العوامل المؤثرة في قدرة الإعلام الأمني على الإقناع
تعتمد قوة تأثير المادة الإعلامية الأمنية على عدة عوامل، منها ما يتعلق بالوسائط الإعلامية، ومنها ما يتعلق بالمادة الإعلامية نفسها، ومنها ما يتعلق بمن يقوم بإرسال المادة الإعلامية، ومنها ما يتعلق بالظروف الاجتماعية والفئة المستهدفة بالمادة الإعلامية، وجدير بالذكر ان هذه العوامل متشابكة ومتفاعلة وكل منها يؤثر ويتأثر بالآخر
١: تنوع وتعدد الوسائط الإعلامية
شهد العقدان الأخيران ثورة كبيرة في الكمية والكيفية للوسائط التي تنقل المعلومات فبالإضافة إلى الوسائط التقليدية من صحافة ومذياع وتلفزيون وجاء الإنترنت والبريد الإلكتروني، كذلك تطورت فنيات معالجة المعلومات حتى أصبحت هذه الفنيات من أهم المؤثرات التي تقنع الجمهور المستهدف بمضمون المادة الإعلامية . والتلفزيون لا يزال سيد الموقف في قدرته على الإقناع من بين وسائط نقل المادة الإعلامية، وذلك لكونه يعتمد
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٨٨
٢: المادة الإعلامية والمقصود بها ما تتضمنه الرسالة الإعلامية من حقائق ومعلومات وقيم وعادات اجتماعية وجوانب تثقيفية مختلفة .
على الربط بين أكثر من حاسة عند المشاهد، فهو يربط بين السمع والبصر ، إضافة إلى الحركة المتمثلة بالصورة الحية المصاحبة للمادة الإعلامية ، ويمكن القول إن تلك العبارة التي أطلقها أحد علماء النفس الأمريكيين قبل ما يقارب من ثلاثة عقود والتي تنص على انه إذا كان السجن هو كلية لدراسة الإجرام، فان الـتـلـفـزيـون هـو المدرسة الإعدادية للانحراف، هذه العبارة لا زالت تحتمل الصدق مع تقدم الوسائط الإعلامية .
فالتلفزيون يربط بين الكلمة المنطوقة ولغة الجسد المتمثلة بالمشاهد الحية وهذه الإمكانية الأساسية في الإقناع نادراً ما توفرها وسيلة أخرى، ومع إن الإنترنت يعتبر من أسرع الوسائط الإعلامية إلا أن قدرته الإقناعية لا زالت اقل من قدرة التلفزيون، خاصة وان الإنترنت غير منتشر كما هو الحال بالنسبة للتلفزيون، أما الإذاعة وأن تراجع دورها أمام التلفزيون والصحافة بشكل عام إلا أنها لا تزال تتمتع بقدرات إقناعية عالية ، وخاصة عندما تكون المادة الإعلامية لا يمكن اقترانها بالشواهد الحسية، وهناك حاجة ماسة لسرعة نقلها، كذلك فإن الإذاعة تثير تفكير المستمع وتخيله ، وتكلفة المذياع أقل مقارنة بالتلفزيون والإنترنت .
أما الصحافة فلا زالت تحتفظ بمكانتها في توجيه الرأي العام، وذلك بفضل التقدم الكبير لفن الصحافة وسيكولوجيتها ، وكذلك بفضـل تـقـدم الوسائل التكنولوجية من معدات واتصالات . وللصحافة مميزات قد لا تتوفر في غيرها من وسائل الاعلام، فالصحافة تتمتع بمرونة أكبر من التـلـفـزيـون والإذاعة عند التعامل مع الجانب المعلوماتي، فهي تتمتع بقدرة كبيرة على توصيل كم هائل من المعلومات والآراء والتحليلات المتعلقة بمادة إعلامية معينة، كذلك فان الصحافة أوسع انتشاراً في أماكن العمل
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٨٩
وحتى تكون المادة الإعلامية قادرة على الإقناع فإنه يجب أن تتوفر فيها الشروط والمتطلبات التالية
١ ـ تحديد الأهداف التي تسعى المادة الإعلامية لتحقيقها، وتتوقف صياغة هذه الأهداف على ماذا يريد مرسل المادة الإعلامية ؟ وما طبيعة الجهة المستهدفة بتلك المادة ؟ .
٢ ـ أن تكون المادة الإعلامية سهلة الفهم والاستيعاب ومرتبطة بالمنظومة
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٩٠
الاجتماعية المتمثلة بالعقيدة والقيم والعادات للفئة المستهدفة .
٣ ـ أن تكون قادرة على جلب الانتباه وتدفع الأشخاص لمتابعتها .
٤ ـ أن تكون قابلة للتصديق، فقد أشار كـل مـن ماطر ورشا إلى إن المادة الإعلامية غير الصحيحة لا يتقبلها عقل الفئة المستهدفة وبالتالي تفقد قدرتها على الإقناع .
٥ ـ أن تتصل المادة الإعلامية بمصالح وطموحات الفئة المستهدفة، وأن تشعر المادة الإعلامية تلك الفئة بأنها بحاجة إلى مضمونها.
ومن هنا يأتي التأكيد على ضرورة أن تنبثق المادة الإعلامية من حاجات ومتطلبات الفئة المستهدفة، وليست مفروضة عليها .
٦ ـ أن تقدم المادة الإعلامية إلى الفئة المستهدفة بطريقة تخلو من الأمر والإجبار، وإنما تركز على الحاجة والضرورة ، وكما يـقـول بـدر، فإن غالباً ما يرفض الشي المفروض من عل . ومن البديهي أن النفس البشرية لا تتحمس لما هو خارج عن إطار رغبتها ومصلحتها .
٧ ـ أن تقدم المادة الإعلامية بصورة منسقة ومترابطة مع بعضها البعض، وخالية من التناقض فالوعي البشري لا يقبل التناقضات .
٨ ـ أن يكون مضمون المادة الإعلامية قابلاً للتنفيذ وتتوفر فيه عناصر تحويله إلى سلوك لدى الفئة المستهدفة، على اعتبار أن ليس كل الناس قادرين على تحويل الأفكار والآراء إلى خطط وأساليب ووسائل وأنشطة إجرائية سلوكية .
٩ ـ أن يكـون مـصـاغـاً بلغة سليمة ومفهومة وواضحة لدى جميع المستويات التعليمية والثقافية للفئة المستهدفة . وكلما كانت المادة
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٩١
الاعلامية واضحة بلغتها سهلة بمعانيها كلما كانت احتمالية فعاليتها في الإقناع افضل
٣: مقدم المادة الإعلامية لا شك أن المادية الإعلامية تتأثر بمن يقدمها.
فقدرة وكفاءة وأسلوبية من يقدم المادة الإعلامية عناصر أساسية في فعالية وإقناع المستهدفين بها .
ولخص من خلال مراجعته لأدبيات الإعلام بعض الخصائص والصفات التي يجب أن تتوفر في مقدم المادة الإعلامية ومنها :
١ ـ أن يـكـون مـقـدم المادة الإعلامية مـدركـاً تماماً للأهداف المحددة والمرسومة لتلك المادة، وأن يراعي تلك الأهداف في كل جزئية من جزئيات المادة الإعلامية المقدمة .
٢ ـ سعة الاطلاع وعمق المعرفة في مـضـمـون المادة الإعلامية ، فهذه المعرفة تساعده كثيراً على محاورة محتويات المادة الإعلامية ، وكذلك التعامل مع تساؤلات وتحليلات الفئة المستهدفة .
٣ـ الدافعية والحماس لمضمون المادة الإعلامية، والإيمان بما يقول ويفعل فيما يتعلق بمضمون المادة الإعلامية .
٤ ـ السمعة السلوكية والأخلاقية والمهنية المقبولة حيث إن من طبيعة الذات البشرية إدراك الأشياء بكلياتها وليس بجزئياتها، ولهذا فإن المادة الإعلامية ستتأثر قدرتها على إقناع المستهدفين بشخصية من يقدمها
٥ـ لديه قدرة على التنويع في أسلوب التعامل مع المادة الإعلامية ومحاورتها وهذا بالتالي يسهل على الفئة المستهدفة إدراكها والاقتناع بها .
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٩٢
٤: الفئة المستهدفة والظروف المحيطة إن هدف المادة الإعلامية في النهاية هو الفئة المستهدفة من حيث تغيير إدراكها واتجاهاتها وبالتالي الاقتناع بمضمون تلك المادة .
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفصل بين الفئة المستهدفة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بتلك الفئة، فهي متأثرة بشكل مباشر بتلك الظروف وبالتالي فان اقتناع تلك الفئة لا يتوقف على عوامل تعدد وتنوع الوسائط الإعلامية ولا بمضمون المادة الإعلامية ومن يقدمها فقط، وإنما مرتبطة بالفئة المستهدفة وظروفها.
هذا وقد أشار إلى عدد من الأنشطة الشعورية أو المدركة أو الواعية لدى الفئة المستهدفة والتي تتأثر بالمادة الإعلامية، ومنها :
١ ـ الأنشطة المعرفية ، فالمادة الإعلامية الأمنية تجعل الناس يتعرفون على جوانبها وأخطارها وأبعادها والتوقعات المتعلقة بها ، فالمادة الإعلامية تكسب الفئة المعرفة بمستوياتها المختلفة ابتداء من مجرد الوعي بالمادة الإعلامية ووصولاً إلى أعقد العمليات المعرفية .
وقد تكون هذه المعلومة صحيحة أو مضلله وغير دقيقة .
٢ ـ الفهم : وهو إدراك المعنى الحقيقي للمادة الإعلامية ومغزاها ومع أن الفهم بالدرجة الأولى متعلق بالمتلقي إلا أن مـضـمـون المادة وطريقة تقديمها تساهم أيضا بفهم المتلقي لها .
وللفهم أهمية كبيرة في اقتناع المتلقي بالمادة الإعلامية، وفي بعض الأحيان الاقتناع بعكسها أو نقيضها .
٣ ـ الإثارة الانفعالية أو العاطفية : تؤثر المادة الإعلامية على الجوانب الانفعالية والعاطفية للمتلقي، وإن كان هذا التأثر الانفعالي مرتبط
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٩٣
بالمعرفة وبالإدراك .
كذلك فإن الحالة الانفعالية التي يكون عليها الشخص تؤثر على إدراكه للمادة الإعلامية .
٤ ـ الاندماج أو التمثل : ويعني دخول مضمون المادة الإعلامية إلى نفسية وسيكولوجية المتلقي بحيث يحدث نوعاً من العلاقة النفسية بين مضمون المادة الإعلامية أو مقدمها أو أحد شخصياتها والمتلقي لها. ومن هنا تأتي خطورة الإعلام الأمني فـهـو مـن هـذا المنطلق الإدراكي قد يدخل إلى الحيز النفسي للمتلقي، وبالتالي يساهم في تشكيل إدراكه ومـن ثـم اقتناعه وتحـويـل ذلـك إلى سـلـوك إجرائي .
٥ ـ النسق القيمي : تساهم وسائل الإعلام بتشكيل البنية القيمية والأخلاقية لدى الأفراد وخاصة الأطفال منهم ، فقد أوردت العديد من الدراسات التي تؤكد نتائجها أن للإعلام ومنه الإعلام الأمني تدخل في تكوين المنظومة القيمية للأفراد سواء قيم شخصية ذاتية أو اجتماعية، وكذلك في تـكـويـن وتشكيل الأخلاقيات الذاتية لدى الأفراد وخاصة الأطفال والمراهقين .
ومن هنا فإن الإعلام بشكل عام ومنه الإعلام الأمني وحتى يحقق أهدافه وأغراضه، فإنه يجب مراعاة الجوانب التالية لدى الفئة المستهدفة والظروف المحيطة :
١ ـ حالة المزاج العام للفئة المستهدفة عند تقديم المادة الإعلامية، هذه الحالة ستؤثر على الاستقبال الانفعالي للمادة الإعلامية وبالتالي الاستجابة السلوكية لمضمون تلك المادة . وربما هذا يفسر اختلاف الأفراد من وقت لآخر في استقبال نفس المادة الإعلامية .
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٩٤
٢ ـ الانسجام والتجانس بين الاحتياجات والمتطلبات الذاتية للمتلقي ومضمون المادة الإعلامية، فكلما شعر المتلقي بهذا التجانس كلما كان أكثر اقتناعاً بتلك المادة .
٣ أن يشعر المتلقي باحترام المادة الإعلامية لمشاعره ، بحيث لا تستخف بتلك المشاعر .
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٩٥
