ماهية طبيعة إشكالية الإعلام الأمني في الأزمات
يأخذ الإعلام صفة القضية التي يتناولها ، فإذا كانت قضية سياسية ، يكون إعلاماً سياسياً ، وإذا كانت اقتصادية ، يصبح إعلاماً اقتصادياً ، ويغدو ثقافياً إذا كانت القضية ثقافية واجتماعياً وحضارياً وبيئياً إذا . كانت القضية التي يتصدى لها كذلك ، وهكذا يكون الإعلام أمنياً عندما تكون القضية التي يواجهها ويقدم عنها أخباراً ومعلومات ، قضية أمنية تتعلق بحياة البشر وسلامة أعراضهم وأموالهم ومكتسبات وطنهم .
والإعلام الأمني في معظم حالاته ينشط وتبرز أهميته في حالات الأزمات الأمنية ، التي تواجه الأجهزة المسؤولة عن حفظ الأمن والنظام في أي مجتمع ، فمن أزمة مكافحة الجريمة الواقعة على أمن الدولة وعلى الأشخاص أو الأموال إلى أزمة التصدي للجريمة المنظمة وأزمة مكافحة المخدرات ، إلى أزمة مكافحة الإرهاب بمختلف أشكاله من اختطاف الطائرات ، واحتجاز الرهائن ، والاعتداء على رجال الأمن والموظفين العموميين ، وترويع الأهالي والاعتداء على حريات المواطنين وسلب أموالهم وتخريب ممتلكاتهم ، وتعطيل النظام العام .
وكذلك الأمر في الأزمات الطبيعية الناتجة عن الزلازل والفيضانات والأعاصير والكوارث الأخرى كالأمراض السارية والمعدية وغيرها من الأزمات التي تستنفر طاقات أجهزة الدولة عامة والأمن العام خاصة للتصدي لها
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٤٦
فما أن يخرج الإعلام الأمني من التعامل مع أزمة حتى يدخل في أزمة أخرى، وبالتالي فإن هذا النوع من الإعلام يمكن أن يوصف بأنه إعلام أزمة ، وفي غير حالات الأزمة الأمنية فإن الإعلام يتحول إلى إعلام اجتماعي أو ثقافي أو توعوي أو تنموي بحسب القضية التي يعالجها ، حيث يتوجه إلى أن يصبح إعلاماً هدفه إرشاد المواطنين إلى الإجراءات اللازمة التي يجب عليهم أن يتخذوها لحماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم من الاعتداء ووقاية أبناء مجتمعهم من أن يقعوا فريسة للاحتيال والاعتداء ، وإلى إعلام توعوي بأهمية التزام المواطنين بالقوانين والأنظمة والأخلاق الحميدة ، وكذلك الطلب منهم مساعدة رجال الأمن في تأدية واجباتهم في حماية الممتلكات العامة والخاصة وفرض هيبة النظام العام لكي يستقر المجتمع ويتمتع الجميع بالهدوء والسكينة وقطف ثمار الطمأنينة ، بهدف زيادة الإنتاج والتنمية وتحقيق الرفاه الاجتماعي لجميع أبناء المجتمع(۱) إن الإعلام الأمني في الحالات الطبيعية ، إذا سلمنا جدلاً بأن أجهزة الأمن العام يمكن أن يمضي يومها بدون أزمات ، يمكن أن يحمل رسائل تعليم المواطنين وتوعيتهم من أجل زيادة الحس الأمني والوعي لدى مختلف شرائح المجتمع من أطفال ونساء ورجال وشيوخ وأهـل حـضـر وبـواد وأرياف، وتلاميذ ومعلمين وتجار وصناع ومزارعين ، بهدف جعلهم جميعاً أعواناً لرجال الأمن العام .
ومن ناحية أخرى يمكن أن يستهدف الإعلام الأمني تنبيه المنحرفين وردع المجرمين ، وفي نفس الوقت طمأنة المواطنين الصالحين إلى أن في المجتمع سلطة قوية وأجهزة أمن عام جاهزة ومستعدة
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٤٧
لإلقاء القبض على كل من تسول له نفسه الاعتداء على حقوق الآخرين وذلك من خلال إبراز أنشطة مختلف أجهزة الأمن والشرطة ومدى جاهزيتها للقيام بواجباتها ، وكذلك فإن هذه الأنشطة الإعلامية تسهم في رفع الروح المعنوية لكافة منتسبي الأجهزة الأمنية عندما يطلعون على إمكانيات وطاقات مختلف وحدات الأمن العام من خلال الرسائل الإعلامية التي تبث إليهم . يقوم الإعلام الأمني على فلسفة ومقاصد مفادها زيادة التأثير والفاعلية لما يصدر عن أجهزة وسائل الإعلام العامة والخاصة بأجهزة الأمن من نشاطات إعلامية ذات صبغة أمنية تقدم من خلال منظومات الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ، والتي يقصد بها توعية أكبر قدر ممكن من الناس توعية أمنية متوازنة تثري الروح المعنوية والمادية بـكـل مـقـومات النجاح والتفوق ، من خلال الالتزام بالأنظمة والتعليمات التي تكفل أمن الإنسان وحريته وسلامة عرضه وماله في شتى مجالات الحياة . ويعد الإعلام الأمني من المصطلحات الحديثة التي أخذت مكانها المميز بين أساليب الإعلام النوعي المتخصص الهادف ، وهو بهذا المعنى يعرف بأنه (كل ما تقوم به الجهات ذات العلاقة من أنشطة إعلامية وتوعوية وتعليمية بهدف المحافظة على أمن الفرد والجماعة وأمن الوطن ومكتسباته في ظل المقاصد والمصالح المعتبرة)) . وحيث إن الإعلام يقدم معلومات وتحليلات ومناقشات ويعرض أراء المختصين والمسؤولين حول قضية معينة من أجل التأثير في اتجاهات الرأي
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٤٨
العام لمناهضة توجه ما أو لتأييد قضية أخرى ، فإن من الصعب على القائمين على الإعلام أن يكونوا على الحياد ، فهم مع طرف ضد طرف آخر ، ولو حرصوا على الظهور بمظهر الحياد وعدم التدخل ، وذلك لأن الإعلام عامل حيوي يتأثر بالحدث ويؤثر بالرأي العام الذي سيؤثر بدوره في الحدث في مرحلة ما ، انطلاقاً من طبيعة الإعلام الديناميكية المتحركة في مختلف الاتجاهات . فالإعلام عامل متغير ومغير في نفس الوقت ، أي أنه تابع للحدث ومتبوع من اتجاهات الرأي العام ، وله سطوة قوية في تغيير نتائج الأحداث وتوجيهها في اتجاهات مرغوبة لصانع القرار الذي يمتلك صناعة الإعلام القوي بمختلف وسائلها ورسائلـهـا وكـوادرها وأجهزتها المرئية والمسموعة والمقروءة
إن الإعلام المعاصر أصبح صناعة ذات تقاليد وأعراف وأسرار ، تحتاج إلى إنفاق هائل من الموارد المادية على تأهيل الكوادر الفنية والموارد البشرية وإجراء الدراسات والأبحاث والاستطلاعات ، وإنتاج المواد الإعلامية ، وبثها عبر وسائل الإعلام المختلفة في أوقات ومناسبات مؤثرة تتلاءم مع طبيعة الحدث والاهتمام العام به من قبل الجمهور المستهدف . ومن هذا المنطلق أصبح الإعلام المعاصر محتكراً في معظم دول العالم من مجمو محدودة من الشركات العملاقة العابرة للقارات ، والتي تفوق موازناتها المالية كثيراً من موازنات بعض الدول المتقدمة ومعظم الدول النامية ، ونلاحظ بأن الإعلام العالمي أصبح في خدمة الدول العظمى لترويج ثقافاتها
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٤٩
ومنتجاتها ، وفرض سيطرتها وهيمنتها على مقدرات البشرية بأسرها ، في مختلف مناطق العالم ، لا بل وتعداها إلى السيطرة على العالم الخارجي .
العمل الإعلامي الأمني المشكلات والحلول – مركز دراسات وبحوث جامعة نايف للعلوم الامنية – صفحة ٥٠
