، وفني مسجل صوت)، ثم ظهر جيل كاميرات البيتاكام، فالكاميرات الرقمية العادية وعاليـة الجودة . وبعدما كان على المراسلين التليفزيونيين بالخارج الانطلاق لبث الشرائط المصورة من غرفة التحكم المركزي بالمحطات التليفزيونية، أصبح كثير من المراسلين مدعومين بوحـدة مونتاج في حجم حقيبة السمسونايت الصغيرة، ووحدة بث مباشر S.N.G محمولة على سيارة صغيرة، أو أقل حجمًا تسمى فلاي أواي FLY AWAY يتم تثبيتها في موضع
كتاب الصحافة التلفزيونية من الخبراء اليابانية إلى نموذج الجزيرة – أستاذ حازم غراب – صفحة ١٩
الحدث بشكل أو آخر، وقد سبق ذلك ظهور جهاز (الفيديو فون). وقد بدأ المراسلون اليابانيون عام 2005 في بست بعـض مـا يصورونه إلى محطـاتهم، باستخدام تقنيات النقل عبر الإنترنت بواسطة الكمبيوتر الشخصي المحمول ( الـلاب توب)۔ ومن الجدير بالذكر أن العقد الأخير مـن تـسعينيات القرن الماضي شهد طفرة في استخدام الكمبيوتر في غرف الأخبار واستوديوهات بث البرامج والنشرات، بعدما كـان ذلك حتى بدايات الثمانينيات يتم يدويا باستخدام الأفلام والشرائط والأوراق. وبلغ التطور في السنوات الخمس الأخيرة مـداه بظهـور بـرامـج سـوفت ويـر عـلى شـبكة كمبيوترات معظم المحطات الكبرى، تساعد الصحفي التليفزيوني – سـواء داخل غرفة الأخبار أو في المكاتب الخارجية – على الاطلاع الدائم دقيقة بدقيقة على ما تبثـه وكـالات الأنباء النصية والمصورة، وعلى حساب ثواني ودقائق التقارير والمقاطع الصوتية البصرية، وتقطيع صوره بنفسه، وعلى التواصل اللحظي مع إدارة التحرير .
لعل هذا التحدي في متابعة واستيعاب التطورات التكنولوجية المتطـورة مـن جـانـب الكوادر الصحفية يصدق على الأجيال الوسيطة ممن تخطوا الثلاثين . لكن الشباب الذين تعاملوا مع الحاسوب منذ سنوات الدراسة الابتدائية يحققون طفرات وابتكارات في عـالم الميديا الجديدة. وتبقى مشكلة ضعف إمكانيات شراء أو توفير أدوات هذه التكنولوجيا في عالمنا العربي بظروفه المادية والتعليمية الصعبة .
خامسا : ندرة الكوادر الصحفية الموهوبة والأمينة، المتمتعة بالحس الخـبري والسياسي والتحريري، والقادرة على التواصل وتكوين المصادر لتحقيـق الـسبق، وحسن تقـدير الأولويات أثناء المتابعات أو عند إعداد النشرات وبثها إلى المشاهد .
سادسا : وهناك كثرة العرض في سوق الأخبار، فقد أضحت السماء ملبدة بالفضائيات التي يسابق بعضها البعض لتلبية الطلب على هذه البضاعة الجديدة، في الوقت الذي لم تعد عمليات التغطية أو المتابعة الفورية قصرا على محطة دون أخرى، إنا الإشكال حاليا هو كيف تجذب هذه المحطة أو تلك أكبر عدد من المشاهدين، وما هـي الفنـون الـصحفية الكفيلة بذلك، خاصة إذا علمنا أن المشاهد يمكنه بضغطة إصبع لا تستغرق سـوى ثـوان معدودة، يمكن أن يتحول إلى محطة أخرى .
كتاب الصحافة التلفزيونية من الخبراء اليابانية إلى نموذج الجزيرة – أستاذ حازم غراب – صفحة ٢٠
سابعا : خصوصية الإدارة الصحفية التليفزيونية لا شك أن إدارة الإعلام الإخباري التليفزيوني تختلف عن غيرها من أنواع الإدارة، إذ تتطلب القدرة الفائقة على اتخاذ القرارات الحكيمة والسريعة تحت الضغط، وذلك بحكم التعامل اللحظي مع الأحداث والأخبـار.
كما أن معظـم الـصحفيين والمخرجين والفنيين العاملين في هذه المهنة يتصفون بقدر زائد من الشعور بالأنا والنرجسية. يضاف إلى ذلك كله التنوع في شرائح وطبقات و مشارب الجمهور المتلقي للرسائل الإعلامية .
إن كل مسؤول في إدارات الإعلام الإخباري التليفزيوني عليه أن يراقب ويتابع دولاب العمل اليومي ويرصد الأخطاء ويقيم الإعلاميين العاملين ربا ساعة بساعة، وعليه أحيانا اتخاذ قرارات فورية صعبة، قد تتسبب في إثارة غضب بعض المرؤوسين أو توترهم.
كما يجب أن يتحلى مديرو التحرير ومسؤولو النشرات، وطواقم العمـل الـصحفي والتقني بقدر كبير من سعة الصدر والحلـم والقدرة على امتصاص غضب وحساسية بعض المرؤوسين.
ومما قد يفيد في ذلك أن يكون المسؤولون الإعلاميـون مـؤمنين برؤية ورسالة المحطات التي يعملون فيها، فلا يصح أن يكون بينهم من يمارس مهام وظيفتـه لمجرد الوجاهة أو الدخل المادي المرتفع مثلا، وعلى كل منهم أن يتذكر طوال الوقـت أنـه يتعامل مع مرؤوسين من نوع خاص، يستشعرون كثيرا من الاحترام لذواتهم وقيمهم وأفكارهم .
ولا بد من وحدانية القمة في المحطات الإخبارية، أو بمعنى أدق ألا تتوزع المسؤولية العليا في القمـة بـيـن أكـثـر مـن شـخص طالما أن المدير المسؤول صحفي تليفزيوني في الأساس.
ومن رأيـي بعـد الملاحظة والمعايشة، أن كـل مسئولي النشرات التليفزيونية المناويين هم رؤساء تحرير تنفيذيون في مناوباتهم، ومن ثم فلا حاجة لمنصب رئيس تحرير عام، خاصة مع افتراض وجود سياسة تحريرية متفق عليها سلفا، أو يجري الاتفاق عليهـا وتعديلها أو تحديثها حسب شروط وقواعـد مهنية.
كتاب الصحافة التلفزيونية من الخبراء اليابانية إلى نموذج الجزيرة – أستاذ حازم غراب – صفحة ٢١
