مراحل تطور الإعلام العربي
إن مراجعة تاريخ الإعلام العربي منذ بدء ظهوره في مطلع القرن التاسع عشر تبين لنا أن هذا الإعلام مر بمراحل أربع ويلج الآن مرحلة خامسة هي مدار هذه الدراسة:
1 ـ مرحلة السيطرة: لقد تأخر دخول المطبعة في الدولة العثمانية ومعها الأقطار العربية، بفعل فتوى من شيخ الإسلام بأنها «رجس من عمل الشيطان» حتى القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر.
فلقد تحالف «النساخون وشيوخ الـديـن ضـد [آلة الطباعة وحبرها، فالنساخون خافوا على مهنتهم من الاندثار… وظن الشيوخ أن الحبر نجس… ولم تدخل المطابع إلا حوالي ۱۷۲۰م»
ولا بد أن الصفوة الحاكمة في الدولة العثمانية قد رأت في المطبعة «منافساً خطراً لسلطانها على العلم والمعرفة» واحتكارها لها بل إن الصحف الأولى التي ظهرت اعتباراً من مطلع القرن التاسع عشر كانت رسمية، وغير عربية التوجه (مثل: جورنال العراق عام ١٨١٦، وطبعت في بغداد باللغتين العربية والتركية، أو جورنال الخديوي في مصر عام ١٨٢٧، وطبعت
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٣٤
أول الأمر بالتركية، وأصـدر الفرنسيون في الجزائر جريدة المبشر عام ١٨٤٧ ـ بعد احتلالهم تلك البلاد عام ١٩٣٢).
مثل هذه الصحف صدرت في عواصم الولايات الخاضعة للدولة العثمانية أو الحكومات المستعمرة. وكانت جميعاً تنطق بلسان حال السلطة، وتنشر التعليمات والبيانات الرسمية، وتحول دون نشر وجهة نظر ناقدة. وجاء قانون المطبوعات العثماني، الصادر عام 1857 والمعدل عام 1865، سلطوياً ومحدداً لحرية التعبير. وأصدر الفرنسيون عام ١٨٨١ قانوناً للمطبوعات اعتبر اللغة العربية لغة أجنبية.
وهذا يبين أن السلطات ـ سواء أكانت عثمانية أم أوروبية استعمارية، أم منشقة (مثل محمد علي في مصر) ـ هدفت من وراء إدخال المطبعة وإصدار الصحف تحقيق السيطرة على فكر الإنسان العربي، وإخضاعه لرؤية السلطة، وتوجيهه للقبول بأفكارها. يضاف إلى ذلك أن تأخر دخول المطبعة ترك فجوة معرفية بيننا وبين الغرب تقدر بثلاثة قرون
٢ ـ مرحلة النهوض: وذلك حين تحدى الصحافيون العرب السلطة العثمانية، فدعوا إلى تحرر الأمة واستقلالها، بخاصة بعد صدور قانون عام 1909 العثماني، الذي سمح بحرية تعبير محدودة في المشرق في العام الذي أصدر فيه الإنكليز في مصر قانون مطبوعات متشدداً حد من حرية التعبير هناك.
وقبل ذلك، قامت الصحافة التي صدرت في لبنان ومصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بخاصة على أيدي صحافيين من أمثال أديب إسحاق وعبد الرحمن الكواكبي، بدور في الدعوة إلى التحرر من الخضوع للقوى المحتلة الفاسدة، والمناداة بالعلمانية، وإن كانت هذه الدعوات أكثر بروزاً عند الصحافيين المسيحيين من إخوتهم الصحافيين المسلمين في تلك الفترة.
وكان أن دفع الصحافيون في بلاد الشام الثمن بالدم لقاء دعواتهم لتحرير أمتهم؛ إذ علق جمال باشا السفاح ستة عشر صحافياً، مع أحرار آخرين، على أعواد المشانق في ساحتي الشهداء في دمشق وبيروت عشية قيام الثورة العربية الكبرى عام ١٩١٦.
۳ ـ مرحلة الاحتواء: بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حصلت البلاد العربية على استقلالها تباعاً. ولم يكن هذا الاستقلال كاملاً، بل فيه خضوع للسلطات الاستعمارية. وتم توقيف الصحف المنادية بالقومية والوحدة، وسُجن الصحافيون
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٣٥
الذين رفعوا تلك الشعارات وعوقبوا.
وكان من الطبيعي في ظل هذا الوضع أن تعمل السلطة شبه المستقلة، الخاضعة لوصاية الدولة المنتدبة وتوجيهاتها، على «احتواء» الدعوات المنادية بحرية التعبير. ونتج من هذا قمع وجهة النظر الثانية، وخصوصاً وجهة النظر المناوئة. وفي هذا مفارقة: ففي حين كانت صحف الدول المستعمرة تتمتع في بلادها بنظام ليبرالي يمارس حرية التعبير، كانت الصحف في الدول المستعمرة في ظل نظام قائم على التبعية والاستبداد وأحادية الفكر السلطوي. وقد سمحت السلطات للصحافة بأن تظل في يد القطاع الخاص في بعض الأقطار، لكنها حددت عملها بقوانين المطبوعات والنشر ومنح الرخصة للموالين. وفي أنظمة عربية (ثـوريـة)، تم تأميم الصحافة وإخضاعها لتوجيه السلطة، وظهرت وزارات الإعلام أو الإرشاد والتوجيه القومي (لاحظ كلمات: الإعلام، التوجيه، الإرشاد)، وصار تعيين رئيس التحرير من صلاحية الوزير. لقد أدركت الحكومات العربية أهمية وسائل الاتصال الإلكترونية (المذياع وثم التلفاز) في السيطرة على العقل العربي، فأبقت على هذه الوسائل ـ في جميع الأقطار العربية تقريباً ـ من البداية وحتى نهاية القرن العشرين، خاضعة لسيطرتها، واعتبرتها وسائل توجيه وتلقين وإعلام تنطق باسمها، ونجحت في تعزيز الشفاهية وتعميقها. ولم تكتف السلطة بذلك، بل ساندت أبواق الدعاية لها بإنشاء وكالات أنباء غذتها بسيل من أخبار الرسميين وإنجازاتهم. وقد أثبتت وسائل الإعلام فعاليتها في المجتمعات لسببين هما انتشار الأمية وضعف بنية الاتصالات والمواصلات. وبرز في هذه المرحلة الإعلام المصري الدعائي، الذي سيطر سيطرة شبه مطلقة على الوجدان العربي حتى عام 1967 ـ عام النكسة. في هذه المرحلة إذن، تم احتواء الإعلام وتوظيف صوته وإمكاناته بالكامل لخدمة السلطة، ما عدا استثناءات محدودة هنا وهناك.
4 ـ مرحلة الإغراق والذهول: مع قدوم الفضائيات منذ الثمانينيات، أدركت بعض الدول خطرها، فعمدت إلى حظر استخدام الصحن اللاقط منعاً لاستقبال الإشارات القادمة من الفضاء الذي بدأت رسائله تُغرق المتلقي بصنوف من الرسائل وبمختلف الأنواع. وفي هذه المرحلة حل الإعلام الخليجي محل الإعلام المصري، الذي ضعف دوره الدعائي بعد حرب 1967.
وزيدت جرعة الترفيه التي قدمت عبر الفضائيات . وكان الهدف واضحاً: محاولة تخدير المواطن وإلهائه بما يقدم له من ألوان الإغراء والغناء والبرامج الهابطة. وأدركت أقطار الخليج العربي الثرية أهمية الإعلام الفضائي، فتسابقت لاقتنائه ودعمه، واحتلت قنواتها الصدارة في السوق العربية. وكان أن شهدت المرحلة في بداية التسعينيات بدء ظهور الإعلام الخاص ـ بفضل الرقمنة ـ إلى جانب
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٣٦
الإعلام الرسمي. وأبقيت الوظائف الأساسية تعمل على أشدها: الترفيه، لإشغال المواطن وإضاعة وقته وإلهائه والهبوط بذائقته، والإخباريات، لتقديم أخبار متلاحقة عن الصراعات ومساعي العرب الاستسلامية التي كانت تحبط المتلقي وتزيد من اكتئابه في زمن شهد تعمق النزاع بين الأقطار العربية، والتوجه نحو غزو بعضها من الخارج. وكانت نتيجة هذا أن أصيب المتلقي العربي بالذهول والحيرة والضياع والإحباط.
هذه الصدمات عملت على إيقاظ وعي المتلقي حين اكتشف أن هناك جوانب أخرى للحقيقة.
5 ـ ولوج نظام اتصالي شبه ليبرالي (يعزز تقاليد العصر الشفاهي): شهدت أواخر التسعينيات تطوراً تكنولوجياً مهماً، باختراع التلفاز الرقمي عام 1998، وهو ما مكن من دمج القنوات الرقمية بعضها ببعض. وكان هذا محفزاً لإحداث نقلة جديدة تفرضها حتمية تكنولوجية من نوع جديد محملة برسائل من كل نوع، ومن كل حدب وصوب، لا عد لها ولا حصر، تجيء عبر الطريق السريع.
ومع قدوم الاندماج الرقمي، بدأت الصورة تتغير؛ إذ اضطر الإعلام الحكومي إلى إلقاء مقص الرقيب جانباً (حين اكتشف أن ما يقتطعه من معلومات أو مناظر لحجب رؤيته عن الجمهور، يمكن أن يصل إلى ذلك الجمهور بأدوات اتصال أخرى كالفاكس، أو الإنترنت)، فرفع الحظر عن اللواقط الفضائية. وقدم الإعلام فضائيات إخبارية عنيت ـ على نحو متفاوت ـ بتشجيع الجدل (الانفعالي أحياناً) وطرح الآراء المتباينة وجلد الذات. وكانت القاعدة الشعبية العربية خلال السنوات الماضية تشهد تغيرات جمة؛ إذ توسعت شريحة المتعلمين والناقدين، وظهرت حركات نضالية جندت لصفوفها جيوش المتعاطفين الغاضبين جراء ما آلت إليه أوضاع الأمة العربية. وتحسنت طرق الاتصال والمواصلات، وانفتح المثقفون على حضارات العالم المعاصر، ودرسوا أسباب نهوضها، وتفاعل الغضب في الصدور، وازداد الوضع دينامية بظهور صحافة المهجر التي كانت أقوالها الناقدة ترددها الإذاعات الدولية. في وجه هذا المد، انحنت الحكومات للعاصفة، لكنها لجأت إلى طرق غير مباشرة للاستحواذ على عقل المشاهد، فأقامت فضائيات إخبارية ذات تقنية عالية، وزودتها بكوادر وبمراسلين مهرة عملوا متكاتفين على تقديم وجهة النظر الرسمية بصورة غير مباشرة، ثم وظفت الترفيه بأعلى صوره، بل وأقامت قنوات متخصصة بالكامل له عبر قنوات حليفة، وساندتها في ذلك شركات الاتصالات الهاتفية التي اقتسمت الأرباح المادية.
ولتنفيذ هذا المخطط، تم توظيف «تكنوقراط» موالين.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٣٧
لقد قام نظام الاتصال الإعلام العربي، حتى نهاية التسعينيات من القرن العشرين الماضي، على تقديم الرأي الأحادي ووجهة نظر السلطة، فساهم ذلك من الناحية الاجتماعية في إيجاد متلقين يحسنون الاستماع والإصغاء، وسلبيين لا يجادلون في ظل ثقافة شفوية عامة.
لكن الرقمنة، بدأ التحول باتجاه شبه الليبرالية يحقق نتائج. وقد وصف باحث أمريكي تكنولوجيا الإعلام الرقمي وأثرها بقوله إنها «ثورة من نوع جديد في العالم العربي… أدت بدورها إلى تأسيس وسائل اتصال إقليمية حديثة في المنطقة العربية تتفوق على السيطرة المباشرة لحكومات المنطقة والأنظمة السياسية فيها».
وفي هذا المجال، يرى الباحثون العرب أن الإعلام في هذه المرحلة أدى إلى تغيير في القيم، لكن ليس في موقف الحكومات. فالصادق الحمامي يعتقد أن وسائل الإعلام الرقمية حققت تغييراً في القيم الاجتماعية، في حين يرى حسين أمين أن الحكومات العربية لن تمنح الصحافيين حرية التعبير في المستقبل المنظور حقاً، لقد شهد الواقع العربي السياسي تراجع الحلم القومي الوحدوي، واحتلال أقطار مركزية عربية من قبل الغزاة الجدد، لكن إدراك المتلقي أن هناك وجهة نظر ثانية في مكان ما على الطريق السريع في محطة أخرى ـ عربية وغير عربية ـ غير الصورة، وأيقظ الوعي المجتمعي. وتغيرت الرسالة الإعلامية، وتغير معها الإنسان العربي، وارتفعت وتيرة التذمر والنقد، وصاحب ذلك إرهاصات أخرى.
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة كتب المستقبل العربي – عدد ٦٩ – مجموعة باحثين – صفحة ١٣٨
