الإعلام والدعاية
يختلف المفهوم العام للإعلام عن المفهوم التخصصى الدقيق الذي يعرف به الباحثون العمليات الإخبارية، التي تتسم بالدقة والموضوعية والحداثة والأهمية لقطاعات المجتمع الواسعة، أو لأحد هذه القطاعات ويفصلون بينه وبين الأنشطة التأثيرية الموجهة في مجالات الإقناع المختلفة.
أما المفهوم العام للإعلام كما يعرفه غير المتخصصين فيشمل أنشطة الاتصال الجماهيرى التي تتم من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية، الصحافة والراديو والتليفزيون والتي انضمت إليها في أواخر هـذا الـقـرن شبكات المعلومات القومية والدولية.
وقد اصطلح على تسمية الوسائل الثلاث الأولى مضافاً إليها وكالات الأنباء بوسائل الإعلام أو وسائل الاتصال الجماهيرية.
أما شبكة الإنترنت أو غيرها من الشبكات القومية أو العالمية التي تعتمد على وجود أجهزة الحاسبات Computers لدى المشتركين ، فتسمى بشبكات المعلومات . ومن الثابت لدى الباحثين في مجال الدراسات الإعلامية أن هذه الوسائل بشقيها الجماهيري والبرامجي (المرتبط بالحاسبات) لا تقتصر
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٤٩
وظائفها على الجانب الإعلامي بالمفهوم التخصصي الذي يعرف به الباحثون العمليات الإخبارية البحتة والمفترض أن يكون لها تأثير على من يتعرض لها من الأفراد أو الجماعات . وهذا التأثير من النوع التلقائي الطبيعي غير المقصود وغير المخطط وغير الموجه . فهو تأثير الحدث على من يشـاهـده أو يسمع عنه والذي يختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى غيره حسب تأثير هذا الحدث على مصالحه أو اهتماماته الإنسانية أو ميوله واتجاهاته في وقت معين.
وكما قال العلامة الألماني أوتوجروت Ottogrott «الإعلام هو التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت» . ومن هنا يكون التعريف العلمي الـدقـيـق للإعلام هو نقل الحقائق والمعلومات الجديدة التي تهم أكبر عدد من الناس بطريقة موضوعية دقيقة وسريعة أو فورية كلما كان ذلك ممكناً أو ضرورياً.
وعلى ذلك ينبغى أن يتوافر في الإعلام الشروط الثلاثة التالية :
١ ـ الموضوعية أو الدقة الكاملة.
٢ ـ الحداثة أو الجدة أو الآنية كلما كان ذلك ممكناً أو ضرورياً.
٣ ـ الضخامة أو الأهمية لأكبر عدد من الناس.
وتتفاعل هذه الشروط لتضع أولويات النشر أو البث ومكانه بالنسبة لما اصطلح على تسميته بوسائل الإعلام والتي قلنا إنها لا تؤدى دوراً إعلامياً فقط وإنما تؤدى بالإضافة إلى ذلك أدواراً أخرى أبرزها وأهمها الدور الاقناعى أو التوجيهي أو التأثيري الموجه والمخطط والمقصود والذي يطلق علیه اصطلاحاً علمياً يعرف بالدعاية .
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٥٠
وتوضيح مفهوم الدعاية من الناحية العلمية يمكن أن يلقي الضوء على سبب الاختلاف بين المتخصصين وغير المتخصصين حول مفهوم الإعلام . فالدعاية كما عرفتها في كتابي الأسس العلمية للعلاقات العامة هي تلك الجهود المقصودة للتأثير في الغير لإقناعه بـفـكـرة أو رأي، أو كسب تأييده لقضية أو شخص أو منظمة، أو تغيير الآراء والاتجاهات السائدة نحو قضية معينة أو شخص أو منظمة بهدف تغييـر سـلـوك الأفـراد والجماعات، أو خلق أنماط جديدة من السلوك . وتعمد أحداث التأثير هنا شرط أساسي لوجود الدعاية.
فأي رسالة لها تأثير حتى ولو كانت إعلاماً لأن الرسالة الإعلامية هي تعبير عن فعل حدث، وأي فعل له رد فعل طبيعي. ولكنه يختلف عن رد الفعل المخطط لإحداثه عن طريق الرسالة التي تستهدف إحداث تأثير محدد . والدعاية بهذا المفهوم هي ظاهرة اجتماعية ارتبطت بنشأة المجتمعات فمنذ الأزل كان هناك دائماً أفراد يبغون إشراك غيرهم فيما يرونه من أفكار ومتعقدات، أو التأثير عليهم لممارسة أنماط معينة من السلوك . وقد اختلفت أساليب التأثير هذه بين مخاطبة العقل أو الغرائز، وبين الاعتماد على الصدق والحقائق أو الكذب والأوهام.
وهذا هو جوهر الخلاف في التعريفات التي قدمت للدعاية.
فقد عرفها العالم الأمريكي ليونارد دوب (Doob) بأنها : «محاولة التأثير في شخصيات الأفراد والسيطرة على سـلـوكـهـم لأغراض تعتبر غير علمية أو ذات قيمة مشكوك فيها في مجتمع ما في وقت معين» وهذا لا يكون إلا في المجتمعات البدائية التي لم تنل حظها من التعليم ، أو عند الأطفال الذين لم تتسع مداركهم للبحث والدراسة المنطقية، أو حينما
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٥١
يكون في وسع الداعية أو يعزل الأفراد والجماعات عن مصادر التأثير الأخرى . ورغم أن جاك Driencourt درينكورت يرى أن «كل شيء دعاية» لأن كل شيء في المجالات السياسية والاقتصادية يبدو مرتبطاً بهذه القوة التأثيرية، إلا أنه لم يعتبرها شراً خالصاً فهي كما تستخدم في الخداع أو التضليل قد تستخدم أيضاً في تحرير الأوطان وخدمة قضايا الإنسانية وقد كان استخدام هتلر وموسوليني وغيرهما من الطغاة للدعاية في تضليل شعوبهم وقيادتها إلى مصير غير مأمون سبباً من أسباب تشويه الكلمة وتغيير دلالتها حتى أصبحت بعض الدول تسمي دعايتها إعلاما.
وأخذ بهذا التفكير بعض الدارسين بينما أخذ البعض الآخر بفكرة تعدد أنواع الدعاية والتمييز بين هذه الأنواع على الأسس التالية :
١ ـ الدعاية البيضاء : وهي التي تخاطب العقل والعواطف السامية وتعتمد على المنطق في عرض الحقائق وتكشف عـن مـصـدرهـا واتجاههـا وأهدافها.
٢ ـ الدعاية السوداء : وتلجأ هذه الدعاية إلى مخاطبة الغرائز والانفعالات وحشد الأكاذيب والأوهام دون أن تكشف عن مصدرها أو تحدد اتجاهها أو أهدافها . ومثال ذلك الإذاعات السرية والشائعات وحملات الهمس والكتابة في الصحف بأسماء وهمية والمطبوعات التي لا تحدد جهة إصدارها.
٣- الدعاية الرمادية : وهي أكثر ذكاء من الدعاية السوداء، وأكثر منها خطراً لأنها تستند إلى بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها، وتضيف إليها بعض الأكاذيب بحرص شديد وترتبها ترتيباً مغرضاً بحيث يصعب على
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٥٢
القارىء غير المدقق اكتشاف ما فيها من تضليل وخداع.
كما أنها تخلط بين مخاطبة العقل والغرائز، وتكشف عن مصدرها في الوقت الذي يظل فيه اتجاهها ونواياها غامضة على الجمهور أو مضللة له.
والدعاية الحديثة تعتمد على عدة علوم في مقدمتها العلوم النفسية والاجتماعية والانثربولوجية بالإضافة إلى علوم الاتصال واللغة ثم السياسة والاقتصاد والتاريخ وتستفيد من التطور الذي تحققه هذه العلوم.
وقد مضى الوقت الذي كانت فيه الدعاية مرتبطة بمهارة شخصية أو إلهام فردى أو حيل ساذجة.
وأصبحت الدعاية الآن مرتبطة بالتطور العلمي والدراسة العلمية ، كما يتضح مما يلي :
١- تقوم الدعاية الحديثة على التحليل العلمي النفسي والاجتماعي للأفراد والجماعات، وقد أصبح الداعية يستخدم أساليبه في التأثير معتمداً على دراسة الإنسان: حاجاته، ورغباته، وميوله، واتجاهاته، وسلوكه آخذاً في اعتباره تأثير الجماعات المرجعية، وقادة الرأى، وثقافة المجتمع الذي وجه إليه دعايته بكل ما تعكسه من ظروف بيئية متميزة.
۲۔ وصلت الدعاية الحديثة إلى مجموعة من القواعد العامة نتيجة للاختبارات التي مرت بها في الماضي والدراسات التجريبية المعملية والميدانية . وقد أصبح من الممكن لأي فرد لديه قدر معين من الاستعداد أن يطبق هذه القواعد بعد دراستها والتدريب عليها وذلك يدل على أننا بصدد فن يعتمد على أساس علمي.
٣- تزايد الاهتمام بالتحكم في استخدام الدعاية وقياس نتائجها وتحديد آثارها ، فلم يعد الداعية يعتمد على الحدس أو التخمين في تحديد النتائج التي حققها
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٥٣
بل أصبحت هناك وسائل علمية للقياس الدقيق مع أخذ كافة المتغيرات في الاعتبار حتى لا يخدع الداعية بنتائج لم يكن له فضل في تحقيقها.
ويرى البيج Albig أن الدعاية لا يمكن أن تكون علماً لأن مجال تطبيقها لا يقبل التعميمات الثابتة أو العوامل الجامدة، كما يرى جاك إيللول Ellul إن الدعاية فن أكثر من كونها علماً، ولكنها فن حديث بمعنى أنها تقوم على فرع أو أكثر من فروع العلم ومن العرض السابق للمفهوم العلمي للإعلام والدعاية يتضح أن الفارق الأساسي بينهما يتمثل في التوجه أو النوايا ومن ثم التأثير المستهدف من الرسالة في الحالتين.
فالتوجه الإعلامي توجه مـوضـوعى يرتبط بالأحداث الهامة الجديدة والتي تحدث نوعاً من التأثير لدى الجمهور الذي يتعرض لها قد يختلف من شخص إلى آخر أو من جماعة إلى أخرى.
أما التوجه الذي يسيطر على فكر الداعية فهو التأثير على نحو معين يقصـد ويسعى إليه هذا الداعية أو من يمثله، ومن ثم فالإعلام له تأثير وكذلك الدعاية ولكن تأثير الإعلام تلقائي طبيعي «رد الفعل للفعل» أما تأثير الدعاية فمخطط ومقصود ويسعى إلى توجيه الجماهير بشكل معين يراه الداعية مناسباً لاهتماماته أو مصالحه أو لما يرى أنه يتفق مع مصالح هذه الجماهير واحتياجاتها.
ولكي يكتمل العرض العلمي لوظائف ما اصطلح على تسميته بوسائل الإعلام نقول أنه بالإضافة إلى وظيفتي الإعلام والـدعـايـة هناك وظائف الإعلان الذي يسعى إلى الترويج المدفوع للسلع والخدمات والأفكار وكذلك وظيفة التسلية والترفيه التي تكون بغرض التسلية والامتاع حيناً أو بغرض الدعاية والتنشئة الاجتماعية أحياناً أخرى.
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٥٤
وفي جميع الأحوال تكتمل منظومة هذه الوظائف وتتفاعل لتحقق ما يسعى إليه أي مجتمع من شعور بالانتماء إلى ارض، وإلى قيم، وإلى ثقافة وإحساس بالولاء لنظام يحكم هذا المجتمع ويحمى مصالحه ويحافظ على وحدته ويحدد أهدافه العامة وتوجهاته نحو المستقبل.
واكتمال هذه المنظومة من الوظائف أو تكاملها في الحاضر والمستقبل هو الذي يحقق التوازن والأمان النفسي والاجتماعي، ويشكل الاطار الثقافي الذي يوجه سلوكيات أفراد المجتمع.
ويطلق غير المتخصصين على هذه المنظومة »الإعلام والدعاية والإعلان والترفيه والتنشئة الاجتماعية» مصطلحاً عاماًتم نحته من المسمى الشائع لوسائل البث الجماهيرى أو وسائل الاتصال الجماهيري أو وسائل الإعلام وهو مصطلح الإعلام.
أما نحن المتخصصين فحينما نتحدث عن عناصر هذه المنظومة فنحرص على تناول كل عنصر من عناصرها الفاعلة والمؤثرة في أي مجال من المجالات بشكل منفصل لكي نحدد الأدوار بشكل تفصیلی دقیق ونبدأ في مجالنا هذا بالإعلام الأمني بالمفهوم التخصصي الدقيق لنحدد مفهوم الإعلام وأدواته ومدى ارتباطه بمنظومة الاتصال الشامل لخدمة أهداف المجتمع وتوجهاته في الحاضر والمستقبل.
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ١٥٥
