كيفية التعامل مع رجال الإعلام في الأزمات
تعد الأزمة حدثاً إخبارياً رئيسياً يثير اهتمام الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى ، وتجد رجال الإعلام يهرعون إلى مسرح العمليات بكثرة ، وهم بذلك قد يشكلون عائقاً هاماً أمام المارة ويعطلون عمل رجال الشرطة ، وقد يعيقون انتظام حياة المدنيين .
وإزاء هذا الوضع يجب على رجال الشرطة التعامل مع الصحفيين ومندوبي وسائل الإعلام الأخرى بطريقة تسمح لهم بحرية الحركة ، دون قيود على جهودهم، وفي نفس الوقت ضمان انتظام الحياة العادية للآخرين، فالصحفيون والمندوبون الآخرون لـهـم واجبات إعلامية تجاه رؤسائهم وتجاه الرأي العام يرغبون بإنجازها بمهنية عالية .
إن التعامل من قبل رجال الشرطة مع وسائل الإعلام يجب أن يـخـلـو من الغموض ، كما ينبغي أن يبدأ في وقت مبكر قبل وقوع الأزمات ، بحيث يكون هناك علاقة تعاونية مبنية على الاحترام والتعاون المتبادل بين رجال الشرطة ومندوبي وسائل الإعلام المحليين في الأوقات العادية ، وقبل حدوث أية أزمات أو كوارث يتمثل جوهر العلاقة بين رجال الشرطة ومندوبي وسائل الإعلام المختلفة في حاجة كل منهما لجمع المعلومات الدقيقة عن الحدث أو الأزمة ، من أجل فهم أسبابها وتداعياتها ونتائجها المحتملة ، ففي الوقت الذي يجتهد فيه رجال الشرطة في البحث والتحري وجمع المعلومات وتحليلها بغية الوصول إلى الجناة او المسببين لحدوث الأزمة تمهيداً لإلقاء القبض عليهـم
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦٠
وتطويق نتائجها ، فإن مندوبي وسائل الإعلام يحاولون بكل ما أوتـوا مـن قوة جمع هذه المعلومات والوصول قبل رجال الشرطة إلى الأسباب والنتائج والتداعيات ، انطلاقاً من حرصهم على السبق الصحفي وتقديم الحقائق لجمهور الرأي العام الذي يخدمونه، ومن هذه الصورة التنافسية نجد أن رجال الشرطة ومندوبي وسائل الإعلام في مأزق حقيقي .
فرجال الشرطة يحاولون تطويق الأزمة دون أن يعطلهم أحد مثل رجال الصحافة والإعلام ، ويسرعون في المضي في نشاطاتهم حفاظاً على الأمن العام والمصلحة العامة ، وهم بذلك بحاجة إلى تعاون رجال الإعلام بأن يعطونهم فرصة لكي يتمكنوا من إنجاز مهامهم الشرطية ، وبعدها يقدمون لهم الأخبار والمعلومات الكاملة .
ولكن رجال الإعلام لا يستطيعون الانتظار كثيراً تحت إلحاح رؤسائهم وطلبات الرأي العام لمعرفة حقيقة ما حدث .
وفي هذا التنافس لا يجد الفريقان مناصاً من التعاون والتنسيق لأن كل منهما بحاجة إلى الآخر . وعلى الرغم من أن دور رجال الإعلام يكون في العادة خصماً لرجال الشرطة إلا أنه يعتمد على المعلومات التي يقدمها المسؤولون عن إدارة الأزمة من الشرطيين ، وفي حالة امتناع أي مسؤول في الشرطة عن تقديم أية معلومات حول الأزمة ، فإن رجل الإعلام سوف يبحث بنفسه عن مصادر أخرى عن المعلومات ، وقد تكون هذه المصادر هي المواطنون أنـفـسـهـم أو المشتبه بهم أو جهات ذات أجندات خاصة ، وقد يلجأ إلى التحليلات الشخصية والتصورات الخاصة والمعلومات المغرضة من وسائل الإعلام المعادية ، لأن الفراغ الإعلامي دائماً يملؤه الشيطان ، ومن العبث أن يتجاهل رجال الشرطة أو المسؤولون عن إدارة الأزمة أسئلة رجال الإعلام لأن ذلك من شأنه أن يحولهم إلى معادين يحاولون الاتجاه بمـعـلـومـاتـهـم وآرائـهـم
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦١
الصحفية إلى الوجهة التي لا تخدم أنشطة الشرطة وتربك أعمالها .
وعليه فإنه يصبح من الضروري والهام لمسؤولي الشرطة أن يبنوا علاقات حميدة بينهم وبين رجال الإعلام من زمن بعيد لكي يجدونهم إلى جانبهم وقت الأزمات .
إن العلاقة الطيبة بين رجال الشرطة ورجال الإعلام تقوم وتعتمد على الثقة المتبادلة ، وعلى قدرة التنبؤ باحتياجاتهم وفهمها وتلبيتها ، وهذه العلاقة لا يمكن أن تبنى بين عشية وضحاها ، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدارة فعالة للعلاقات العامة في أجهزة الأمن والشرطة ، تكون مهمتها كسب ثقة وصداقة رجال الإعلام من خلال تزويـدهـم بالمعلومات والتصريحات الخاصة باكتشافات الجرائم ونشاطات الأجهزة الأمنية في ملاحقة المجرمين ، والاستعدادات لمواجهة كل طارئ في حينه حتى تكون مثل هذه المعلومات مادة صحفية تثري عملهم وتطلعهم على سير عمليات الشرطة في حفظ الأمن والنظام العام الذي يهمهم كإعلاميين يشاركون في بناء أمن واستقرار المجتمع الذي ينتمون إليه وفاء لرسالتهم الإعلامية والإنسانية والاجتماعية في خدمة الرأي العام .
وفي سبيل تحسين العلاقات مع وسائل الإعلام لا بد من اختيار متحدثين رسميين من ذوي الاتجاهات الإيجابية حيال الإعلام والصحافة ومن ذوي الثقافات المهنية العالية ولـهـم اهتمامات بالاتصال مع رجال الإعلام ، ممن يتعاملون معهم بارتياح ولا يهابونهم .
ومن الجدير بالذكر أن اختيار المتحدث الصحفي يجب أن يكون في وقت مبكر حتى يستطيع أن يتصل بالإعلاميين ويقيم معهم علاقات ودية ، ويبني معهم جسور جسوراً من التفاهم ، وأن يتعرف على المسؤولين عن محطات الـتـلـفـزيـون والإذاعة والصحف ويعرف آليات عملهم ، عندها يتعرف عليهم كشخص حقيقي
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦٢
وليس مجرد متصل على طرف الهاتف ، الأمر الذي يشجعهم على التعاون البناء في إخراج الرواية التي يقدمها الناطق الرسمي بشكل متوازن وقريب من الحقيقة والواقع.
على المتحدث الرسمي أن يتذكر دائماً أن رجال الإعلام يحتاجون إلى معلومات جيدة في وقت وقوعها على أن تكون حقيقية وبأسرع وقت ممكن ، وعلى أي متحدث رسمي أن يكون مستعداً للإدلاء بأحاديث صحفية ومقابلات حية في أي وقت ، حتى وبعد ساعات الدوام الرسمي ، لأن رجال الإعلام سوف يتصلون به وقت علمهم بوقوع الحدث ، ولن ينتظروا كثيراً لأنهم في سباق مع الزمن وفي تنافس مع بعضهم بعضاً ، وكل واحد منهم يحاول أن يخدم مؤسسته الإعلامية بالطريقة المثلى وبالسرعة القصوى، وعندها سوف يلجأون إلى أي مصدر آخر إذا لم يجدوا المتحدث الرسمي باسم الشرطة في الوقت الذي يريدونه .
ومن المهم أن يعرف المتحدث الرسمي أن الصحفيين ورجال الإعلام متنافسون بطبعهم ، ويخشون من فوز المنافسين عليهم ، ولـديـهـم وظيفة يحاولون أدائها ، وهي أن من واجب كل واحد منهم أن يكون أول من يحصل على الخبر، وأن يكون أفضل من يكتب عنه ، ولذلك يجب على المتحدث الرسمي أن يعاملـهـم على أساس المساواة والإنصاف ، وعدم تفضيل أي منهم على الآخر لأن مثل هذه المعاملة تتسبب في إغضاب بقية رجال الإعلام ، وسوف تدفعهم إلى التذمر والشكوى ، وعدم الثقة بهذا المتحدث المحابي من وجهة نظرهم ،
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦٣
وهناك ملاحظة أخرى ، وهي أن المتحدث الرسمي يجب أن يعلم أن رجال الإعلام سوف يبحثون عن الحقيقة من أكثر من مصدر من داخل جهاز الشرطة والأمن ، أو من خارجه ، سعياً للحصول على أخبار لا يقولها المتحدث الرسمي أو لتفنيد أقواله إذا كانت تتسم بعدم المعقولية ، ولذلك فإن على المتحدث الرسمي أن يعتمد الصدق في الرواية وعدم المراوغة في تقديم الأدلة والبراهين ، وعليه أن يدعم أقواله بالصور والوثائق إن أمكن والأرقام الإحصائية الحقيقية ، لأن ذلك من شأنه أن يجعل القصة التي يرويها أكثر مصداقية وإقناعاً.
مما تقدم يمكن استخلاص بعض قواعد الإعلام والإتصال في الأزمة وهي
١ـ يجب أن تجمع كل المعلومات ذات الصلة وتوزع من نقطة مركزية واحدة وفي الحالات التي تتسم بأهمية قصوى يجب أن يكون الشخص المتحدث هو أعلى الأشخاص رتبة .
٢ ـ يجب على المتحدث الرسمي أن يسهل عملية الإتصال به في أي وقت من ليل أو نهار ، بحيث لا يدع أية فرصة للآخرين لكي يـنـقـلـوا الخبر عنه
٣ – على المتحدث الرسمي أن يكـون مـواظباً على مواعيده ، وأن يتصف بالنزاهة والصراحة ، لأن ذلك من شأنه أن يمنع انتشار المعلومات غير الصحيحة .
٤ ـ يجب على المتحدث الرسمي أن يبلغ رجال الإعلام بالأخبار السيئة حينما يكون ذلك ممكناً ، خوفاً من أن تتهمه الصحافة إذا عرفت بها من تلقاء نفسها بمحاولة التستر أو التغطية عليها .
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦٤
٥ ـ على المتحدث الرسمي أن لا يدلي بتصريحان أن لا يدلي بتصريحات ليست للنشر أو غير منسوبة لشخص معين بالإسم . توصل الباحث في نهاية بحثه إلى مجموعة من النتائج لعل من أهمها :
١ ـ الإعلام الأمني ليس هدفاً بحد ذاته وإنما هو وسيلة تعليم وإرشاد وتوعية للمواطنين توضح الأدوار المطلوبة منهم لمساعدة رجال الشرطة والأمن لحماية الأمن والنظام العام لمصلحة الجميع
٢ ـ الإعلام الأمني كفرع متخصص من علم الإعلام من السهل على الكثيرين التحدث فيه وانتقاد أداء العاملين فيه ، ولكنه عمل من الصعب على معظم المنتقدين له ان يعملوا فيه ، لأنهم لا يـعـرفـون بـه ولا يجرؤون على تحمل تبعاته .
٣ ـ الإعلام الأمني الناجح في النهاية هو إعلام المنتصر ، لأن نجاح المهام دائماً يبرر أخطاء العاملين سواء في العمليات الميدانية أو في العمليات الإعلامية .
٤ـ يواجه الإعلام الأمني تحديات معاصرة تتمثل في توفير مستلزمات العمل الناجح مـن كـوادر بشرية ، وأجهزة ومعدات فنية ووسائل اتصالات وآليات للمواصلات ، وحرية في التنقل والحركة ، مع فتح – قنوات الاتصال مع غرف العمليات ومصادر المعلومات في الميدان
٥ ـ تأخذ الرواية الأولى عن الأزمة قصب السبق وتدور جميع الروايات اللاحقة حولها ، لذلك تأخذ الرواية الرسمية أهمية كبرى إذا كانت الأولى في النشر .
٦ـ يواجه الإعلام الأمني منافسة شديدة من وسائل الإعلام الداخلية
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦٥
والخارجية والدولية ، وهذا يتطلب من القائمين على هذا النوع من الإعلام أن يكونوا مستعدين وجاهزين دائماً مهنياً وفنياً.
٧ ـ لا يستطيع العاملون في الإعلام الأمني أداء مهامهم بنجاح دون معاونة هيئة أركان العمليات في القيادة العامة والقادة الميدانيين ورجال الشرطة والأمن في مسرح العمليات
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٦٦
